الجمعة، أبريل 27، 2018

الماغوط في ذكري رحيله، كان رائيا لوجهة المغايرة في الشعر ...




عن الماغوط في ذكري رحيله،
كان رائيا لوجهة المغايرة في الشعر ...
------------------------------------
إلي: كمال الجزولي، وقد كنا في تذكر شعره، ثم اتفقنا بضرورة أن يقرأ
      قراءة أخري فيكون في دعم الحساسية الشعرية عندنا.



( أضحك وأبكي في الظلام
  وأكتب في الظلام.
  وكلما قرع باب أو تحركت ستارة،
  سترت أوراقي بيدي كبغي
  ساعة المداهمة،
  من أورثني هذا الهلع؟!)...
  ...   ...   ...
( لا تعنيني التسمية التي تطلق علي ما أكتب،
  شعرا أم نثرا أم نحتا أم رقصا!)...
                                      - الماغوط -

يوم الثلاثاء الثالث من  ابريل الجاري، حلت الذكري ال 12 لرحيل الشاعر والمسرحي السوري الكبير محمد الماغوط. وكان قد توفي ظهيرة يوم الأثنين 3/4/2006م في دمشق. كان يجري مكالمة من هاتفه جالسا علي كرسي جلوس وثير في منزله حين داهمته المنية، وكان قد ظل يعاني من السرطان منذ عشرة أعوام خلت تناول فيها الكثير من العقاقير التي لم تنجح في إبعاد شبح الموت عنه. أحاطت به، إضافة لمرضه، الشخصي جملة أحزان: وفاة شقيقته ووالده وزوجته بين عامي 1984م/ 1985م، ثم توفيت والدته العام 1988م. كان حزنه الكبير وألمه هو رحيل زوجته سنية صالح، الشاعرة اللبنانية التي إلتقاها في بيروت أيام أقامته القصيرة بها. أنجبا بنتين، شام الطبيبة تزوجت واستقرت في امريكا، وسلافة التي تزوجت وتقيم في دمشق. أفتقد زوجته سنية، حد الجرح والألم الممض، كتب عنها وهو تحت ذلك الوقر كله يقول:
( كانت سنية أمي ومرضعتي وحبي ومرضي، وكان رأيها أساسياً فيما أكتب، فإذا كتبت شيئاً وترددت أمامه ولو للحظة كنت أمزقه وأعيد كتابته من جديد.. أما إذا قالت (حلو) فكنت أحس باطمئنان كبير، إنها قارئتي الأولى ومعلمتي الأولى في الشعر وفي الحياة.. حين كانت مريضة جلست بقربها وهي على فراش الموت أقبل قدميها المثقوبتين من كثرة الإبر فقالت لي عبارة لن أنساها.. ( أنت أنبل إنسان في العالم ). على شاهدة قبرها كتبت: (هنا ترقد الشاعرة سنية صالح آخر طفلة في العالم). لم أزر قبرها في مقبرة ( الست زينب ) إلا مرة واحدة، حزني عليها لا أعرضه في المقاهي والشوارع: إنه إحساس شخصي جداً ومدفون في الأعماق دون شاهدة، سنية هي المرأة في كل ماكتبت، كانت كعروق الذهب في الأرض.. كل النساء من بعدها نجوم تمرّ وتنطفئ وهي وحدها السماء.. والآن نادراً ما أراها في أحلامي).
و سبق وقالت سنية عن الماغوط :-
"كنت أنقل له الطعام والصحف والزهور خفية، كنا نعتز بانتمائنا للحب والشعر كعالم بديل متعال على مايحيط بنا، كان يقرأ مدفوعاً برغبة جنونية وكنت أركض في البرد القارس والشمس المحرقة لأشبع له هذه الرغبة فلا ألبث أن أرى أكثر الكتب أهمية وأغلاها ثمناً ممزقة أو مبعثرة فوق الأرض، أو مبقعة بالقهوة حيث ألتقطها وأغسلها ثم أرصفها على حافة النافذة حتى تجف).
وفي محارق حزنه عليها، يكتب:
( من أحببت،
  كن نجوما تضئ لحظة وتنطفئ إلي الأبد
  وأنت وحدك السماء.
  ثلاثين سنة،
  وأنت تحمليني علي ظهرك كالجندي الجريح
  وأنا لم أستطيع
  أن أحملك بضع خطوات إلي قبرك!
  أزوره متثاقلا
  وأعود متثاقلا
  لأنني لم أن في حياتي كلها
  وفيا أو مباليا،
  بحب، أو شرف أو بطولة...
  ولم أحب مدينة أو ريفا!)...

من هو الماغوط؟


محمد أحمد عيسي الماغوط، ولد العام 1934م لأسرة فقيرة في سلمية أحد قري ريف محافظة حماة السورية، وبسبب من ذلك الفقر ترك الدراسة وهو في ثانوية خرابو الزراعية، وفيها تعرف علي الشاعر سليمان عواد الذي كان ينشر في مجلتي الآداب والأديب اللبنانيتين، وفي تلك الفترة عاني وتقلب في شغفه وتعلقه بالشعر، ثم قاده ذلك إلي التعرف علي الشعر الحديث، فقرأ مؤلفات رامبو كلها تقريبا. ترك المدرسة إذن وعاد إلي بلدته سلمية. وكانت أفكاره وقناعاته وتعلقه بالشعر قد تملكه تماما، وهناك، في سلمية، لم يكن يوجد وقتذاك، إلا حزبان فقط، حزب البعث والحزب القومي السوري الاجتماعي، وكان الأخير، فيما تبادر إليه، الأقرب لتوجهاته اليسارية فإنتسب إليه. وكان البعث يضيق، بالمعارضين وبالرأي الآخر، فصار الماغوط ( ضيفا ) دائما في سجون البعث. وبالطبع، كما توضح لنا سيرته السياسية، أنه لم يجد في الحزب القومي ما كان يراهن عليه، من أفق معرفي عال وقدرات فكرية ومنهجية تحدد مسارات وأدوات النضال، بل يمكنها أن تجعل للشعر نفسه رؤية مزهرة وأحلاما لا تنتهي. فقد لاحظنا، في بعض شعره، تلك الغمامات السوداء تظلل تحليقه العالي فتجعله أقرب ما يكون لسوداوية الرؤي والكآبة واليأس. نعتقد أن ذلك من جراء تنكبه الرؤية السياسية الموضوعية في مسار النضال السوري في توجهاته التقدمية. بعد خروجه من سجنه الأخير، كان، علي ما يبدو، قد مل من توالي إعتقاله وملاحقته من أمن البعث المشهود له بالقمع والتنكيل بالمعارضين، فسافر لتوه، من بعد، إلي لبنان. وفي لبنان حقق ما كان يردده، فجعله ديوانا( سأخرج من سجني وأخون وطني )!

الماغوط في لبنان.

آواخر الخمسينات، كانت الآداب والفنون جميعها، وبخاصة الشعر، مزدهرة، والحريات متاحة بقدر ليس بالقليل، مما أتاح هامشا للنشاط والفاعليات الأدبية والسياسية أن تكون نجوما لامعات في سماء بيروت. وتعرف فيها علي كبار الشعراء، يوسف الخال وأدونيس، وتعرف عن قرب حميم مع بدر شاكر السياب، وإنتمي إلي مجلة شعر التي كان قد تحلق حولها معظم شعراء الحداثة الذين كانوا في بيروت ومن خارجها أيضا. فإصدرت له دار مجلة شعر أول دواوينه ( حزن في ضوء القمر ) عام 1959م، وفي العام التالي مباشرة أصدرت له ( غرفة بملايين الجدران ). ثم في فترة الستينيات عمل صحفيا ومراسلا أدبيا لمجلة ( الوسط ) التي كانت تصدر في لندن، وتوالت طباعة ونشر أعماله، فأصدر مسرحية
( المهرج ) 1960م، وتلتها ( ضيعة تشرين، غربة، كأسك يا وطن )، و دواوين ( سياف الزهور) 2001م، و ( شرق عدن غرب الله ) 2005م، و ( البدوي الأحمر ) 2006م. وكتب العديد من السيناريوهات والأفلام السينمائية، منها ( التقرير، الحدود، المسافر)، والمسلسلات التلفزيونية مثل حكايا الليل وغيرها. كانت المرحلة، برمتها، مضطربة، كثيرة الحراك والتغيرات في المجتمع والسياسة والثقافة، وبالطبع، الشعر أيضا. وقتذاك، بدأ (جديد) الشعر يرهص بحدوسات حارقة محرقة، وفي ذات الفترة نفسها، الخمسينات والستينات من القرن الماضي، أخذت الشعرية العربية الكلاسيكية تخبو أطيافها وفعالياتها ورموزها، غدت غير مصاحبة لتلك الحيوات الشعرية الجديدة الطالعة. لم تكن، لسوء امكاناتها المحدودة في التطور، بمستطاعها أن تكون في معية وجهة الشعر الجديدة، بعيدة، بمقدار اللغة والتصور، عن معايشة العصر بتغيراته العديدة في كل حقول المعرفة والثقافة، وفي الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي. فقد بدأ العصر يكون في الكثير من التشوف، عديد الحراك والغليان والعنفوان. والحال كذلك، أخذ الماغوط يسير في وجهته الشعرية الخاصة، من حيث المحتوي والشكل، فشرع يري ( الجديد المغاير )، ملامحا اعتقد في جدواها، بل وفي ضرورتها لحركة تطور الشعر، وفي المسرح أيضا، فقد راهن، ثم جعل ذلك في أعماله، أن للشعر، ضرورة أن يكون في معية المسرح.

