Powered By Blogger

الأربعاء، سبتمبر 25، 2013

تحية لمعتصم الإزيرق ...



ربيب الموسيقي حين يكتب الشعر ...
في تحية معتصم الإزيرق .
--------------------------                                    


تعرفونه ، فهو الآن ، بينكم . وأعرف أنكم أتيتم لتحية الشاعر فيه ، لمناسبة صدور أول كتاب شعري له ، لكنني أودكم تنظرونه معي من أوله : أنه ، منذ مبتدأه ، عاشق للموسيقي ، يعشقها حد الوله ، له قلب قد صاحبها ، جميعها ، حد يراقصها : الألحان والأنغام والحركات ، أمعنوا التأمل في نصوصه ، في باكورته " وتريات إسماعيل صاحب الربابة " ، ولاحظوا معي ، أنه " صاحب الربابة " ، لا عازفها ، هكذا وصفته " الطبقات " فنالت رضاه ليجعلها لشعره تاجا من مواجد العاشقين . لاحظوا أيضا ، كيف يتدثر الإزيرق هنا ، بخجل العذروات وحيائهن ، إذ يقول بصاحبه الرحيم الذي يكاد لا يفارق قصيدته : الإيقاع !  وما الإيقاع ؟ الإيقاع ليس الوزن ، بل طريقة ما لحال " تنفس " الشاعر ، صياغة لتوتراته وموسيقاه الداخلية ، لا ... ، الإيقاع ليس حكرا علي ،الوزن ، فقد يتأتي من تنامي العلاقات بين الحروف والكلمات والدلالات ، فيمكنك ، أيضا ، أن تجده حتي في نص نثري ، أو في قصيدة " التغيير " ، المغايرة ، الباذخة الطلوع بيننا في أيامنا الآن ! أبحثوا عن الإيقاع في قصيدة الإزيرق تجدونه بألف وجه ووجه . يقول درويش :
" يختارني الإيقاع ،
   يشرق بي ...
   أنا رجع الكمان / ولست عازفه .
   أنا في حضرة الذكري
   صدي الأشياء تنطق بي
   فأنطق ... " ...

