Powered By Blogger

السبت، سبتمبر 12، 2015

الشيوعيون أيضا ، يحبون عثمان بشري !



الشيوعيون أيضا ، يحبون عثمان بشري !
-------------------------------------------------------------


" الشعر هو فعل قائم علي تحريك مفاصل اللغة ، من أجل أن تكون في العميق ، وصولا إلي الثمار الصعبة . دون تلك الحركة ، ودون ذلك النشاط ، لا قيمة للنص ! " ...
                                                          - الشاعر العراقي أسعد الجبوري -

الشعر ، كما أراه ، هو تحريك ، وهرولة ، وتسلق عال و ... سقوط ، من دون كل ذلك ، وبغير غرائبيته ودهشته التي يلبسها أردية وصورا ومعان ، لا يكاد ينجو ، وقد لا يكون شعرا مؤثرا ! فالشاعر ، الجدير بأن نقول عليه شاعر ، هو الذي يراوغها اللغة ، ويشاكسها ، وينشي ، من تلقاء تلك القدرة عنده معاركه مع اللغة ، وفي دواخله الآخرين ، بكل ما لديهم من تعقيدات وتناقضات وصراعات وخيبات حياتهم ، وهو
أيضا قادرا علي " العيد " في أشد الأمكنة وعورة وعتمة ورعبا وحساسية . و دخول الشعر حقل التجريب مهم جدا هنا ، فالشاعر يبدو ، تلك البرهة ، كائن " فصامي " قادرا علي خلخلة وتفجير الأنظمة الشعرية السائدة ، تلك التي تحد من إنطلاقته الحرة وتطوره ، يفعل ذلك بقدرة اللغة والمعاني ، بالصور والدلالات ، ثم يعيد تركيب " معماره " المبتكر ضمن " فوضي " ذات إنسجام وإتساق هو منشئها وسيدها ، وقد يعيق بها حين تطلع في الملأ " المزاج " الشعري السائد ، وقد يحاكمها بأقسي ما لديه من نصال ، لكن ، ذاك الشعر بالذات ، هو ، أصلا ، عمق تخيلي / واقعي ، لا توقفه ، ولا تحد من مسيرته لا الحواجز ولا الجدران ولا العسس ولا الجمهور وقد تعودت ذائقته ذلك السائد القديم ! الشاعر ، إذن ، سيد " محرقة " شعرية غريبة ، يجمع فيها بؤرة ناره التي تتمدد بالمعاني وتنتشر جراء جراء الحرائق فتنثر صورا ومجازات وبنيات لغوية بتناغم يعتمد علي طقوسه " الجوانية " فتلك هي الشاعر نفسه والشعر معا وقد أصابهما الحريق ، تلك محارقه ، ميلودراما داخلية مكتملة للغة وللمعاني .