الحداثة تمور في الوعي، تأتي وتذهب!


كانت مجلة ( شعر )، التي إنتمي إليها الماغوط  فصار أحد أعمدتها ومناصريها، هي البيئة الحاضنة للحداثة وتجاريبها الغرائبية، ومن حلقاتها التفاكرية والتنظيرية راحت القصيدة الحداثية تحلق، بأجنحة رنانة وبرياش ملون، في فضاء الشعرية العربية. ومن المعلوم أن الوعي بالتحول وبالتغيير والمغايرة هو ما يميز الحداثة. ولكن، ( خصوصية هذا الوعي تقترن بإشكاليته، وإشكاليته تقترن بإدراكه المتوتر للحظة تاريخية يتحول فيها كل شئ)1.
بل، يمكننا أن نمضي أبعد فنقول بمثل ما قال به مفهوم بودلير للحداثة ( أعني بالحداثة ما هو عابر سريع الزوال )2. وهنا، نقصد تحديدا الفهم الذي يتجوهر حول فكرة الزمن اللحظي المتغير بإستمرار، فيكون في التجاوز، يتجاوز نفسه بالذات فيصعب الإمساك به، أو لنقل أن كينونة الزمن هنا مرتبطة بوعي الإنسان بها، فالوعي بها وعي بالإنسان ذاته، وما ينطبق عليها، ينطبق أيضا عليه، لأن ( الإنسان الحداثي داخل الحداثة، وعي عابر متغير وسريع الزوال، بحيث يتجاوز نفسه بصورة يصعب معها العثور علي كينونته )3. بهذا الفهم، نلاحظ أن الحداثة تكون في تصور المبدع مجرد إمكانية، علي قول هايدغر. فنري، والحال كذلك، أن الماضي ينتفي من الوعي الحداثي إنتفاء جدليا لا يعني موته، بل يكون في الحياة بصورة وشكل جديدان. ولعلي هنا، في لحظة الوعي هذه، ولحظة الشعر أيضا، لا أغالي حين أقول أن الوعي الحداثي بالقصيدة ينطوي علي شعور حاد بالهوة بين الشاعر واللغة والعالم، وبين العالم نفسه والوعي، وهنا أيضا، تؤمض لحظة إنفجار ينبع من بؤرة الوعي ذاتها، وينتج عنه، في ذات الوقت، إنفجارا في المعرفة. ومن مظاهر هذا الإنفجار في الوعي وفي المعرفة وفي الواقع: الاكتشافات العلمية والتطور التقني الهائل وتطور الحركة الجماهيرية،و( تنضيد الناس والأشياء داخل منظومة يطبعها عقل لا مرئي، وكلي الحضور )4. وأراه، هنا، في عموم سماته وملامحه، هو العقل الرأسمالي التبعي الذي تحكمه وجهات التفكير الإمبريالي في عمومياته. الحداثي العربي، إذن، يعي، بهذا القدر أو ذاك، هذا الفخ المشرع، ولهذا نراه في السعي، دائما، ليبتعد مسافة ما بحثا عن فهم خاص وبلغة مختلفة للقصيدة. وهكذا، يمكننا أن نلاحظ ذلك الإنصات الملحاح للآخر.هكذا، وجد الماغوط نفسه في هذا الخضم الفوار، في النزوع الحاد للتجديد في القصيدة، وظل في تلك المقاساة المحرقة جراء موهبته المتفجرة و وعيه الذي يلح عليه إلحاحا ليكون في الجديد وفي الثورة علي الواقع. فشرع يكتب قصيدته الخاصة، علي نسق مغاير وبلغة هي الأخري مغايرة وصادمة، ولم تكن، في ظني، ثورته  تتم في قصيدته بمنطق الثورة المعلومة واشراطها وأهدافها وآمالها في الغد الأفضل الذي سيأتي. ولفرط أن يعيش الثورة، بمفهومه هو وبمعية من يتعجلون الثورة تأتي بالبندقية، مثما كان مظفر النواب  في بعض مراحل حياته، فيكتب( العنق الأعزل  لا يستطيع الإنتصار علي سكاكين المفترسين، تماما، مثلما تعالت بعض الأصوات عندنا تدعو إلي الإنتفاضة المحمية بالسلاح.

وجها جديدا للقصيدة.


جلس الماغوط في بيته، مثل رهبان المعابد، يدخن بشراهة لا تكف، يصنع قهوته ويصنع ألهته الخاصة، يصورها كيفما يشاء ويشكلها في النسق الذي تأتي به رؤياه، يبجلها حينا، ثم يعود يلعنها في السر والعلن، ثم يصوغها، بمحض رغباته، علي نحو مغاير لشكل القصيدة وشئونها اللغوية السائدة وقتذاك، فيبدوا  غريبا وسط الغرباء ووحيدا وأن كان بمعية الآخر. كسر الماغوط ألف قاعدة وتجاوز ألف حد. ذو كبرياء وعناد عظيمين، منعزلا، ويهاب الإختلاط بالناس، لكنه، وهذه أحدي مزاياه، ينصت، ملء كيانه ووعيه، إلي الناس، إلي حراكهم اليومي المحموم، إلي فقرهم وكدحهم وإلي حياتهم البائسة. لم أعرف له إيمانا إلا ذلك الذي ينبع من اعماقه هو. فيأخذ يصرخ به:

( وطني أيها الذئب الملوي كالشجرة إلى الوراء
إليك هذه ( الصور الفوتوغرافية)
لماذا تنكيس الأعلام العربية فوق الدوائر الرسمية ،
و السفارات ، و القنصليات في الخارج ، عند كل مصاب ؟
إنها دائما منكسة !
اتفقوا على توحيد الله و تقسيم الأوطان!
مع تغريد البلابل وزقزقة العصافير
أناشدك الله يا أبي:
دع جمع الحطب والمعلومات عني
وتعال لملم حطامي من الشوارع
قبل أن تطمرني الريح
أو يبعثرني الكنّاسون
هذا القلم سيقودني إلى حتفي
لم يترك سجناً إلا وقادني إليه
ولا رصيفاً إلا ومرغني عليه!)...

في سنواته  الأخيرة، ظل كثيرا جدا يحدق في الموت، في موته هو، فلا يرتعش منه أو يخشاه، بل يزداد شراهة في التدخين، يتعاطي العقاقير ويعاني من السعال،فيكتب:
( الموت ليس هو الخسارة الكبري، الخسارة الأكبر هي ما يموت فينا ونحن أحياء!).
ومن محارق عزلته المجيدة ومرضه، يريد أن يكون في روح العصر، مثلما قصيدته التي غدت علامة ملتصقة، بلمعان وخفة، علي مسار شعرنا، فيصرخ ( آه، لو كانت الحرية ثلجا لنمت في العراء ). لكنه، برغم كل معاناته، مع الشعر والحياة معا، كان ملحا في طلب الحرية، أراد أن يسود الحب، وأراد الوطن، ورفض كل ماهو علي غير ذلك.
--------------------------------------------------------------------------
هوامش:
1 – جابر عصفور، معني الحداثة في الشعر المعاصر، مجلة فصول العدد الرابع 1984م
      ص ( 51 ).
2 – ت.س.إليوت: عن مقال ( الشاعر العربي المعاصر ) مجلة فصول العدد الرابع 1984م
     ص ( 14 ).
3 – أحمد القنديلي – الحوار المتمدن، محور الأدب والفن 26/3/2018م – 5826.
4 – جابر عصفور، المصدر السابق ص ( 51 ).
* نشرت بصحيفة ( الميدان ) أمس الخميس 26/4/2018م العدد ( 3398 ).