ذاك هو حال شاعرنا ، عاشق الإيقاع وأخته التوأم الموسيقي . يتذكر ، وهو في حضرة الذكري ، تماما كما قال درويش ، صدي الأشياء تنطق به ، فينطق ، وهذا شعره الآن مضموما إلينا بمحبة الشعر ورؤاه فينا ! الموسيقي ، إذن ، بإيقاعها، تتعمد في قصيدته ، تنثال في النصوص كلها حتي خاتمة الكتاب ، صورا ومشاهد شتي مبثوثة في مناخ شجري ، في البستان وفي الحديقة ، ومثلما الفراشات يجعل للتعابير رفيف ، فيتسع في إذكاء أوارها بالموسيقي والإيقاع ، لكأنه يودها تتسع لتغدو عوالما وسماوات ، لكنه لا يغفل عن سقياها ، فقد خلق اللحظة الأثيرة التي تؤذن بأنبجاسة الماء !
الموسيقي بنت الشعر ، والإيقاع ربيبهما الوسيم في الحياة ! الإزيرق – الذي نقرأ بعضه الآن – هو في الأصل " حلواني " علي قول أصحابنا المصريين . سر حلاوته في صواب أختيارهما معا ، الجميلان في أفق الشعر : الموسيقي والإيقاع ، في قصيدته . هذا الإنسان الجميل – والإنسانيون في مشهدنا الشعري قليلون قليلون – رغم واقع تخصصه في اللغة العربية منذ العام 1970 ، ثم
- من بعد – حصوله علي الماجستير في " الأدب العربي الحديث " العام 1980 ، فقد عاد – بسبب من تلك الروح الحالمة في تحليقها العالي وتجلياتها – إلي أشواقه وعشقه الذي لا يكون إلا به ، إلي الموسيقي ، معشوقته التي شكلت شخصيته ورؤاه في الحياة ، حيث ذهب ، من بعد ، إلي " معهد الدراسات الأدبية " التابع لجامعة لندن لتلقي الدرسات في الموسيقي ، في وجهها الذي عرفه وخالطه هنا ، ووجهنا هناك ، ولم يغادر إلا بعد أن نال درجة الماجستير في الموسيقي ، فتأملوا !
معتصم الإزيرق ، منذ تعرفنا إليه مطلع السبعينيات ، وهو في سيره الولهان صوب الموسيقي ، هو نفسه بعضا كثيرا من وجهها ، من ملامحها وإيقاعها الراقص ! ياااه ، لقد قلتها : الراقص ! وأين يكون الرقص بالإيقاع إن لم يكن في الشعر ؟، وأن جعله رئيسنا في الملهيات !  شاعر هو ، لكنه ، برتبة في الموسيقي ، بمرتبة الوجد في اشتعالاته . تأملوه يكتب في مقدمة مجموعته الشعرية " الأولي " التي تنشرالآن  له ، ولست أدري لم تأخر نشرها كل هذا الوقت لتصدر الآن فنسميها كتابه الأول ؟ وفي المجموعة قصائد كتبت في السبعينيات وما بعدها ؟ أنظروا ماذا أقتبس وثبته في مقدمة المجموعة ، في موضع الأهداء ، لكنها تضئ وجهه الشعري ورؤاه :
- " سأمضي ...
    سأمضي في طريق من الأجنحة
   حيث الكتابة نفسها لم تعد
   إلا جناحا ...
   الوطن الجميل دان ،
   لإفتتاحه من جديد " ...
ذلك ما نقله عن " سان جون بيرس " ، وهو بها حفي ، ولها في دواخله معان ودلالات . فهو ، قد ذهب " من يومه " إذن ، في طريق " الأجنحة " ، في التحليق عاليا حيث الكتابة قد غدت أيضا إليه جناح ، والوطن – هذا الجميل في رؤاه – سوف لن يموت ، بل سيكون في نهوضه " الجديد "... ، حلم الرؤيا ، في ليلة عشق جاء وأوقظه ، علي قول النواب مظفر . ثم يمضي ، في ذلك التعريف الوهاج فيقول لكم بلسان المتنبي صاحبه هذه المرة :
- " إذا تذكرت ما بيني وبينكم
                              أعان قلبي علي الشوق الذي أجد " ...
هل رأيتموه ، الآن ، قلبه ؟
ألم أقل لكم أنه إنسان مجبول من موسيقي وإيقاع وشعر ؟
لكنني لست أدري بعد لم اختار هذا العنوان بالذات لمجموعته الشعرية هذه : " وتريات إسماعيل صاحب الربابة " ؟ فمن المعلوم أن لدي الصوفية في شعرهم المواجد والمناجأة والنجوي والأشواق وحالات القلب المحرقات حين يحب ويعشق ويهفو ويحلق ، ولديهم فيه موسيقي وإيقاع ورقص يحرك ساكن الأجساد فيشعلها لامعة صقيلة في الحركات ، ترقص الجسد علي تنويعات
" وترياتها " وإيقاعاتها في خاصرة موسيقاها ، تلك بعضا كثيرا من أحوالهم ... أيكون اختياره بسبب من كونه ربيب موسيقي وإيقاع وشعر مثلهم ، أم هي الفتنة ب " إسماعيل صاحب الربابة " نفسه ؟ ذلك الدرويش الحالم / المفارق / المغاير ، في ذهوله العظيم وجنونه حين يكون في ملازمة أحواله وأطواره  ولا هماه، شئ مما حوله ؟ حقا ، هو موصوف بما يدهش في " الطبقات " ،