كيف هو عثمان بشري ؟

هو نفسه ، باطنه هو ظاهره ، وهما – معا – سمت واحد : الشعر ، فبشري يعيش حياته تماما كما شعره ، يعيش شعره في حياته ، فهو في كينونة وجوده نفسه ، تري ملامح شعره في تفاصيل حياته ، ومن يصدق للشعر يكون رداء له و ... يكسوه ، لا قناعا ، بل حياة تراها وتعايشها تلك الحياة فتزداد معرفتك لشعره كلما أمعنت النظر إليه وهو يعيش تلك الحياة . نعم ، تشوب حياته بعضا غير قليل من الغرابة ومغايرة للسائد ، فلم يلق بالا لما يقول به المجتمع أو يكترث لإشتراطاته وسياجه وسقوفاته وخطوطه " الحمراء " . قالوا عنه بالجنون ثم روجوا لذلك ، بخاصة بعد حادثة سقوطه الشهير بالقاهرة من الطابق السابع ، فيوضح الأمر بقوله " كنت مرهقا ، أردت أن أسقط في السرير ، فسقطت في الهاوية " ، هكذا ! . قالوا – أيضا – أنه " منفلت " في حياته ولا مبالي ، ووصفوه بإدمان الخمر ، مقل في تناول الطعام فيكتفي بالقليل منه وغير ميال لحياة الترف فأكثر ما يحب هو أن يكون بين الفقراء من شعبه ، فيعيش مثلما يعيشون الحياة . هو البسيط في مظهره ، يرتدي ملابس متواضعة مثل عامة الناس ، فلم نراه يوما يرتدي " البدلة وربطة العنق " مثلما جل المثقفين والشعراء حين يواتيهم الحظ فيكونوا مثلما الأثرياء في لباسهم ونمط حياتهم الناعمة ، لهذا فهو عصيا علي " التدجين " ولو " منحوه الذهب " علي قول أمل ، قانعا بتجليات حياته الفقيرة وهو الغني بالشعر الذي يعيشه كل لحظاته ، أبدا لا يفارقه حد صار له الصاحب والخل الوفي ، فأغدق الشعر عليه الهبات وعطاياه حتي صار هو نفسه وجها واضحا لشعره أينما حل وأرتحل ! وهو في بلبال هذه الحياة ، يعييش قسوتها فيخلق منها " نعيما " رحيما يظلل شعره اليومي من حياته ، وهو ، بهذي الصفة ليس أبدا ذلك " الكائن الخلوي " كما  أصبح أسم علم عليه ، والتسمية ، هي أصلا ، جعلها هو عنوانا لمجموعته الشعرية الأولي ، هو ، إذن ، مطلقها في الناس وسرعان ما تناولوها وجعلوها أحد أهم العناوين عليه ، وذلك ظلما فادحا بحقه كما أري ، لأن جوهرة شعره في سيرورة متغيرة بأستمرار ، فقصيدته أبدا لا تكرر نفسها ، لا في اللغة ولا في الصور ولا في المعاني أيضا ، قصيدته صاعدة إلي ذري شعرية كل أوقاتها . بشري ، إذن ، كائن شعري مديني بإمتياز حين يكون في المدينة ، ريفيا قحا حين يكون في الريف وضواحي المدن وهوامشها ، تلك هي حياته التي هي من صلب حياة الناس الذين يعيش بينهم بإصرار حاذق وإنتباهات بصيرة ، وتلك هي " الحدوس " في قصيدته . يقول عن شعره : " ... فهو ليس رهينا للحظة ، بإعتبار أن النص أصلا قابل لكل أزمنته القادمة ، ولأنه يري أكثر ، فالنص شايف إلي أبعاد عميقة ." * ، هكذا ، يري بشري أن النص الشعري في حالة تغير دائم كل برهة ، فلا يستقر علي حال ، لا الشعر ولا هو ، لأنه هو نفسه " قصيدة متحركة " علي حد قوله * . شعره ، أيضا ، ذو ملامح واقعية ، إشارات ورموز وصور ومشاهد ومعان ودلالات ، ليست تشبه الواقع لكنها تلامسه ، تمسك بلحظته في توهجها ، فتصوغ منها " مزيجا " مبتكرا فيما بين الخيالي والواقعي ، ف " الخيالي هو الواقعي الأكيد " علي قول درويش .

وكيف هو شعره ، و ... سرده الشعري ؟

أشتهرت قصيدته " توما أمرأة الغيم " وقت نشرها حوالي العام ، وكانت تجربة شعرية معايشة لليومي من حياة الناس والوطن ، حملها في دواخله يسعي برؤياها فيما بين الشوارع والمعتقلات ، فقك كتب جزءها الثالث بمعتقل كوستي ، فهو ممن يصرخون ، بالشعر ، في وجه القبح السائد ومساخر الأنظمة ، لم يحذق يوما " الصمت " والإنكفاء المراوغ علي شعره ، بل يجعل منه متفجرة ملتهبة وسط ركام الواقع ، تحرق وتشفي و ... تضئ !
" فرقة ساورا " المجيدة تلقفتها بفرح وجعلتها أغنية فرح وأمل وأشواق لوجدان شعبنا ، وتدافع صوبه ، من بعد ، المغنون الشباب ، أحاطوه بالألحان وبالإيقاع الذان هما حلية في خاصرة شعره كله ، العامي منه والفصيح ، يقول في بعض " توما " :

"
قتلوك
وجايين مأتمك
عُرسك اظن ما .. مأتمك
لم أفهم الحاصل على وجه الخصوص
فقط إعترفت بإنى ممكن
أفقدك وبكُلِّ ذوق
فاقد خطوط الذاكرة
مضيت على العقد المُوشَّح
بالهتافات الكضب
وبَصَمتَ إنى معاك زول
وافر بصحة وخير وحال
بقدر أقول..
وأقول بصمت :
إنك حبيبتى وست شقاى
بالحيل بتشبعى رغبتك
بالحيل بتسندى جوعتك
بالحيل ديمقراطية إت
أو حتى بتمدِّى البيفضل
من فُتات ، للجارة قبال
تشحدِك.. " ...






" ذاكرة الماء والإشتعالات والطبول " ، عنوان دال ومؤشر ذي لحال الضجيج والحراك والرغبة العارمة للتغير ، للحياة العفية وللنضال رغم الجراح والقيح ومثبطات الفعل المضئ ، الماء ، ليس المحايد كما يشاع ، بل هو في سيرورة الموج والهدير ، ربيب الرياح ورفيق العواصف والدوامات في تفجراتها المفاجئة ، الشعر هنا ، في حياة الناس وفي صخب تلك الحياة ، بإشتعالات ورزيم الطبول لتكون وتمضي إلي حيث أشواقها وأحلامها ، يقول في بعضها :

" ...غًنيلى ، يا صابر : حباب..
طينة وبحبك يا نصوص..
طينة وبحبك يا لصوص..
على مين أيقّن مفردات الريح؟
إذا كسَرَ القزاز؟
على وين أقبّح إفتراءآت الظروف
ساعة يموت فينا الحراز؟
ما خَرَّ نهرك فينى.
لكنى إشتكيت من كُتر سُقَّات النَّزاز.
خَمجانه إيد كُلَ السَّعوك قِرِقير
وسَمُّوك إنتقاذ.
ماهُو كنا لابسِّنك حرير
وأكلَّنا من ريقك عُزاز
ومرقنا حامدِّنك دليل
ورقدنا طارينك ملاذ..
فبأى آلاء الرغيف
وبأى آلاء الطمى..

كذبت مواويل الهمى
وشكينا من شُحَ الرذاذ.. ! " ...

كيف نقرأ عثمان بشري ؟

بشري يقرأ في سياقين : في قصيدته بعامية أهل الوسط ، التي هي غنائية في الأساس ومشحونة بالإيقاع الموسيقي ، واللحن موسيقي تلازمها وتلح أن تكون في الأغاني ، لكنها تبدو بلغة رشيقة راقصة وذات جرس ناعم ، ليس فيها صراخات الشعار ولا الهتاف ، بل تتوسل مسارها بنعومة سلسة فتتسلل برفق حنون إلي الوجدان العام ، تماما كما في " توما " وفي " ذاكرة الماء والإشتعالات والطبول " . والسياق الثاني لشعره هو الشعر الفصيح في أدغال اللغة ، حيث الكثافة والبريق وأمتدادات الوصول إلي الذري العاليات للوجه الشعري في تألقه ووميضه غير المألوف ، صورا منسوجة بالعشب والأغصان والماء والطين ، تجد فيها حلم الحرية والرغيف ، والفقراء في سمت " الملائكة " ، وأما العشاقفهم  ينعمون بالبهجة في الملكوت ، كل شئ حسن هنا وجميل ، إلا صراخ الجوعي و حسرات الخيبات وجراح الهزائم ، فلو لم يكن " الوعي " بالراهن والحلم العفي بالغد المشرق حاضرين هنا لإنكفأت ، خائبة ، دورات شعره هنا ، فلديه بعضا من " عتمات " تكاد تنال من شروق القصيدة هنا أو هناك ! يقول عن غنائياته بالعامية أنه يجد نفسه فيها خاصة أنه يمتلك " قاموس ضخم جدا من الدراجة السودانية بشقيها الهامشي والمركزي إذا جاز التعبير " علي حد قوله ، وفي ظني ، أنه من هنا بالضبط تكمن إنتشار غنائياته أينما حلت في بلادنا ، وذلك دواعي نيلها ذلك القبول العالي عند الناس كافة ، أمتلكها ، إذن ، لغتهم في مواضعها الحميمة منهم ، في  لسانهم وفي وجدانهم فكانوا من عشاقها . وهو يصف شعره " الفصيح " ، مثلما في " توما " وأخواتها ، بأنه يندرج تحت مسمي " المسرحة الشعرية " ، هذا علي خلاف المسرح الشعري كما زاع وساد في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، أكيد أن جل قصائده قابلة للمسرحة ، أن تضئ نفسها أكثر في مشاهد مسرحية ، وهذا مما كان الشاعر والمسرحي الراحل محمد محي الدين في السعي المثابر علي نهوضه وأشاعته . ولقد حدثني بشري نفسه أن محي الدين قد أبدي رغبته أن يقوم بمسرحة بعضا من نصوصه وأنتظرها تأتيه منه ، فجاء موته المفاجئ ليعطل هذه التجربة التي كانت لاشك ستكون أضافة غنية لتجربة بشري الشعرية . يوجد ، بالطبع ، في بعض الشعر ، قدرة ما ، نابعة منه تجعله قابلا ليكون " ممسرحا " ، وهذا ممكن فقط ، في حالته من القابلية تلك ، لكنني أتحفظ شيئا علي قدرة " مصطلح بشري للتداول والبقاء ! أما فيما يخص تجربته الجديدة في الشعر ، فتلك خطوة مدهشة للأمام ، ولنا أن نراهن علي نجاحها قليلا هنا أو كثيرا هناك ، بحسب المنتج منها فيما يخص العلاقة الملتبسة / الشائكة وشديدة الوخر فيما بين الشعر والسرد ، في مدي " تلاقحهما حتي يكون المنتج مولودا معافي ، بهيا ومشرقا . أن أجمل ما في الشعر علي الإطلاق هو أنه لا يحدد ولا يؤطر ، ومتي حددته أو أطرته قتلته ، فهو لديه مطلق القدرة علي يتجدد ، يتجدد من تلقاء نفسه وأن يتخذ من الأشكال ما يناسبه لأن هنالك لهيبا ما ، حريقا في داخله ، مصهرا يعمد إليه لغته وصوره ومعانيه . بشري ، في ظني ، يسير في شعره ، الذي هو حياته في ذات القوم ، هذا المسار المعذب العذب . تراه ، مشغولا وفرحا بتجاريبه الجديدة تلك ، إبتكارات تجعله مهرولا فيها ، فرحا بها ، ميلادا جديدا ربما يأخذ شكل التؤامة بين الشعر والسرد . يقول في خاتمة نصه " الهنااااك " ، الذي يعبرعن أحد وجوه هذه التجربة عنده :

" ... عين تراني بغيابها الحاضر في الحدس،بمآلات الواقع..وبيننا يقف جدار دهنه النسيان الافتراضي بوحشة أكيدة..وإذ كنت أقول: لا يمكن للجسور التي أبنيها في أقاصي أنهار الروح إلا أن تصلني بك لابد..وكوة في البعيد الذي أسسته،شكرا لعين ترقبنينني بها،بمزيد من الخوف
..
هل أنت هناك أصلا .؟
أيكون السؤال هكذا لائقا بتفاحة مثلك في حجمها الاشتهائي الفادح .؟
لربما كان علي أن أستدرج صياغات شاعرية أخري إلي فخاخك المخاتلة تلك التي لسعت مسامات يقيني بعسلك الاستوائي الرجيم،وابقتني في خدر الإنتظار العظيم ..صياغات تليق بخرير الأحلام المؤجلة في جدول الأمس واليوم وغدا..صياغات جسورة لا تكتفي بجلدك في وضح القلب وأنت بين ظهراني شوفي حين كانت الإبانة تقتضي الإفصاح بما أنت عليه من جسامة حضور والق..ولا تنتهي بك إلي مجاز بل أن تعلقك من أعلي جهة في أنثاك الفعلية وتنادي الجهات الأربع:أن فاشهدي علي مزاداتي الإنسانية فيك .!! هذا قدر التخوم للأنهار لا تكتشف عذوبتها إلا في دلتاها عند البحار البعيدة ..
اليوم وأنا أصلي علي أسفي صلاة الحاضر الأبدي،تذكرت سفرا كنت قد خباته لك حين ميسرة ....
يا ندمي في النظام
يا حيازتي للتهلكة..
النجاة مسألة حظوظ
والقيامة من رحم التجربة
عندما كل شيء معلق فى الحلم
والأماني بنات الكظيم..
أوقفي الباب علي عقبيه
فالخارج أنا والداخل الانتظار ! " ...

و ... هكذا ، سننتظر لنري وجهها وجسدها في ضوء هادي حين تختال ، بدلالها الشبقي في لغتها وصورها ، فقد خرجت للتو من مصهرها ، ننتظر قليلا لنراها أكثر و ... نتأملها !

لماذا نحب عثمان بشري ؟

تمهل .
تمهل ،
وكن في التأمل إن أردت .
لكن ،
أبدا ... أبدا
لا تستكين !

بشري أبدا لا يعيش الدعة والركون إليها ، هو القلق وفي السعي إلي محارق اللغة ، إلي الصراع الذي يتناوش اليومي والعادي ويشاكسه ، هو ، دائما ، في النزوغ الملح / المعذب في طلب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ، في الرؤي البهيجة التي يتصورها لشعبه ووطنه ، يطلبها ويعيشها بفرح " طفولي " طاغ ، يعايش ، يوميا وفي كل لحظات حياته ، فرح الغد وسط الفقراء والكادحين من أبناء وبنات شعبه ، يغني لهم ويراقصهم ويشيع فيهم الأغاني والأناشيد و ... يدق طبول المسرات إليهم . ولأجل هذه الروح البهيجة التي تسكنه ويسكنها فقد ذاق حرمانا وقسوة جوبه بها وإرتاد سجون النظام وناله ما ناله من جروحات أصابت جسده بأدوات القمع لدي العسس وأجهزة الإمن ، فظل ثابتا علي رؤياه وعلي عرشه الشعري ، ينال منهم بالشعر ما لا يستطيعون له ردا ، فيتجاوزهم ويمطرهم شعرا وهو بين أحضان شعبه ،هكذا يحوز المحبات كلها من شعبه ، وهكذا ، أيضا ، يحبه الشيوعيون ، و ... ياله من حب !
-------------------------------------------------------
* نشرت في " الميدان الثقافي " يوم الخميس 10 سبتمبر 2015 .