السبت، أبريل 21، 2018

مآثر الشهيد عبد الخالق محجوب



مآثر الشهيد عبد الخالق محجوب.*
-------------------------------

نعكف الآن لإعداد مجلد كبير ( Master Volume ) عن الشهيد عبد الخالق محجوب عثمان، السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني الذي أعدمه شنقا السفاح جعفر النميري بالتعاون الوثيق مع إستخبارات الدول الرأسمالية في المنطقة العربية والدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدةالامريكية فجر الأربعاء 28/7/1971م بسجن كوبر العمومي بالخرطوم. يصدر هذا السفر الكبير لمناسبة ذكري إغتياله ال 47. ونود، بهذا التنويه أن نهيب بكل من لديه إسهام أن يوافينا به في أقرب وقت علي عنوان البريد الليكتروني الموضح أدناه. وقد رأينا أن يحتوي المجلد علي المحاور الآتية:
- كتابات ومؤلفات عبد الخالق.
- كتابات كتبت عنه سواء في حياته أو بعد رحيله.
  (الكتابات من ممن عرفوه وعايشوا مسيرته من أصدقاء أو معارف أو متابعي
    نشاطه الفكري أو السياسي أو الحياتي، وبالطبع شهادات معاصريه من رفاقه
    في الحزب الشيوعي السوداني أو في الأحزاب الشيوعية العربية أو غيرها).
- الأشعار والخواطر الأدبية التي كتبت عنه، سواء في حياته أو بعد رحيله، من
  السودانيين أو العرب أو غيرهم.
- شهادات واقعية حية من معارف وجيران كان الشهيد في التواصل معهم في حي
  فريق السيد المكي بالعاصمة الوطنية أمدرمان.
- صور لم تنشر من قبل لمراحل حياته الخصبة .
يقوم بالإعداد والتنسيق لهذا العمل الكبير كل من:
* دكتور محجوب التجاني.
* الأستاذ كمال الجزولي.
* الأستاذ تاج الأصفياء عثمان سعد.
* الأستاذ جابر حسين.
نأمل أن تصلنا المساهمات والأراء والمقترحات علي

بريدنا  اللكتروني:

h.gabir@yahoo.com
* هذا ليس عنوانا للكتاب، سيتفق علي عنوانه لاحقا.

الوعي مؤازرا لقصيدة صالح.





الوعي مؤازرا للقصيدة.
تأملات وخواطر عن قصيدة الشاعر صالح علي صالح.
---------------------------------------------------


(الورقة الرابعة)

( أيها الشِعرُ.. يا أيُها الفَرحُ. المُخْتَلَسْ!!

(كلُّ ما كنتُ أكتبُ في هذهِ الصفحةِ الوَرَقيّه

صادرته العَسسْ!!).
* ترك بقية الصفحة بيضاء، ثم كتب بعدها في الورقة السادسة:
( لا تسألْني إن كانَ القُرآنْ

مخلوقاً.. أو أزَليّ.

بل سَلْني إن كان السُّلطانْ

لِصّاً.. أو نصفَ نبيّ!!)...
- أمل دنقل من قصيدته البديعة ( من أوراق أبو نواس ).


الآن، ونحن أمام هذا الشعر كله، بكل ملامح الحياة فيه، بتجليات رؤاه، بصوره ومشاهده، بلغته المغايرة ودلالاتها، بما يمثله من حيوية وفاعلية في المعرفة والوعي، كيف لي، إذن، أن أقوم مقام من يدعي أنه سوف يقول قولا يحيط بهذه الحساسية التي نري منها، لربما، وجهة واحدة، أو بالأحري، ظلالا لها فيما نزعمه وجهها بالذات؟ وأنا، والحق يقال، لم أقرأ، بعد، قصيدته جيدا. نعم، قد شرعت، منذ سنين ليست بالقصيرة، أقرأها ، لنقل بما تستحقه من اهتمام، لكنني لا أزال في رؤيتها كل لحظات الشعر عندي، برغم أنني قد عرفت صالحا شخصيا منذ بداية تعرفي علي ملامح قصيدته، عرفته في حياته الشخصية الخصبة، ثم في قصيدته التي لا أزال في تأمل وتلمس وجوهها وملامحها. لقد فوجئت نهار يوم الثلاثاء بالعطايا يهاتفني ليخبرني بأنهم في نادي ود مدني الثقافي قد اختاروني لتقديم ورقة عن شعر صالح، صعب علي أن أقول شيئا سوي القبول، هكذا، في هذا الحيز الزمني القليل المتاح لي، ونزولا لهذه الرغبة لمن هم في هذا النادي، سأبدأ أقول بعضا مما رأيته في قصيدة صالح.

كيف كانت رؤيتي إليها، إلي قصيدة صالح؟

عند بداية نظري إليها، كنت، كما هي عادتي، استحضر أمامي ما أحب من أمثولات، أو لنقل مقولات في شأن الشعر. يقول درويش:( الإيقاع ليس الوزن، بل هو طريقة تنفس الشاعر وموسيقاه الداخلية، الأمر ليس حكرا علي الوزن، وقد يتأتي من العلاقات بين الحروف والكلمات والدلالات حتي في نص نثري، ولكن، أيضا، ما الشعر في آخر الأمر؟
هو الحدث الذي يجعل الشئ طيفا/
ويجعل الطيف شيئا/
ولكنه قد يفسر حاجتنا لإقتسام الجمال العمومي! )...
هذا بعضا مما قاله في قصيدته ( في بيت ريتسوس ) حين زار بيت الشاعر في اليونان بعد رحيله. ضوء القصيدة، إذن، ووجهها هو الذي يتجلي في الغموض، لنقل الغموض الشفيف ليس الفوضي، الذي يبدأ لحظات إنكشافه، برهة بعد برهة، ليكون في ذلك الجمال العمومي، الجمال الذي تحوزه بصيرة الشاعر ورؤياه في من هم حوله، أولئك الناس الذين يعيش دورات حياته وأطواره وسطهم، ومنهم، من رحيق الحياة في عيونهم وقلوبهم، يبدأ الشاعر يحوز عطاياه الجمالية فيجعلها حلية في قصيدته. صالح، في زعمي، هو الوحيد من بين كل من عرفت في راهننا الشعري من يعيش لحظات شعره كلها في إختلاطها بحلم الشعر وتحليقه العالي، مع واقعه اليومي، في الخضم الفوار في معية الناس، في تجليات حياتهم ومعاشهم وأحلامهم. من هنا، في ظني، في هذه الهنيهة الشعرية، وفي تمام بريقها الخاطف، تطلع عليه، وعلينا من بعد، قصيدته وتبدأ تتشكل في عوالمها، التي هي عوالم الناس، عوالم الحياة التي هي أيضا، بهذه الحميمية، عوالم الشاعر نفسه ورؤياه وبعضا كثيرا من أحلامه.