" الطبقات " التي فتنت بأخبارها العديد من مبدعينا فساروا وجهتها معجبون ، لكنها – في ظني – فتنة " ضيزي " ، في غير موضعها الموضوعي من المعرفة ودنيا الناس وراهنهم ... ، وحتي أتجنب أن لا أغضب أحد ، أرجح أن الإزيرق قد فتنته ، تحديدا ، " وتريات " ذلك الدرويش الهائم لا سواها ... وذلك ما قلنا به منذ أول أمرنا : توجد في قلب الإزيرق ، في الموضع الحميم الرحيم الذي يجاور القلب ، صباياه اللواتي يعشقهن : الموسيقي والإيقاع والشعر ، لا يرغب في فراقهن ، وهن لا يبرحنه البتة ! عبر هذه النافذة – المشحونة كما البرق – بالبريق ، بريق الموسيقي والإيقاع ، يمكننا أن ندلف إلي بستان الإزيرق ، إلي كتابه الشعري وقصائده .
ولكن ، قبل أن نفعل ، أتسأل بدهشة كبيرة ، ماذا عن " الغربة " الطويلة في شعر الإزيرق ، إذ أن حوالي 61 % من شعر ديوانه قد كتبها إبان غربته ، لنذهب أبعد فنسأل ، ما دواعيها ، أصلا ، تلك الجغرافيا الشاسعة التي غيبت جسده عن وطنه طوال تلك الحقبة الهامة من عمره الإبداعي ؟
الجدير بالتأمل في تجربة الإزيرق الشعرية ، والفنية أيضا ، أن سنوات غيابه الطويلة عن الوطن ، أو سمها " غربته " أو " المنفي " أو " الشتات " إن شئت ، تلك الأيام قد وضعته ، وبالتالي جملة إبداعه ، شأنه شأن العديد من أبناء وبنات شعبه في أتون حياة من نوع مختلف نوعا ما ، محكومة ما ، راهنة وحية ، تلقي بكامل وطئها عليه ، علي قلبه بالذات وشيئا ما  كثيرا من رؤاه ، علي روحه ولقمة العيش ، مدججة بذاكرة يسكنها الأسي والوجد والسخط أحيانا كثيرة ، والتأسي علي أيام يعرفها قد مضت عنه ، لكنها في القلب منه ، تلح في رنينها ، بالموسيقي والإيقاع ، ترف وترن ، ترن وترف طوال أيامه ، هناك أو هنا ... لكنها مشدودة إلي حلمه ، الذي تشكل خلاقا بهيا في وجوه قصيدته ، لتسهم بدورها في صيرورة شعرنا مزودة إياه بملامح ووجوه قضيته المركزية ، قضية وطنه ونضاله الحثيث الخشن لأجل الحرية والديمقراطية والوحدة والسلام والتقدم . ونلاحظ – بغبطة وإعجاب – أن قضية وطنه وأشواقه مشتعلة في مكان ما من ذاكرته المبدعة ، والحال كذلك فأن غربته لم تكن توهانا وضياعا عن الوطن ولا عن الحبيبة ، بل نراها قد شكلت ، في سنوات عمره الخصيب ، اللوعة والحنين والوجد والعشق والغضب ، وارتسمت جميعها زهورا و ورودا يانعات وراقصات في قصيدته .  جل شعره في " وتريات " حظيت به لندن ، عشرون قصيدة من جملة ثلاث وثلاثون هي قصائد الديوان ، تليها القاهرة والخرطوم و ودمدني . الذي دعاني للتأمل ، هنا أيضا ، هو كيف استطاعت موهبته أن تتفجر بهذا القدر العالي من الثراء في لندن بالذات وتقل كثيرا في الوطن و ... القاهرة ؟ لربما بسبب من الوقت القليل المتاح إليه يقضيه فيه ، ما حظي به الوطن من قصائده أقل بكثير من تلك السنوات التي أحتضنته فيها " عاصمة الضباب " ... فالقضايا والقدرة علي قول الشعر بدواخله كامنة ، كما اللؤلؤ في بطن الصدف ، ناهضة إليه ممسكة به من عنقه صوب وطنه وقضاياه أيا ما ولي وجهه ومكث ، لربما تختلف لجظات الخلق ومقدار توهجها ، هنا أو هناك ، وهي تهجس وتضئ بالشعر ! لست – بعد – أعلم لم هاجر الإزيرق أصلا عن الوطن كل هذه السنين الطوال ؟ لربما نحظي منه هنا بما من شأنه أن يضئ هذا الحيز المعتم من سيرته ، ويكون كشافا لنا إذ نتجول في دروب شعره . وبالطبع ، لا يخفي علي فطنتكم دواعي أسئلتي ، فالوطن – كما لاشك تعلمون – هو المهد الحنون والتربة الخصبة التي تطلع منها زهور الشعر والإبداع ، والوطن في راهنه الآن ، في هذا الوقت بالذات ، أحوج ما يكون لسواعد أبنائه وبناته ، والمبدعون من بينهم علي وجه الخصوص ، نعني المبدعون في جميع مستويات الإبداع في تنوعها الكثير الجميل ، وتعلمون أيضا – بحسرات كثيرة لربما – أن هنالك اليوم أكثر من مبدع ومبدعة قد غادروا الوطن " ضيقا " به لربما أحسوه ، ونفورا منه في أوقات الشدة والمعاناة ، فلم يستطيعوا الصبر عليه قليلا فذهبوا، بمحض أرادتهم ومن تلقاء أنفسهم ، إلي مدن الشتات ، ولم الآن ، أنا لست أدري ؟ وأسمحوا لي أن أحيي صمود وبسالة وشجاعة و وعي المرأة السودانية وهي في نضالها الجسور لأجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في الدولة المدنية ... لقد عذبن وأغتصبن وجلدن وحبسن وجرحت مشاعرهن ببذئ القول ، لكنهن لم يغادرن الوطن ، فظللن النخلات الباسقات فيه والرايات الشامخات العاليات في الوطن ، التحيات الزاكيات، زهورا  إليهن الجميلات !