بعضا من ملامح قصيدته.
قصيدته، كما رأيتها، مكونة من ذرات صغيرة، لكنها متماسكة، ليست مبعثرة، ولطالما هي علي هذا الحال فليس من حقنا أن نتعامل معها ككتلة واحدة مجردة من الخصائص الفردية والحياتية، فقد وجدتها عنده، أحيانا، تتحدث عن ذاتها هي، ثم عن ذاته هو نفسه، فهو، أعني الوعي في حساسيته التي تلازمه، فنراه يحس احساسا قويا بأن قصيدته عندما يخيل إليه إنها قد غدت في اكتمالها، وهذا عسيرا عليه بالطبع، أو هي في سبيلها إليه في مخيلته، أنها ستذهب إليكم، لكأنه يفترض، في وعيه الإبداعي، أن الكل يوجد في الواحد، يحدث له هذا عندما، كل مرة وعند كل نص، يكشف عن ذاته هو، التي لا محالة هي نفسها قصيدته في الناس من حوله وفي الحياة. لا، لست أقول بأنه هنا يفضح قصيدته فيعريها، هو فقط يجعلها في لحظة إنكشافها، تلك البرهة/ الضوء التي تحدث عنها درويش. أنه يقترب بها، وهي في ذروتها تلك، أكثر لمفهوم الشعرعنده، ولمزاجه الشعري الشخصي، وهي في حال تجددها في وعيه أيضا، فيضعها، وهي علي ما هي عليه، أمامنا، ثم يتركها لشأنها فينا ويذهب في مسار آخر جديد في قصيدة قادمة.
ولكن، دعونا مرة نكون في السؤال المباشر، مباشرا في طرحه فقط، لكنه الموغل في ادغال اللغة وفي مضمار القصيدة نفسها من حيث هي إمكان جمالي، يكون في الواقعي وفي الغد في ذات الوقت، نعني أن تكون في شئون الناس وهم يعيشون أطوارهم، وهم ينسجون أحلاما عاليات ويسعون، السعي كله صوبها، في وجهة تحققها في واقعهم، فهل، والحال كذلك، نري في شعر صالح تلك الوجهة، هل في قصيدته ملامحا سياسية تعني باليومي والمعاش في دنيا الناس، ثم هل من شئون قصيدته أن تكون لها ملامحا ( ثورية ) من أي نوع، بإعتبار أن الثورة، كونها حركة تفجيرية وتغييرية مقذوفة باتجاه المستقبل، هل توجد هذه الملامح في قصيدته؟

القصيدة حين تكون في ملامح الناس، في معاشهم وأحلامهم.

هو الهم الإنساني إذن، فالثورة ليست مفهوما أبديا في التاريخ كما يري وايلد، ليست هي، إنما الحرية والسلام والعدالة، فعل الثورة نهوض متحرك ومتغير باستمرار،في المجتمع وفي الثقافة وفي الشعر أيضا، لهذا فهو ليس ثابتا علي حال واحدة في القصيدة، أي قصيدة. فالمجتمع الحالي يرغم الفرد علي الثورة، والشاعر يرغمه أكثر، وفي رؤياه يكون حلم الغد الذي يمنحه فعاليات التفتح والعمل في حرية أكثر، يمنح كذلك القصيدة كامل حريتها، في حراكها وفي تغيراتها ومغايرتها. فالقصيدة، في حياتها، مثل الفكر، تقتات من ذاتها، تنمو وتكبر من تلقاء أفكارها هي، ليس من جهة خارجها أبدا. قصيدة صالح تحرص علي نفائسها، وتستخدم في الوقت ذاته عديد الوسائل لتصل إلي ذراها، أنها تسير وتتقدم إلي أمام، وإلي أعلي، لكن دون أن تلجأ إلي تهديم الجسور من خلفها، لكن صالحا يقول بأنه لا يناسبه أن يكون، شعريا، في حياة أحد، ولا قدوة لأحد، لكأنه ينادي الشعراء ليكونوا كل في وجهته الخاصة، في لغتهم الخاصة وفي حساسيتهم الخاصة. من جملة ما رأيته في قصيدته تلك الرؤية الواعية للقصيدة، فالقصيدة الجيدة هي تلك التي تشتغل بمثابة أداة تنبيه لما يحدث في المجتمع دون أن نراه، هذا كشفها لنا، نوع من الإنذار المبكر لما هو آت سواء كان رديئا أو جيدا، باعثا علي الأمل وعلي الحياة، كاشفا لحقائق الحياة، فالشعر الحقيقي ناقد حقيقي و صادق، لا، ليس إنهزاميا أو مخذلا ولا قبيحا، لأنه جميلا حتي عندما يتناول القبح.

الشعر هو ما نطلبه، أم هي الحداثة؟

لن نقول بجواب قاطع هنا، فليس الشكل الشعري مهما، المهم هنا أن يوجد ويكون الشعر، الشعر يجب أن يكون موجودا وبكثافة في الحالتين، في الشكل أو اللأشكل، هنا بالضبط ينبغي أن يكون وجوده. جميعنا يعلم، لا شك أن هنالك علاقة معقدة للشعر مع ( السياسة ) التي تحاصره وتفرض عليه أنواعا شتي من القمع والقهر تهدف كلها لتصفيته. ونلاحظ هنا، بملاحظة نرجو أن تكون موضوعية، أن ما يحدث الآن من بعض مثقفين وشعراء لا يتعدي أن يكون سياسيا، أراها في عديد وجوهها محاولة البعض الحفاظ علي مكانته الأدبية القديمة، والبعض الآخر يسعي للحفاظ علي مكانته التي حظي بها عبر إنغماسه، غير الحميد، في السياسي الذي هو في السلطة. أكثر من ذلك، أري أن هنالك خلطا أحيانا بين ما علينا فعله تجاه ما يجري في الشارع، ما علينا فعله تجاه مشهد ثقافي معقد ويسعي للنهوض وللجديد، وهنا تنشأ، بوعي وليس تلقائيا، تيارات ثقافية ومحاولات فردية تهدف كلها كي تعيد إلي الشأن الثقافي قيمته الطبيعية. ويمكننا أن نلاحظ أيضا، فوق ذلك كله، أن المشهد الثقافي، والشعري أيضا، يحتاج إلي ( رئة ) ثقافية من أجل التنفس. ولربما كان هذا ( التنفس ) في وعي ومخيلة محجوب شريف في آخريات أيامه فجعله يكتب كلماته البديعات في حق الرئة، وهو الذي أصيبت منه الرئة، وكيف كان أن ( يتنفس ) بدونها؟!
وبالطبع أن التاريخ يقول لنا أن الثورات، دائما وعلي طول التاريخ البشري، في الطليعة منها المثقف والشاعر، أو هي، علي الأقل، تعمل في إطارهما. والمشهد الثقافي عندنا قد عاني طويلا من عسف وجور الديكتاتوريات، وهي تعي جيدا، خطورة وفاعلية الحركات والفعاليات ذات البعد الشعري والأدبي، وتعلمون كيف تسعي تلك الديكتاتوريات لقمع مثل هذا الحراك والحد من فاعليته وتأثيره علي الجماهير. الشعر هو العمق، وهو الجوهري من الأشياء والأحياء في وجهتهما الإنسانية، وهذا، بالطبع، ضد السطحية والسياسوية التي تنتشر ويعلو صراخها في المشهد الثقافي عبر المهرجانات المصممة خصيصا للإعلاء من شأن تلك الدمامل في وجه الشعر الحقيقي، لكن تبقي، برغم كل ذلك، هنالك فرصة للنجاة، تتمثل في الوجهة الجديدة الجسورة التي تشكلت بالفعل وغدت ملمحا مهما وضروريا لمستقبل الحساسية الشعرية الجديدة عندنا. وأنا لست ممن يروجون لمقولة ( الشعراء الشباب أو شعر الشباب ) فتلك، في ظني، ما هي إلا محاولات لتقزيم التجارب الشعرية الجديدة ومحاولة بائسة لإقصائهم عن المشهد الشعري عبر الإتحادات وبيوت الشعر والنوادي التي جلها ينتمي إلي صيغ الشعرية القديمة وتتماهي مع توجهات القمع العام، وإن باشكال مبطنة وخجولة، بل يمارسون الخديعة والمكر عبر محاولات ( تدجين ) الوجهات الجديدة تلك، تماما مثلما فعلوا مرتين مع واسيني الأعرج ومؤخرا مع قاسم حداد. حسنا، أنا زعيم بأن صالحا، هو وبعضا آخر من الشعراء، هم الذين يتصدون الآن، بإنتاجهم الشعري، لهذه الأشكال من العنف في المؤسسات الثقافية وفي المشهد الشعري نفسه. وقد رأيت صالحا مستوعبا لهذا الوعي كله، يجهد فينحت في اللغة ويجرب بالفعل ليكتب نصا مختلفا يستوعب وعيه الشعري. يجرب، إذن، في كل نص جديد من نصوصه، مؤمنا أنه لا معيار، الآن للشعر، ولا معني لشعر يفصل وفق منهج ثابت، فالشعر عنده هو أرض معركة لا تتوقف البتة، وهو، أعني الشاعر صالح، في معاركه تلك في كل لحظاته الشعرية، بل أقول، في كل حياته ووجوده، يفعل ذلك في اللغة، في التوجه العام لقصيدته، في المعني، في الدلالاات وفي الصور الشعرية و ... في الشكل أيضا، برغم أنه لا يلتفت كثيرا لكيف يكون شكل القصيدة، فالمهم عنده والذي يعول عليه، هو ما يطلع وينبثق من داخلها، من مواضعها هي بالذات.

ماذا عن النقد، وماذا عن توجهات الحساسية الجديدة لدي صالح!

نريد، وليس ذلك تمنيا طوباويا علي أية حال، من القصيدة أن تكون ( منخرطة ) في مسار حداثة شعرية، مأمولة وطالعة، بدأت ملامحها وأنساقها ( تتنفس )، من تلقاء حريتها، في المشهد الشعري عندنا، وعند غيرنا أيضا، وهي، من ذات وجودها، التي تدعونا لكتابة نص نقدي جديد، يستخدم أدوات نقدية جديدة، ومعاول مختلفة ومبتكرة للحفر عميقا في تلك النصوص الجديدة، في الحساسية الطالعة التي تبدو للبعض، غريبة ووحيدة، بينما هي، في جوهر حقيقتها تجهد أن تكون بديلا، موضوعيا وإبداعيا، للنسقية الشعرية السائدة. تري هل أستطيع أن أقول بأننا نحتاج إلي ( عينا سحرية لنطل عبرها علي تلك الحساسيات المتنوعة) كما قالت به الشاعرة التونسية أمامة الزاير! في ظني أننا نحتاج بالفعل، وللضرورة الملحة، إلي إبتداع مصطلحات نقدية جديدة تكون متسقة، بل أقول منسجمة ومتصالحة، مع حراك النصوص الشعرية الجديدة. نريد وعيا نقديا بحجم هذا المولود الجديد، أليس النص هو في الوجود أولا. نعم، ولست، أقسم، بأنني لا أشتط ولا أتجني، لكنني أري، ونحن ننظر في شأن النقد الجديد، أن نترك جانبا تاريخا نقديا لا يزال يمسك بأعناقنا، بدءا بقدامة بن جعفر وأبن رشيق القيرواني مرورا بمحمد بنيس وحاتم الصكر وباشلار وجون كوهين وجاك دريدا وهنري ميشونيك وغيرهم وغيرهم، تلك مناهج ورؤي نقدية لم تعد بمستطاعها مساعدتنا في فهم النص والحساسية الشعرية الجديدة. نريد ناقدا جديدا يعلم، وهو ينظر إلي النص الجديد، أنه يأتي بفعل جديد وخطر، وإذ هو يفعل ذلك، يعلم أيضا، أنه يدخل ويتجول في دغل كثيف، معتم ووعر ولا يخلو من الألغام.
أما صالح، فهو يعلم جيدا أنه يشيد، الآن، للقصيدة منزلا بين الصخور، هناك في الأعلي وعلي أرض مختلفة، حيث توجد وتزدهر النصوص الجميلة، تتنفس هواء نقيا بعيدا عن المؤسسات ذوات العواء العالي الفج وعن مرضي ( الوسواس الثقافي ) ولصوص الثقافة وناشري الكراهية وهواة المقاعد الأمامية وناشري النميمة والكذب وشعراء الكلام المغتغت وفاضي علي قول القدال. ولمناسبة النقد، أرجو أن أشير إلي أن هنالك كتابا صدر مؤخرا عن الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، الكتاب للدكتور عمر أحمد محمد عبد الكريم أستاذ مشارك الأدب والنقد بجامعة ود مدني الأهلية، الكتاب بعنوان: ( دراسة نقدية في الشعر السوداني/ قراءة في النص الشعري/ دراسة لنماذج من شعراء الجزيرة ). الكتاب يقع في 123 صفحة من القطع المتوسط ط. أولي 2018م. المؤلف خصص فصلا عن شعر صالح في حوالي 17 صفحة( الصفحات 77/93 )، تناول ثلاث قصائد لصالح من مخطوطته التي لم تطبع بعد ( هل أنت حي ). قد أوردت هذه الإشارة ليقرأ القارئ ويري وجها من وجوه النقد/ المدرسي السائد في جامعاتنا ولطلاب الدراسات العليا أيضا، وليري، هل مثل هذا التناول النقدي حقا يذهب إلي حيث واقع الشعر ويساهم في تطوره أم هو، يعد، فيما لا يفيد حركة الشعر الجديد في شئ؟!.
صالح، منذ مبتدي أمره، نهض بقصيدته وجعلها في وجهة الحياة، في وجهة جديد الشعر وحساسيته، وفي صف الجماهير من البسطاء والفقراء من أبناء وبنات شعبه. هل رأيتموه يوما يقول ب ( الأنا ) في قصيدته؟ لآ، فليس في رؤاه غير ( الآخر ) الذي يعرفه جيدا، يعرف لغته ولسانه ويديه وشئون حياته، همومها وأحلامها ولحظات نضالها لأجل الغد الأجمل والروح العفية. وقد رأيته، وهو علي حال مساره هذا، يقولها، أنه لا يقلد أحدا، بل ينجز قصيدته بالشكل الذي ترأه هي ويرأه هو.
صالح، في أحدي أجمل قصائده، ( المناسبات ) بكسر السين، يقول في بعضها:

( لا يناسبني أن أكون قدوة لأحد
أن أمكث في حياة أحد
أن أصيب حياته التي ذابت في حياتي
بالإختناق.
لا تناسبني هذي القصيدة
لأنها تلتهم يوما
لي فيه من الحياة أسباب للحياة
سوي الشعر.
وحين إشراق تسله من غياهب القمح
لحظة سنبلة تدنو من الصيد
يهجم الشعر علي مشاغلي
يغني بذائقة مهيمنة
ويصرخ:
ليس لك حياة إلا في الشعر! )...

مرة طلب سهيل إدريس صاحب مجلة ( الآداب ) البيروتية، بتمن، علي أمل أن يكتب للمجلة مقالات في نقد الشعر أو رؤاه حوله، رد أمل عليه بصرامة، لآ يا مولاي، لا كتابة إلا الشعر!
هكذا إذن، ليس لصالح في دنياه هذي إلاه، إلا الشعر. تحية إليه، وإلي قصيدته التي سنراها، عند لحظات الشعر، في جديدها، في توهج شعريتها وتطورها.
-----------------------------------------------------------
* الكتابة كانت لأجل تكريم الشاعر صالح في الأمسية التي أعدها نادي ود مدني الثقافي بمشاركة سواحل كافيه يوم الخميس 12/4/2018م.
* وكان صالح قد جري تنصيبه الشاعر الجوال للعام 2018م خلفا للشاعر مأمون التلب.التنصيب الذي جري بقاعة أحمد خير بمدني يوم 21 مارس الماضي لمناسبة اليوم العالمي للشعر بواسطة منتدي مشافهة النص للشعري.
* هذه الكتابة نشرتها صحيفة ( الميدان ) أول من أمس الخميس 19/4/2018م العدد (3395 ).




الأربعاء، أبريل 04، 2018

كلمات وباقة ورد لنانسي عجاج .




كلمات وباقة ورد لنانسي عجاج ...
يسمونها الأميرة،
الأميرة في الغناء.
هي، وحدها، من تجعل وجهتها 
صوب الأعالي 
الأعالي والأماني.
فيا للسماوات العطاش
ويا للرايات 
وربات المسافات.ّ 
هي وردة في الأغاني 
عطرا محبوبا في الناس
كل الناس
بالأغاني والموسيقي والأناشيد!
كنا نراها، تلك الليلة
كيف تبعد العاصفة عن الخشبة
وكيف تفلتها من مكمن القدر الأسود
ذهنها صافيا ونفسها تتعالي 
مثل جسد صار داخله خارجه!
من تراه، الآن، في برهة الغناء
الراقص يكمن تحت جناح الوطواط ؟
من ذهل وأنتشي لما رأي؟
الماء من بئرها يعيد الشباب
وللشباب محض الفرح
رجلا يلتمس النبع 
كل هذا غدا كائنا في الناس
ثمة كلمات ينبغي إلا تقال 
فقد أوفت بالوعد الذي قطعته
وهي في حلم الأغنيات
مهرجان الفرح!
لا ، هي ليست لأحد
هذه البنت،
هي لكل الناس،
و ... للوطن !
* نانسي عجاج :
تحية إليك وباقة ورد ، لك المحبات كلها وأبراج السماء ، شكرا لقلبك، لوعيك وشخصك وقد شاركتنا
فرحنا بمدني بتذكر شاعرينا، محجوب شريف ومحمد محيي الدين. من علي خشبة المسرح، تلك الأمسية
الضوء، حدثتنا عن تلك المحبة بينكما، أنت ومحجوب، وكيف تقاسمتم، معا، هم تطوير الغناء والموسيقي
والحب بين الناس، كل الناس، تري هل كنت في خاطره حين كتب ( نحن اتنين بنتقاسم هموم الناس)؟ أنا
زعيم بذلك فقد كنت حاضرا وهو يوصينا أن نكون معك، في صعود مشروعك الفني الذي راهن عليه مثلما
فعل وردي وهو ينظر ويتأمل مسارك ( أبقو عليها عشرة ). وها أنت، الآن، في الصعود إلي الذري، حيث يصفوالغناء فيغدو زادا وغذاء روحيا للناس، هل رأيتها تلك الحشود كيف هي محبتهم إليك، إلي حديثك والغناء؟! لك الحب، لك الحب كله، منهما معا، المدينة وأهلها، وطبت أيتها الجميلة في الغناء وفي النساء، وكوني أغنية تتعالي وحبا في الناس، كل الناس، شكرا جميلا نانسي، وكوني، دائما، بخير أيضا.

في شأن الحساسية الجديدة للشعر، أما هي وأما هي!




في شأن الحساسية الجديدة للشعر، أما هي، وأما هي!
كتابة لمناسبة اليوم العالمي للشعر.

( إن الشعر فيه تلك القوة التي تستطيع أن تسقط الأسوار بالغناء ).
                    - لويس أراجون -

الشعر،  أعني الشعر في لبوسه أردية التغيير و ... المغايرة، هو فعل مبهر وضاج في حياتنا،  ينمو ويزهر،  ليصير وردة مكتملة العافية في زمن السلم ... والشاعر نفسه يولد في خميرة السلام،  تماما كما يولد الخبز الدافئ من الدقيق المحايد،  فالسلام يتيح أفضل الظروف لتجري التنمية جريانها و تصفو وتسمو شعارات التقدم والحرية والإزدهار.  إن آلاف الزهور تتفتح لدي مرور أول نسمة للحرية في سماء الوطن،  والإبداع يعلو إلي أعلي الذري في أزمنة الحريات الحقيقية والسلام الحقيقي،  فتشمخ،  بجموح فتي وعنفوان،  أحصنة الشعر وتهب رياحه مدوية وفاعلة و ... رائعة!  هي،  إذن،  حالة ، حالة كتابة مستقبلية،  لكنها أيضا، هي واقعية، فالخيالي هو الواقعي الأكيد علي قول درويش. ومما لا شك فيه إنها ستحوز السيادة علي صعيد الكتابة والإبداع، هي قصيدة التجربة الحياتية المعاشة، بكل مفرداتها وعناوينها وصورها وإيقاعاتها،  بكلمة:  هي قصيدة الحياة،  الحياة اليومية للناس العاديين،  وهي  أيضا،  عنوان حقيقي،  جمالي ودال،  لمراحل تاريخية معاصرة من حياة المجتمع،  تضع رؤاها علي الأرصفة وفي الشوارع حيث الناس وأمام الملأ فيشهدوا ميلادها ودورات حياتها نفسها. هي حالة إذن،  لكنها تبدو رحما رحيما في الناس، تزدهي كل أوقاتها بفيسفياء ملونة وبأكاليل يانعة تتجلي،  بأجمل ما يكون،  في مزهريات مضيئة في شرفات الشعر،  فتجدها مزهرة ومزهوة بما يكفي لتصنع فرحها وتكون في الناس، إشارات وملامح تتراقص بموسيقي لغتها و ... تؤشر للجديد وللتغيير القادم الذي يلامس المجتمع في تجلياته وفي تغيره وتململه الصاعد إلي أعالي الوجهات الجديدة، حيث تكون،  هي بذاتها،  فعل اللحظة في حياة شعوبها وفي أفق الثقافة ومكون ثقافي لامع يتماهي بالجديد في منظور الحاضر نفسه، وهي،  والحال كذلك،  في الفعل الحيوي للتغيير الكبير الذي يصيب العالم في بلبال حياته وضجيج دوراته المتنامية ولكن،  أيضا،  بإتجاه تطورها هي نفسها،  هي  إذن،  من الملامح الأساسية للتغيير نفسه.
و ... كيف نرأها القصيدة؟
                          
يقول إدوارد سعيد ( النصوص دنيوية )، نعم  هي كذلك، ثم إنها موجودة بالفعل والقوة في قلب هذا العالم،  تتفاعل بأقصي حد وبعمق ثر في دنيا الأحداث والصراعات والهيمنات والمقاومات والتناقضات، ودنيوية النصوص هي علة فعاليتها السياسية والتاريخية،  فإذا جردناها من هذه الدنيوية تصبح كائنات خاملة يظللها ويخالطها السكون،  تغدو بلا حراك وبلا حركة،  تصبح تيها محضا يتمترس في نصوصيات مغلقة بلا أية دلالات موحية!  والحال كذلك، فأننا نستطيع أن نقول،   بإطمئنان كامل،  أن النصوص بصفة عامة،  ويعنينا هنا الشعر بصفة خاصة،  لا ينبغي أن تعزل عن ظروفها وسياقاتها والأحداث التي جعلت منها شيئا ممكنا،  وذلك ببساطة لأن النصوص هي في ذاتها دنيوية،  وهي أيضا، بهذا المنظور نفسه، أحداث  بهذا القدر أو ذاك، ثم، هي فوق ذلك كله،  جزء من العالم الإجتماعي والحياة البشرية نفسها.  إذن،  يتوجب أن يقرأ شعرنا الراهن وفق هذا المنظور، بفهم وبوعي عميق لمحيطه وأحداثيات الحياة من حوله. 

وجه الشعر ، و ... كيف يبدو ؟
الآن،  كما يترأي لي، أن الشعر السوداني،  وفي غير السودان، في مفترق طرق،  وللحق يمكننا أن نقول: أنه اختار أن يخطو خطاه الواثقات بجسارة في وجهة مغايرة تماما لمألوف الشعر عندنا،  مغايرا وبرؤي جديدة ذات فرادة وإبتكار، يخوض في تجاريب الكتابة، إنها وجهة جديدة، وللجديد، دائما  في عرف الناس ومسلماتهم دهشة المسافة،  تقف كعمود الملح أمام تطور القصيدة، تنهض، فجأة أمامها عراقيل شتي وهي تشق إليها طريقا خاصا بها إلي حيث منابع الإبداع وتخومه وشمسه الساطعة.  هذا الواقع الملتبس يشكل، في ذاته،  تحديا صارخا ومباشرا أمام الشاعر،  بالأحري يصدمه بعنف كثير صقيل حد أن تهتز منه شعريته وذخائره المعرفية كلها،  فأما أن يدع قصيدته تسير سيرها في وجهتها  (القديمة)،  أو أن يخرج بها في الملأ علي غير ملامحها ، في وجهة ( حداثتها ) المفترضة، غير المألوفة،  المغايرة تماما لما هو سائد،  فتثير الرعشة في جسد الحرس القديم،  تستفزه حد أن تستنفره،  في ذات الوقت،  لكيما يقف أمامها، سادا إليها مخارج إنطلاقها ودروب سيرها وتطورها النامي بإتجاه المستقبل،  مستقبلها كقصيدة جديدة تطلع،  كما الشهب،  باهرة ومتوهجة في فضاء الشعر عندنا.  وهي ،إذ تفعل ذلك، تنفك من عقابيله كلها فتذهب إلي ذراها المشرقة بالبهجة والمعرفة والسمت الفريد. أن الشعر قد أدرك،  بجلاء البصيرة النابهة،  أنه لا يوجد شعر حقيقي خارج المحظور،  ولا إبداع خارج الممنوع ، فالإبداع هو ( إنتهاك دائم للمألوف،  تعد علي ميراث الأجوبة النهائية،  أنه حالة عصيان فكري،  لذا علي من يطمع في إبداع شاهق يخترق سقف الحرية،  أن يكون جاهزا لكل شئ،  بما في ذلك الموت مقابل حفنة من الكلمات )، علي قول مستغانمي.  فالشعر، الآن، في مرحلة تحول عميق، وهو ليس تحولا في طرائق الأداء واساليب الكتابة وحسب، بل  هو أيضا،  تحولا في الرؤية نفسها لكيما يروض العالم المفتت ليجعل منه وجودا متماسكا،  وينشط ، في ذات الوقت، بفعالية تجعل من الوجود نفسه أطروحة فكرية ( مقذوفة ) بإتجاه مستقبل مضئ ،يرأه ويستشفره ويستغرقه، وهو إذ يفعل ذلك، يخرج برؤياه من الأطر الثابتة والجواهر المستقرة  المطمئنة لوجودها لدي عرف الناس،  وإنتسابا، في ذات لحظته،  إلي حيث التاريخ والأعراض المتحولة. الآن، كما نري،  هنالك وعي جمالي بدأ يتكون ويتجوهر و ... يتخلق في رحم الشعرية لدينا،  وهنالك،  أيضا،  وعي معرفي آخذ أيضا في التكون.  لقد بدأت القصيدة تفزع لتختلط إختلاطا ثريا بالحياة المعاصرة بكل تعقيداتها وصراعاتها وإتساع معرفتها بالوجود !

ليست خلاصة إذن، إنها تفكرات ..

لعله – أن صح ظني – أنه منذ بداية الألفية الثالثة من عمر البشرية،  دخلت تجاريب الشعر إلي مناطق عميقة الغور في الذات،  حيث صارت (ومضة) الشعر الخاطفة تطلع من الدواخل ومن بين الشغاف،  حد أن قيل – وذلك ليس كله قولا زائفا – أن الشعر هو ما يصدر عن الذات وما عداه ليس معدودا فيه!  أندثرت، بفعل التقدم الهائل والتقنية المتطورة،  نظريات ومدارس وأنظمة فكرية عديدة،  ومثلها حدث للأدب والشعر والفن بضروبه جميعها،  أنتهت من عالمنا المدارس كلها تقريبا فغدت من الكلاسيكيات والتاريخ الأدبي،، فأصبحت القصيدة هي – وحدها – التي تحدد شكلها وسماتها وصورها ولغتها أيضا،  أصبحت كائنة من ذاتها، من ذات نفسها،  هكذا، كما أري،  بدأت مرحلة جديدة في الشعر وفي توجهاته أيضا! لكنني، وأنا أقرأ بعضا من الشعر هنا، أبحث فيه – رغما عني – عن الحدس! ولعله من المعلوم، أن الحدس هو أدراك حسي للأشياء والأفكار والصيغ، وهو رؤية البصيرة إذ تكون في الإبداع وتتوفر عليها ذائقة المتلقي،  إذ يكونا، كلاهما، المبدع والمتلقي، يستندان إلي مهد الحدس في محاورة الأثر الفني، يقول كروتشه: ( ثمة معرفة تأتي عن طريق التصور والإدراك الذي تفرزه المعرفة العقلية،  وعن طريق الأحساس،  وهو نفسي ذاتي، ويتم تفاعل الأدراك مع الحس، أو تفاعل التصور مع الصورة عن طريق الحدس).  هكذا،  كما نري،  يكون الحدس عالقا في الصورة الشعرية،  في شكل القصيدة،  وشيئا غير قليل في  لغتها أيضا!  و أذكر أنه،  قبل ألف عام تقريبا،  قال أبو حيان التوحيدي شيئا مثل هذا في ( الامتاع والمؤانسة )،  قال مفسرا الإبداع بأنه: ( ينبعث من أول مبادئه،  أما عن عفو البديهية،  وإما عن كد الروية، وإما أن يكون مركبا منهما ). فالحدس إذن، هو بديهة وروية،  أدراك وحس،  صنعة ما وصدفة،  واقع وخيال،  حقيقة و وهم، علم وشعر، وهو في مجال التلقي ذوق سليم ونشاز ، معرفة علمية ومعرفة فنية ، هو تقليد ودهشة،  متوقع وغير متوقع،  برهان وتأويل ... أبحث عن الحدس إذن،  لأري كيف في القصيدة يتآلف الإنشطار مع الإلتحام،  فأحس بذلك الحوار المثير المستمر في سمت القصيدة،  لا حدود لتأويله ولا لتحليل شفراته الظاهرة منها وتلك التي خجلة في سترها،  أليس جميلا أن نكون في متعة التأويل نفسه إذ نمسك بالحدوس في جسد القصيدة، لنري ونعي؟!
لنتأمل، إذن،  وجه القصيدة في سوحها الناعم في هذا البراح، لا بالهتاف ولا بالشعار يعلو عليها وعلي اللغة،  هنا،  حيث نسعي، ونحن نتوجه صوب تلك الذري لنري وجه القصيدة وملامحها الجديدة مثلما نمعن النظر،  في ذات الوقت، لنري الملامح كيف تبدو في القصة والرواية والتشكيل والمسرح وفي الغناء والموسيقي ، لنري ونتأمل ، إذن ، و ... نكتبها رؤانا.

مشافهة النص الشعري وتجربة الشاعر الجوال، تجوال وحراك لا يكف في فضاء النص الشعري.

أعد نفسي في المحظوظين الذين أتاحت الأيام لهم أن يكونوا في معية مسار الحساسية الجديدة، الناهضة، في الشعر. فقد كنت قد رأيت منحي جديدا في ( الوردة في مشارقها ) للشاعر المتجول الأسبق للعام 2017م بابكر الوسيلة، وهو أيضا، كما هو معلوم، من مؤسسي
( مشافهة النص الشعري )، فكتبت ما رأيته فيها، وبالطبع، رأيت فيما رأيت، تلك الوجهة المبتكرة للحساسية الجديدة لدي الوسيلة، الكتابة متوفرة علي النت تحت عنوان: ( الوردة في مشارقها، في تجليات دلالها وأناشيدها ). ذلك ما كان من أمر الشاعر الجوال الأسبق، وأما السابق، مأمون التلب، فأنني أرجو أن تسمحوا لي أن أقف قليلا لدي رؤياه وقصيدته، ما رأيته في وجهة ووجه القصيدة عنده والحساسية، التي هي أحد مشاغلي ومشاغله هو أيضا. كنت قد قلت في شأنها عنده، يقول مأمون في " البذرة " ، لينصفنا :

" لأجلي تَقَدَّمت البذرة،
بينما ينبوع القلق السري يلتفّ حول عنقي وأنا في الرحم؛
مُنِحت مُشاكسة النبات لأصله،
زلة لسان الخريف أمام أمطاره،
مُنحتُ جنون الزهرة بحيوانات تقتبسها،
وما نال من قِيَمِ الظلِّ وجاهر بها؛
مُنحت قبلة الأم، وحيلة الشحاذين تنبضُ في دمِ يقيني،
إلى أين أذهب بكل هذا وأنا فقير الدمع وغنيّ الأصدقاء؟
إلى جنّة الشعر أعتقد؛
إلى خَلفَة رجل الكون،
ورقعة الدم الصغيرة في إصبع القدم الخَالِف.
إلى حرب اليوم التالي،
دون أن يرمش لي جنينٌ كليُّ الوجود،
يخرج من بين الصلب والترائب؛
أذهب إلى حيث كان الجذر أضحوكةً،
وكانت البذرة نكتة العام.
إلى حين ما أطلقته رائحة جثث الحروب وظنّه العالم متعته الأزلية،
إلى حيث الصليب يبقى ذكرى،
والكعبة أمّ التوهان ومقصلة الشرنقة." ...


قليلون من هم مثله ، أحاط بعلم كثير ، ويصغي إلي الناس و ... إلي الحياة في ضجيجها وصخبها وقسوتها ، ولا يؤمن إلا بما يحسه نابعا من أعماقه هو . لا يمل مطالعة كل غريب وما ندر من كتب ومجلات ، من شعر ونثر في العربية والانجليزية . المعرفة لديه وسيلة لطمأنة نفسه حتي يستطيع الحياة ، ويري - وتلك مما أعاتبه عليها – أنه ، بما يؤمن به ، علي حق . يعيش تجربة الكتابة والشعر باعتبارها مقاساة داخلية ، يتفرد بها ، يبحر في تلاطم وهيجان مياهها ، إبحارا في بحر المعرفة لا شك ، لكنه أثخانا لجراحات قلبه و جمرات محرقات تزيده ولعا ووجدا بها . لكنه أبدا لا يتشكك في صحة موقفه من الناس . لتقم قيامتهم إذا كانوا ، في مايري ، علي خطأ ، ما دام هو قانعا بسلامة دخيلته . ودخيلته هي في هذا الذي يكتبه ، في شعره ورؤاه المكتوبة بشغف القلب ونشوته و ... وأوجاعه أيضا ! نعم ، في كتابته غرائبية ، عصية علي الفهم أحيانا ، وتلك مما لا يرضاه الجمهور وقد لا يفهمه .  الجمهور ؟ الجمهور الكلب ، علي قول توفيق صائغ ، ومن يأبه له ! في ظني إن تلك هي أحد أهم ما جوبه بها الشعر في وجهته الجديدة ، في مسيرته صوب تغيير ذاته وتغيير الحياة في ذات الوقت . قال بشئ مثل هذا الكاتب الفذ الغريب مازن مصطفي عندما قال أنه يكتب دواخله ، عواطفه ووعيه ، لا للجمهور!
أحدي مزالق الكتابة لا شك ، لكنها كائنة وحاضرة ، كجرح الخاصرة ، فينا . نعم ، نقول أن مأمونا قد كسر ألف قاعدة ، وتخطي ألف حد ، تماما مثل صائغ ، لكنه في كل أطواره يعطي للناس حبا وللحياة أملا ، فلا يجوز لنا أن نلبسه أكليلا من الشوك جراء أشعارا يستعصي علينا فهمها ! مأمونا هذا ، الذي يضئ دواخله كلها إلينا لنراها ، لا أحد أكثر منه عنادا في تدليل اللغة وهي تهجس بوسوساته ، ولا في " تخليق " العنصر الكتابي و الشعري في مده وجزره ، في تحولاته إلي عناصر وإلي لغة تلامس الكوني ، تمنحه دلالا ، مثلما فعله إليها ، فتجرح وتصرخ في ذات الوقت ، و ... أين ؟ في راهننا الخشن الذي يوردنا الوجع الممض . فالزمن عنده هو الحاضر ، بكل جراحاته وتجلياته ، زمن التأمل والملاحظة والتفكير وزمن الحوار والكتابة . والمكان عنده هو الداخل ، لكنه هو نفسه الخارج أيضا ، والآخر هو ذلك الذي يكون في الكتابة ويصاحبه دون أي تردد ، في براءة الأرانب ... صاحب ذاكرة متروكة لمخزونها ، وهذا المخزون القلبي في شأن قلبه بالذات ، لاسواه ، متشعب ، متداخل حد الإختلاط الرحيم . لهذا نراه " ينغمس " بكلياته في هذا التشعب والتداخل . ولئن كان المخزون الذي ترويه عنه الذاكرة هو ، كما تراه حين تقرأه ، المرئي والمعاش والمسموع أيضا ، هو نفس الواقع ، واقعه وواقعنا ، هو نفسه من حيث علاقة أناسه به ، ومن ثم ، ارتسامهم في ذاكرته ، هل يجوز لي القول بأننا نري هنا جمالية الحقيقي ، جمالية الخيالي حين يغدو جمالية إنتاج الواقعي فينا ، وأن نراه الآن ماثلا بضراوة في هذا (الشعر) ؟!
سترون ، لا شك ، كيف وظف مأمون اللغة " الفنية " في شعره بشكل مميز ، في إنتاج قول يوهم بأنه هو " مرجعيته " ، إذ استطاع ، عبر خلق الصورة المغايرة ، أن يجعل القول يبدو حقيقيا ، مرئيا ومعاشا بيننا . ذلك الوجه في شعره ومن هم علي نفس نسقه وسياقاته مما جعل الغرابة والصعوبة تكسو جسد ذلك الشعر حد يوصفه بعض الغلاة بأنه ليس من الشعر في شئ . ويبدو - أيضا وأيضا – غير مرحب به
 من " الجمهور " في المنابر حين يتلي عليهم .  ويبقي السؤال هو : هل علي القراءة النقدية أن تتنكب النظر في تخوم المستعصي والغريب ؟ أكيد أن ذلك سيكون تعسفا لا يليق ، لا بالنقد ولا بالنص . فالنص يسعي ، سعيه كله ، للإيهام بتوليد جمالياته ، وعلي النقد أن يتحسس تلك التخوم ويلامس ذات الموضع الذي ينهض النص عليه فيقول قوله . عندها ينكشف ذلك المستور الغامض غير المألوف . ومن منظور آخر نسأل أيضا : هل تتماهي القراءة النقدية مع معرفي يولده النص ، ويوهمنا ، فنيا ، بحقيقته أم تقيم المسافة مع هذا المعرفي ، تتمايز عنه ، لتحاوره بإقامة علاقتها مع المرجعي نفسه ، لكن ، لا من موقع حضوره في النص ، بل من موقع حضوره لرؤيتها النقدية له ؟ ذلك مما أعده مأزقا حقيقيا أمام النص ، سيذهب عنه جدواه إن لم يتألف مع النص ويصالحه .
وأنا أتامل في سمات وملامح هذه الشعرية المغايرة ، في إنتباهتها وحدوسها و ... في شروقها ، كنت قد رأيت بعضا كثيرا من كتابة وشعر مأمون ، المنشور في الملأ وغير المنشور ، يومذاك رحت أتأمل - بوعي معرفي وشغف يلازمني للشعر – ذلك الوجه من الشعر الراهن ، أعني المغاير غير المألوف هذا ، الذي يبدو وجها غريبا علي ذائقة " الجمهور " ، يومها كتبت لمأمون ، للآخر، الشاعر والقارئ معا، بالأحري:

أرجوكم ...

لا تتهموا الشاعر بالإبتذال !

أفهموا براءة الموج
أفهموا فوضاه وحزنه المائي

وأمواجه التي تغسل ملوحة المدينة

وتبدلها بالأشجار والريحان !

حتي يري " الجمال الذي يسير أمام الروح "

في حديقة الرمان !

وأنت ، أيتها المدينة ، ياقلبا من الزجاج

والبراءات والشوك واللافتات

ياوترا يرقش ليلهن البنات

لا تتأمري علي الشاعر ...

لا تؤاخذي شعره المحدث

ودعي البحر ينفتح علي المرايا

حيث الشاعر يجلس حالما علي الرمل

يحلم بالتفاحات و" السوسنة " ،

تلك التي في قلبه

حاضرة ... حاضرة !


و ... الآن ، أقول له ، للشاعر الذي في حضرتكم ، بقلبه الكبير ، وبعبارته الملغزة الغريبة ، وهو الذي يسلم الراية، الآن، للشاعر صالح علي صالح ليكون الشاعر المتجول للعام 2018م،  شخصيا أعطي صوتي كله لهذا الإختيار، فصالح صاحب تجربة ثرة وعبارة واعية وبحساسية مغايرة، مغايرة لكنها مبتكرة، وحتما سيأتي الحديث طويلا عن تجربته الشعرية، فشكرا جميلا الأعزاء في ( مشافهة النص ). كنت قلت لمأمون:

يا جمالا ينكل بكل شئ ،
ثم يعود ينشئه بجماليات آخري بهيجة .
يا عبارة تتخفي في الصورة
لتقول كل شئ ...
يا صاحب الصورة التي تتشيأ بالمعني
الذي يكاد لا يعرفه سواك ...
يا معنيا بنا ،
صعبا حد لا نراك
يا غائما ...
هائما تتملكه الطرقات ولا تحتويه ،
فهو فيها وليس فيها ،
وهو يمشي ويمشي ويمشي
فتنفجر أمامه العيون مياها زرقاء
تبتلعه كي تخفيه عنا :
تعال ...
أقرأ الآن شعرا
فسنمشي معك ، نحن وأنت ،
في دروب نري فيها الكثير الكثير
وقد لا يري بعضا شيئا فيها !


هذه الكتابة، عن قصيدة مأمون، كانت في 17/11/2014م، بمنتدي نادي الخريجين بمدني لمناسبة الأمسية الشعرية التي قرأ فيها مأمون بعضا من شعره، رأينا أن نثبتها هنا توضيحنا لما نراه في شأن الحساسية الشعرية، في هذا المحفل الذي نعلي فيه من شأن الشعر لمناسبة اليوم العالمي للشعر، ولسوف تستمر الحوارات والدرس الكثير في وجهة هذا الشعر المغاير، ذلك الكائن الذي أصبح، برغمنا، فينا ومنا!

----------------------------------
- جابر حسين -
ود مدني: 21/3/2018م.
* قدمت هذه الكتابة في إحتفالية يوم الشعر العالمي بمدينة ود مدني بالسودان الأربعاء 21/3/2018م.