في ظني ، وهذا موضع تأمل ودرس كثير سيأتي ، لتجربة الإزيرق ، أن الغربة قد أخذت منه الكثير ، والقليل هو ما منحته إياه ! لكنت سأصرخ في وجهه بما قال به توفيق صايغ :
" أنا لا أحس إلا بك
   بأن بيتا لم يحترق ،
   وبلدا
   لم يوصد بوجه أبنائه أبوابه
   فهي علي صدرك
   يستدر الحب والرحمة
   وعيناي ورائي
   تتمليان الرعب والمرارة ! " ...
كنت لأصرخ ، لو لم يأت الإزيرق بكل هذا الفيض الحنون من رؤياه في الشعر والموسيقي والإيقاع ، إيقاع الحياة في تواتر تنوعها المثير وتجليات مباهجها التي تحضنا السعي صوب المستقبل الأفضل . أنني لأود أيضا ، لأجل هذه السانحة ، أن أحيي جماعات " مفروش " و " عمل "
و " إكسير " ومجموعات الشباب والشابات الرائعون في منظمات المجتمع المدني ومنظمات التغيير علي سعة تنوعها ، وهم يدقون الصخر ، يحفرونه بمحض تجاربهم الثرة في الإبداع ، يعيشون الوطن وصامدون فيه ، تحية شخصية أيضا للصديق العزيز صالح شوربجي ، أول من جاهر وصرخ ملء قلبه ووعيه : " لا ، يابركة ساكن ، لم تذهب لاجئا خشية من موت يأتيك ، بل هربت من الوطن ! " ... معذرة ، سيداتي سادتي ، أعلم أنني قد أطلت ، لكني قصدت أن تكون صورة ما جاء به الإزيرق من غربته الطويلة عنا واضحة أمامكم بكل أبعادها ودلالاتها ، فلولا قصائد لندن العشرون ، التي هي ، في ظني ، عماد ديوانه ، لكنت ، بالفعل صرخت بوجهه !
يقول الإزيرق عن تداعيات غربته ، التي حرقته ، لكنها قد أنضجته وأكثرت من نداءات الحنين والشوق في دواخله ، فقادته إلي حيث معشوقته وضيئة الوجه ، الموسيقي في إيقاعها الشعري ، يقول عنها وعن حال الوطن :
" ... وتهجانا السكوت
        تجافانا المطر ،
        وتناهي همسنا ...
        حتي الخفوت !
        وعلا الطوفان أعتاب البيوت  
         وإستحالت مهرة البندر طيرا نازحا
         بين أحزان القري يبحث عنا
         ليتنا ... ياليتنا لم نرتحل ،
         أو ليتنا كنا إرتحلنا ! " ...
هذا التمني الملغز ، بسبب من الحيرة التي تكون في حال الذي قلبه علي الوطن ، لكنها الجغرافيا هي التي تؤلم قلبه ، حيرة الملتاع للرجوع إليه / وإليها ! هل لاحظتم كيفها المهرة قد إستحالت
" طيرا نازحا بين أحزان القري يبحث عنا " ، نازحا صوب القري في حزنها الخشن ، وهناك يسأل – ذلك الطير المجيد – عن من رحلوا بعيدا أو قريبا من حزنها ، نازحا يا أصدقائي لا لاجئا !
يأتي الإزيرق ويخرج آخرون ، في ال هناك لاجئون ! ومثلما قلنا في مبتدأ هذا المقام ، مقام التحية للإزيرق الشاعر الفنان ، أن ذاكرة السنين ، صدي ذكرياته هنا ، هي التي تصاحبه فتنضج ، علي نار أشواقه ، قصائده المجنحات ، يقول عن صدي ذكرياته تلك :
" وحده صلي علي أرواحنا جرح الوتر
   وحده أزهر في أعضائنا ورد القصيدة ،
   فانتبهنا للفراش المنتشر
   في متاهات خطانا
   وخلايا دمنا ...
   في القري المفتوحة الأسوار للذكري
   وللإلف الضنين ...
   في إرتحالات السنين " ! ...
هل لا حظتم من هو الذي صلي علي الأرواح ؟ ، أنه " جرح الوتر " ، آنين ناعم ، من موسيقي وإيقاع وضوء ، هو الذي يزهر في الأعضاء ، يلازم " الفراش المنتشر " فيجعلنا ننتبه ، حقا ، كما قال ، هي وحدها " ورد القصيدة " ، في رؤانا ، في برهة الشعر يضوع ! وحان لنا أن نري جمال القصيدة في خصرها برؤية القلب والعين معا .  في قصيدته " قيثارة البقارة الأنثي " ، في ترفها وفتنتها بالموسيقي ، جلب الإزيرق الإيقاع بموسيقاه الراقصة من فرح البقارة في غنائهم الشعبي بحنانه الرحيم فأثبته ، كما النجمة ، في فضاء القصيدة ، ثم شرع ينسج فساتينا ملونات علي منواله ، وأن زاد عليه تألقا ولمعانا وأجراسا ، يقول :
( الليلة والليلة     دار أم بادر يا حليله
  أني سايرة
  زولا سرب سربه         وخلي الجبال غربه
  أدوني لي شربه           خلو النقص دربه
  أني سايرة
  الشاي الفي الصيني  قريافه راميني
  يايمه سيبيني          الجراري راجيني
  أني سايرة ) ...

هكذا قالت البقارة إيقاعها الراقص وأرفقته موسيقاها بحنانها أيضا . تري ماذا فعل هذا الموسيقي الشاعر الموهوب تجاه هذا الفيض من الموسيقي ، في رقصها الحالم الحنون وأشواقها ؟
نراه يقول ، لا ، بل يغنيها مثلما غنته :
" إستسلمت قيثارة البقارة الأنثي ،
   إستسلمت قيثارة البقارة الحسناء للأنغام
   واقتحمت ديار العشق والمنفي
   إستحلت نزوة القلب المراهق
   سامرتنا
   واستهلت بالغناء :
    أين أنت ... وأين أم بادر
    يا ريحانة القلب المغامر
    يا نهار الياسمين ؟ ) ...

أنني لأكاد أجزم أن الإزيرق قد غناها ، بما في قلبه من زينة الأشواق ، غناها ! ، لنعود ، بدورنا نسأله ذات سؤاله :
" في أي كأس من كؤوس الإنتشاء
  وأي جرح من جراح المستحيل " ،

وإلا كيف تجعلنا ، نحن محبوك ، في هذه النشوة الفارطة ، فترقصنا بإيقاع الشعر و وجه الموسيقي وحنان الموجدة ؟ أليس من المدهش أن تكتب هذه القصيدة الغنائية ، المترعة حتي حواف كلماتها ومعانيها ودلالاتها بالموسيقي ، أن تكتب في لندن بالذات ؟ إذن ، كما نري الآن ، أن مواجد الوطن كلها كانت برفقته هناك ، في لندن ، حيث تتفتح زهور إبداعه النبيل !
لنذهب عن لندن إلي مدني السني ، مدينته وعشيقته ، التي بجوارها كان مولده وبعضا كثيرا من صباه في " ود النعيم " ، ولأنها مهد حنون مجيد للموسيقي والغناء ، فقد بادلها إيقاعا بإيقاع ، فجعل يغنيها وهو فيها ، لا البعيد :
" ... كانت الأشجار من نخل و( نيم ) ،
       كانت الأطيار من ( ود النعيم ) ،
       تعبر الشارع يوميا
    علي أوتار قلبي
     وهو يرتج ويعتاد الصهيل ،
     تحت إيقاع النساء البارعات النقر في قلب الطبول
    النساء الماهرات اللمس في ثغر الدفوف
    والتغني ببشارات الفرح
    ونداءات ( العديل ) :
( ياعديلة يا بيضا
  يا ملايكا سيري معا
  الليله شويم بي قدرة الله
   والليله العديله تقدمو وتبراه
   والليله العديله ساهله ليك بيضا ) ...
وعلي وقع أهازيج العذاري ، 
البنات الضامرات الخصر
يا ...
والضاربات اللون للسمرة
في النهر ... وفي رطب النخيل ،
البنات العاليات الصدر
والأحلام
والنشوة
والصوت الجميل !
وهو يفتر كأقواس القزح
في أغاني العرس
و ( السيرة ) في وقت الأصيل ،
زين أوقاتك يا وعد البديل
يا مزامير الخليل ،
يا أمتداد النهر ... و ( البركل ) ... في ( عبد الفضيل ) ، ) ...

وتمتد الأغنية ، إلي حيث مكامن العشق كلها ، علي خارطة الوطن ، علي صدر الحبيبة ، يأتي بمنشدي العشق من أعماق الرؤي فيأتونه ، يغنونه فيغنيهم ، فالقصيدة من مطولاته في ديوان عشقه ، لكننا رأيناه كيف يمسك بالإيقاع وشاحا للأغاني والموسيقي وهي في  دلالها ، فينتقي – بذائقة الشاعر وجمال قلبه – فستانا ملونا بديعا يلقيه علي جسد القصيدة ، علي جسدها ، ليس علي وجهها ! أصدقكم ، لو رغبت أتقصي وجوه الموسيقي والإيقاع في قصيدته ، وهي تحلق في سماء الوطن وتهبط في براريه وقراه ، تعيش دورات حياتها مع شعبها ، لو رغبت فلن تسعني ليلتكم الجميلة هذه ، ولا شك تنتظرون الشاعر يصدح بينكم ، بالغناء وبالغناء وبالغناء ، ولكن ، أسمحولي ، أسمعك غناءا أخيرا ، أظنه يفصح عن مكنون نفسه في شجوه ، يقول  هذا الموسيقي الوالغ حد الشغف بالإيقاع ،يقول في غير خشية أو افتضاح ، ولم ؟ يفصل رواه عن قصيدته التي عمدها وسماها أنثاه :
" تسافر في الريح عند الصباج
   وللريح ترخي ضفائرها
   ثم تسأل شاعرها
   في الختام سؤالا :
   إذا كنت حقا تزعم أنك حقا حبيبي
   و وعدا بميلاد حبي
   فهل لك ياشاعري
   أن تعرف نفسي ... بإيقاع نفسي ،
   ومفتاح فكري ... وعاطفتي
   و مجازي
   وتاريخ عطري ...
   وخمري العتيق المذاب ؟

وإذ سعدت بالأجابة
ألقت عليه ضفائرها ! " ...

يااااااه ، يا للجمال ، حلت إليه الجميلة ضفائرها ، ألقتها عليه !

معتصم الإزيرق ، إليك السلام ، ياحبيبنا إليك الغمام ، نغم الوتر ، و صوت الكمان ، وإليكم جميعا ،أيها الجميلون في حضوركم البهي ، سلاااااام !
-----------------------------------------------------------------------
* معتصم الإزيرق ، موسيقي وشاعر سوداني ، متعدد المواهب في الفن والأدب .
* الكتابة أعدت كتحية للشاعر لمناسبة تدشين ديوانه : " وتريات إسماعيل صاحب الربابة " بمركز علي الزين الثقافي بالخرطوم بحري أمسية الخميس 19/9/2013 ...

ليست هناك تعليقات: