Powered By Blogger

الأربعاء، يناير 27، 2016

الهوستس ، بين العجيلي ويوسف إدريس !



إلي أ. مني محمد صالح ، التي كتبت تقول :

Mona Mohamed Salih
December 17 at 10:59pm ·
من أروع ما قرأت :
" انا فعلا رجل ضخم وهذه نملة، وبكل كياني كان عليّ أن أصغر نفسي واستحيل من إنسان إلى حشرة، إلى نملة إلى ذكر نمل ، تستثيرني أنثاي النملة !
وأنا وسط هذا العذاب في منتصف المسافة بين كوني رجلا وكوني ذكر نمل ، إنكسرت إرداتي ولم أعد أحتمل، وقلت كل ماعندي بأمل أن يتوقف أمر يونس بحري وأن يكف العذاب عن الأولاد ، ومع الإعتراف لم يوقف الجلاد الأمر بمضاجعة النملة، وحتى لو كان أوقفه فأنا نفسي كنت غير قادر لحظتها أن أوقف عذاب التحول، إرادة أن أكون بشرا أفلتت مني وصارت لدي إرادة نملة لاتقوى على الكتمان ! "
.........
- أنا سلطان قانون الوجود .
مجموعة قصصية لـــ يوسف إدريس .
من قصة (الرجل والنملة) .



فجعلتني ، كتابتها ، أعود إلي كتابتي هذه ، أنشرها هنا ، وقد كنت كتبتها قبل سنوات حتي غفلت عنها ونسيتها ، لولا أن
كتابة الأستاذة مني ، أعادتها إلي ذاكرتي و ... إلي الحياة لتنشر هنا ، فشكرا أ . مني ، قد ذكرتني بجميل القراءة ومتعتها !
دراسة مقارنة :
--------------

الهوستس * ، بين العجيلي ويوسف إدريس .

1 : " الرجل والنملة " د . يوسف إدريس .
2 : " بقعة الضوء " د . عبد السلام العجيلي .

(1)

( أفتي فقهاء ذلك العصر ببطلان الحبس ) .
                                                - المقريزي -

(2)

( جاء في كتاب حياة الحيوان الكبري ، للأستاذ العلامة والقدوة الفهامة الشيخ كمال الدين الدميري ، في باب الذئب :
" وروي إبن عدي عن عمرو بن حنيف عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال : أدخلت الجنة فرأيت فيها ذئبا فقلت أذئب في الجنة ؟ فقال : أكلت أبن شرطي . فقال أبن عباس : هذا وأنما أكل أبنه ، فلو أكله رفع إلي عليين . ) .
                                       - حياة الحيوان ص 361/ الجزء الأول -
                                   الناشر : المكتبة الإسلامية لصاحبها رياض الشيخ .

* الهوستس : لفظة رومانية تطلق علي المعارضين للدولة .



مدخل :

لعله من نافلة القول أن نقرر أن القصة القصيرة قد ولدت ونمت في أحضان التفسير الأكاديمي / التقليدي لهذا الضرب من الأدب ، ثم إنها إلتزمت ردحا من الزمن تلك الأسس والأطر التي وضعت لها لا تحيد عنها إلا لماما . وكان القصاصون يلتزمون بكلاسيكيات موباسان الذي أعتبره الناقد هولبروك جاكسون أبا شرعيا للقصة القصيرة ، وأن : ( القصة هي موباسان ، وموباسان هو القصة القصيرة )(1) ، وهو بدوره ، نعني موباسان ، كان يتبع التقسيم الأرسطي للقصة ، ذلك التقسيم الذي يضع حدا صارما للقصة القصيرة لا تتعداه ولا تتجاوزه وإلا " إنزلقت " إلي مصاف ما أسماه ب ( قصص الأخبار ) (2) ... الذي أعتبره أحط أنواع القصص ، ووصف هذا النوع من القصص بأنها : ( تعتمد علي عامل المصادفة وتتكون من عدة حكايات أو أخبار ليس بينها أخر )(3) .
ولقد إلتزم أباء القصة ذلك التقسيم ، ومن داخل هذا المعطف ذاته خرجت أعمال زولا وفولبير ومن جاء بعدهم من الطبيعيين . ولعله من أول مستلزمات القصة – وفق هذا التقسيم – أن تروي خبرا ، وأن الخبر الذي ترويه يجب أن تتصل تفاصيله أو أجزاءه بعضها مع البعض بحيث يكون لمجموعها أثرا أو معني كليا ، ثم لابد ، أيضا ، أن تحتوي القصة / الخبر ( الكلي ) علي بداية ووسط ونهاية ، أي أن تصور ما يسمي بالحدث ، أو ما يسمي عند بعض النقاد بالموقف الذي يتنامي ويتطور فيقود ، بالضرورة ، إلي نهاية الحدث حيث لحظة التنوير المنتظرة !
نقول بذلك ، ونحن نعرف كتابا أنجزوا أعمالا قصصية حازت إعجاب العالم كله دون أن يلتزموا بهذه الحدود والإشتراطات التقليدية للقصة ، أو بالأحري حاولت العديد من الأعمال القصصية الإفلات من هذا الإسار الكلاسيكي و ... نجحت ! وكان هذا ، فيما يبدو لي ، هو الفتح الجديد أمام تطور القصة القصيرة الحديثة . ونحن لا نتفق مع وجهة النظر التي تري أنه :
( من الخطأ أن نقول أن لقصة ما موضوعا ما لأنه لا وجود للموضوع إلا في الأعمال غير الفنية ... لأن القصة ، مثل أي عمل فني آخر لها كيان ذاتي ( كذا ) وهذا الكيان لايمكن تجزئته إلي شكل وموضوع ، أي إلي أسلوب ومضمون ، لأنه أنما يحقق أثره ويستمد معناه من كونه كل لا يتجزأ ... )(4) . فهذا الفهم ، كما أراه ، يباعد بشكل تعسفي واضح بين الشكل والموضوع ( المضمون ) ، جاعلا منهما قضبان يدوران في إتجاه عكسي بحيث لا يلتقيان ، بمعني أنهما متنافران ، تنعدم بينهما أي إمكانية للإنسجام والتآلف الطبيعي الذي نعتقد أنه من أكثر ضرورات العمل الفني ، لأن الأدب يتميز علي أنواع الكلام الأخري بمعناه التركيبي ، بمعني أن هنالك وحدة كلية تنشأ في تلك العلاقة الحميمة المتنامية بين الشكل والموضوع ، بحيث يشكل بناء القصة العام ونسيجها بأحداثها وشخصياتها ومعانيها وموضوعها ، بناءا واحدا متماسكا .
هذا ما عن لنا أن نسجله بداية عن القصة القصيرة بشكل عام ، ونعلم أن هنالك تطورا كبيرا ومغايرا ومهما قد طرأ الآن علي ملامح ووجهات القصة والسرد ، فماذا عن نقدها ؟
من خلال العلاقة الجدلية بين بنية الإقتصاد وعلاقة إنتاجه والبنية السياسية السائدة وإنتاجها الفكري والأدبي ، وعبر هذه العلاقة – ذات الحساسية العالية – بين الإنتاجين الفكري والإقتصادي السياسي يخرج النقد عن صورته التقنية الشكلية الجمالية إلي المضمون المرتبط بالحريات .
أولا : قضية الحرية ، هي إذن ، من القضايا الجليلة الجديرة بالتناول الفني ، وهي – أي الحرية – قضية النقد المركزية الذي يسعي ورائها أغلب الأوقات وهو يقرأ الأعمال الفنية الراقية ، كما سنري فيما بعد ، فمن حق القارئ أن يعرف لمن يقرأ ، وماذا يقرأ ؟ فإذا كانت الحركات الشعبية الوطنية قد تعثرت ، وإذا كان المفكرون بغالبيتهم إنتهازيين أو غير علميين والساسة تجريبيين ، فهل يمكن ، والحال كذلك ، أن نري الآداب في مستوي أفضل ؟ أن اللبوس الجمالي للآداب ولبقية الفنون هو الذي يجعل منها الأكثر قدرة علي الخداع وعلي تزييف الوعي من فروع الثقافة الأخري ، ولربما لهذا السبب الجوهري تصبح الموضوعية في النقد أكثر ضرورة وربما أكثر إلحاحا في الوقت الراهن من مراحل ثقافتنا ووعينا ، نعني أنه يتوجب أن يكون في أول أهتمامات الناقد الجاد أن يعني بمضمون العمل الأدبي ، بذلك الضوء الذي يشي بالأمل وبالغد الأفضل لإجل الإنسان والإنسانية ، يتم هذا النظر من زاوية أكثر رحابة وإتساعا دون أن يتم إغفال العناية بالشكل وليس العكس (5) ... وعلينا أن نقرر هنا أن البنية الفكرية السائدة في مجتمع ما تؤثر بشكل حاسم وواضح في عملية النقد ذاتها ، يقول محمود أمين العالم : " أن النقد مرتبط بنضج الحركة الفكرية عامة ، وهذه مرتبطة بدورها بنضج الصراع الاجتماعي بمعناه الشامل داخليا وخارجيا "(6) . فأن الموضوع الحي للفن الحقيقي يظل هو الإنسان ، بكل ما تنطوي عليه أعماله وعذاباته وآماله وأشواقه من عظمة وسمو ، وبكل ما في حياته الروحية والفكرية من إمتلاء وتعقيد ، وليس ثمة شك في أن الإنسان الذي يحرر نفسه من ربقة العبودية لتتطلع إلي براح الحرية الحقة ، هذا الإنسان ، وعن قضيته المركزية هذه – نعني قضية الحرية – يجب أن يتجه العمل الفني الحقيقي والنقد الجاد إلي كليهما .  القصتين التي تناولناهما في هذه الدراسة المقارنة يحاولان ، كل علي طريقتها ، أن تدخل من هذا الباب نفسه لتعالجان قضية حرية الإنسان العربي في هذه الفترة الخطرة بالغة التعقيد التي تعيشها الشعوب العربية علي تباين فيما بينها . ونحن نقرأ هاتان القصتان وضعنا نصب أعيننا أن نلتمس الإيجابية / الإضاءة في العمل الفني ، نبحث عن الفعل الضروري الذي لابد من البدء به من أجل قضية الحرية الإنسانية ، لكأننا ونحن نفعل ذلك نترسم خطي شولوخوف الذي كان يردد دائما أنه : ( ليس الإنساني هو من يشفق فقط علي الضحية البائسة ، ويتحسر علي أن القتل يوجد علي الأرض ، وأنما الإنساني هو من يساعد علي إبعاد يد القاتل ، وإنتزاع إمكانية الإضرار من إرادته الشريرة ) ، وهذا بالضبط ما سنظل دائما نبحث عنه في قصتي العجيلي وإدريس .

د . عبد السلام العجيلي القاص :
------------------------------

لا شك ، أن عبد السلام العجيلي يعد أحد كتاب سوريا الكبار ، له نتاج غزير ومتنوع في القصة والرواية ثم في القصة القصيرة ، ولقد استطاع عبر رحلة أكثر من ربع قرن من الزمان أن يفرض أسمه علي طول ساحة السرد والإبداع العربي ، وحاول ، علي طريقته طبعا ، أن يؤرخ للأحداث الكبيرة ، إبداعيا ، في حياة الأمة العربية ، مثلما فعل بعد هزيمة العام 1967 حين أصدر قصته الطويلة " فارس مدينة القنيطرة " . وللكاتب ، من قبل كل ذلك ، طريقته الفنية المتميزة في الكتابة ، وله مثلما لدي كل كاتب مبدع ، رؤياه الاجتماعية والايديولوجية ، وله تناوله ( الخاص ) في مجال القصة القصيرة . ولكن جملة الإعتبارات هذه لا تجعلنا نأخذ جملة أدبه بكليته ونغض الطرف عن الهنات التي يمكن أن تصاحب هذا العمل أو ذاك من أعماله العديدة . ونود أن نسجل ، منذ الآن ، أن لدينا بعض التحفظات حول أدب العجيلي ، وستضح إبعاد هذه التحفظات عند مقارنتنا لقصته مع قصة إدريس . دعونا ، في البداية ، أن نعرض رأيان نقديان حول أدب العجيلي ، يقول الأول : ( أن عبد السلام العجيلي من دعاة المجتمع القديم ، فالعجيلي ، كما صرح هو نفسه ، ليس له مذهب محدد بل يكتب القصة بعفوية ، فقصته " فارس مدينة القنيطرة " في لباس أندلسي تاريخي تتحدث عن مدينة القنيطرة وتري الأسباب نفسها لخروج عرب الأندلس وهزيمة 67 ، يبدو لنا أن الحديث عن الهزيمة – الحديثة القديمة – بهذا الشكل قاصرا بل ومكرسا للهزيمة عندما يقترن بعصبية قبلية طائفية عنصرية . وفي قصة " نبؤات الشيخ سلمان " ينساق العجيلي مع معزوفة أن الفلسطيني باع أرضه . وفي قصة " الحب في قارورة " تصبح المرأة العاملة مسترجلة عنده . وفي قصة " العراف " يصبح فرويد مشعوذا أو ساحرا عصريا ،إلي جانب أن العجيلي يزدري الجهلة ويمجد الفروسية القبلية ويصنف الناس حسب الدم والعرق ، أن عبد السلام العجيلي ضد التقدم ولكنه أذكي وأمهر من أن يقول ذلك مباشرة وبقالب فج مفضوح )(7) . فمن الواضح ، مما سنري فيما بعد ، ومن خلال هذا الرأي ، أن العجيلي له مواقف أيديولوجية معادية لقضية تقدم الإنسان ، ثم أنه ينحاز – عبر مناخات وأجواء قصصه – إلي العصبية القبلية وينزلق إلي نظرة شوفينية تصنف وتقسم البشر إلي درجات تتفاوت في السلم الاجتماعي علوا وهبوطا ، وعبر هذا المنظور نفسه يتناول قضية الحرية في قصته التي سنتناولها بالقراءة ، ولكن مهلا ، لنري الرأي الأخر حول أدب العجيلي : ( متخلف – يقصد العجيلي – عن الإحساس بالتطور الذي بلغته التقنية في القصة الحديثة ، وهو يكتب بطريقة السرد التقريري ، وقد وقع في مأزق الشكل التقريري السردي الذي لازمه منذ ولادته قبل أكثر من ربع قرن ، وقد يكون هذا من بعض شئونه القصصية التي يلتزم بها ولا يحب أن يناقشه فيها أحد ، لكن أحدا لايستطيع الإدعاء بأن الشكل الفني لدي العجيلي هو الأكثر جودة أو أنه الشكل القصصي المعترف به ... رسميا )(8) .
قصدنا من وراء إيراد هذه الأراء أمران : الأول أن نتعرف علي وجهات نظر حول أدب العجيلي ، وهي وجهة نظر سورية ناقدة ومعاصرة أيضا ، والأمر الثاني ، أن نضع ، سويا ، وجهة النظر هذه في إعتبارنا ونحن نقرأ القصة التي سنتناول قراءتها معا ، لعلنا نتعرف ، سويا أيضا ، علي بعض ملامح القصة لدي العجيلي .

بقعة الضوء ، قصة قصيرة لعبد السلام العجيلي (9) :

من أنت ،
هل أنت منتصر جديد
أم أنت أصبحت أسيرا ؟
هل حقا رفعت كمطرقة ،
أم تمددت مثل السندان ؟
                         - جوته -

بقعة الضوء ، تبدأ هكذا :
إسماعيل في داخل الزنزانة ، وحيدا مذهولا ، مغمض العينين ولا يدري ما حدث له ، أول وعيه لما حل به حدث : ( عندما دس كفه في جيبه ليخرج غليونه فيحشوه ثم يشعله ، فإذا بها تخرج فارغة ) ، وبدأ كأن الواقع بدأ يغزو ذاكرته فيعيد إليه وعيه تدريجيا . وتبدأ الصدمة تتلاشي وتنسحب ببطء بعيدا عن ذاته فيبدأ يتذكر : أن العسكري الذي ساقه إلي زنزانته توقف به أمام بابها المعدني وأدخل يده في جيبه فأفرغه مما فيه ، ثم إلي عنقه فنزع عنه ربطته ، وإلي خصره فأستل من حوله حزامه ، ثم أنحني فسحب رباط حذائه من ثقوب الحذاء قبل أن يدفع به إلي داخل الزنزانة ! ونلاحظ هنا أن هذه الإجراءات وغيرها تحدث بصورة روتينية للمعتقل عند بدء دخوله إلي عالم السجن تحسبا وتلافيا لمحاولات الإنتحار ، تحدث إذن بليونة ورفق حينا وبخشونة قد تصل حد الوحشية أحيانا كثيرة ، علي تناغم وإنسجام وتوافق مع الحالة السياسية السائدة خارج السجن . ومرة أخري يمتد الواقع الخارجي ليلقي بظلاله واضحة وجارحة داخل المعتقل ، فتسهم – ضمن أسباب أخري عديدة – في تحديد الطريقة والكيفية التي يتوجب أن يعامل بمقتضاها المعتقل . العجيلي جعل هذه الإجراءات تتم أمام باب الزنزانة ، والصحيح ، إنها – لأنها إجراءات إدارية – أنها تتم عادة في أحد مكاتب إدارة السجن ، حيث يجري ضبطها وتدوينها ومن ثم حفظها ! بدأ ، إذن ، إسماعيل يتذكر ، ولكي يتذكر بالضبط حقيقة ما جري له فقد : ( فتح عينيه ليلقي نظرة علي حذائه وليتبين في العتمة المحيطة به أنه حذاء بدون رباط ) ، ويحق لنا أن نتسأل هنا ، لماذا ينبثق الوعي من الحذاء ؟ ثم أن إسماعيل بدأ يستعيد وعيه لما حدث في اللحظات التي بدأ يدرك فيها أنه " فقد " أشياؤه الصغيرة تلك ، ونبدأ لنسجل هنا أن إسماعيل سيظل أسير هذه الدائرة الذاتية نفسها فلا يكاد ينجح في تجاوزها إلا لماما ! الآن ، تحدث أصوات أبواب تفتح وتغلق بعنف وصرخات آمرة ملأت عليه سمعه حتي إنتهت أمام باب الزنزانة ، وهجم الضوء علي عينيه فجأة قبل أن يمتلئ فراغ الباب المفتوح بجسد ضخم لعسكري برتبة مساعد له شاربان كثان ، فصاح به : ( قيام ) ! كان إسماعيل جالسا علي دكة أسمنتية ملتحمة بالجدار ، فقام متباطئا بينما المساعد يصيح في وجهه : ( أنت جالس علي الدكة ، من سمح لك بهذا ؟) . ولاحظ معي ، عزيزي القارئ ، أن عملية الإذلال تبدأ من هنا ، فالدكة الأسمنتية مشيدة أصلا لتكون مكانا لجلوس المعتقل ، قال إسماعيل : ( جلست ، لم يقل لي أحد أن الجلوس ممنوع ) ، بادره المساعد : ( يجب أن تعرف أن هذا سجنا ليس مقهي للكسالي ، وجهك إلي الحائط وأنت واقف هكذا ، أرفع يديك ، أرفعهما إلي أعلي ) ! ثم بدأت عملية الرضوخ الفعلي لإرادة وأوامر السجان ، سارع إسماعيل ليفعل توا ما طلب منه ، إستدار وأستقبل الحائط بوجهه ووقف ثم رفع أعلي قامته ... وهكذا ، يمكننا أن نلاحظ بوضوح أن إسماعيل بدأ " سلبيا " منصاعا لتعليمات السجان إليه دون أية روح للمقاومة أو الإحتجاج لديه ، نراه مسلوب الإرادة غير قادر علي الرفض أو المقاومة أو حتي إبداء الرأي ( كان ينفذ الأوامر وهو نائم ) ، حتي عندما حاول تحريك رأسه صرخ فيه المساعد بحدة : ( رأسك لا تحركه ويداك لا تنزلهما إلا حين آذن لك ، هل فهمت ؟ إياك أن تنزلهما حتي يأذن لك ) ... ، أصطفق الباب الحديدي وهو يغلق ، فعادت العتمة والظلمة إلي الزنزانة من جديد ، ذهب الحراس ترافقهم الجلبة والضوضاء التي تصاحبهم عادة ، ولكن ، الغريب أن إسماعيل ظل حتي بعد ذهابهم غير قادر علي " كسر " أو تجاهل ذلك الأمر الغريب الذي قال به السجان بأن يظل واقفا ويداه إلي أعلي ، ظل مستسلما حتي الآن ، خائفا أن يغير من وقفته أو يستدير أو يجلس فيحل به العذاب ، لكنه حانت منه إلتفاتة ، بلا إرادة أو وعيا منه ، مجرد إلتفاتة عفوية بلا معني أو دلالة ، فأبصر : ( بقعة الضوء مطبوعة علي ذلك الجدار في مستوي عينيه أو أعلي قليلا من ذلك المستوي ) ، ومن هنا يشرع الضوء / الرمز في مؤازرة ومعاضدة السجين ، وتبدأ منذ الآن العلاقة المتوترة النامية بينهما فتشكل محور وجوهر ( زمن ) إسماعيل الذي سيلازمه حيث سيمثلان معا " الأنا " وهي تعيش زمانها وحدها بلا أي تواصل مع الأخر ، ولعله من هذه الزاوية تبدأ مأساة إسماعيل تتشكل ، لا لتعلو أو تتقدم ، لكنها تتعثر ، تسقط ثم تنهار !
هذا عن أول أيام إسماعيل في السجن ، فماذا عن علة وجوده في السجن ؟ قبل أن يساق إلي السجن ، كان إسماعيل يري في السجن مجرد ( مؤسسة تنتمي إلي عالم غير العالم الذي يعيش هو فيه ) ، أنه فقط يعرف أن السجون موجودة في العالم لا أكثر من ذلك ، فلم يفكر لحظة ، طوال حياته ، بأنه يمكن أن يدخل السجن يوما فيكون في عوالمه ، وبالتالي لم يخطر علي باله قط أن رجلا مثله يمكن أن يظل لسنوات طويلة يرزح تحت وطأة أنظمتها القاسية . نعتقد ، إستنادا إلي هذه الحيثيات ، أن هذه النظرة المفارقة للواقع هي ، بكل المقاييس نظرة قاصرة وساذجة ولا مبالية لما يحدث حولها ، ف ( حتي الأحياء توجد فيها السجون أو الدروب المفضية إليها ، ما كان مهيئا أن يحيا فيها أو يسلكها ) ... ، يحدث هذا منه ولوعيه والمجتمع ، الذي هو منه وفيه ، يعيش حالة إنعدام الحرية وما حادثة إعتقاله والزج به في السجن إلا دليلا علي تلك الحالة ، هو إذن ، بعيد – أو قل أنه غير مبال – بما يحدث من مشكلات وصراعات في مجتمعه ، بعيدا وغير معنيا بغياب الحرية الذي لم يكن يحسه أو حتي يفهم ما يمكن أن يقود إليه ، فأصبح مسلوب الإرادة عاجزا عن الفعل والمقاومة ، فليس غريبا إذن ، والحال كذلك ، أن نجده وقد ( وجد نفسه ذاهلا غير متبين حقيقة مداركه ولا حقيقة مشاعره حين ضمته جدران الزنزانة ) ! فماذا تبقي ، إذن ، لنعرفه عن إسماعيل : أنه صاحب أسم معروف ولقب علمي رفيع ووظيفة رسمية مرموقة ، أستدعي منذ ساعات قليلة في تأدب يليق بمركزه العلمي إلي مقابلة ( ضابط لم يكن يلبس بزة الضباط )  ، من الواضح أن العجيلي يقصد به أحد عناصر البوليس السياسي ، من جهاز الأمن ، فأجاب علي الأسئلة التي طلب منه أن يجيب عليها ، ونعرف أن " التهمة " ضده أنه قد آوي ( عبد المجيد ) شقيق زوجته مدة من الوقت في منزله ، ثم عندما سافر مع زوجته في رحلة بعيدة طلب من حميه أن يقيم بداره مدة غيابهما ، فليس من المعقول ، هكذا كان إسماعيل يعتقد ، أن يترك الدار خالية كل تلك المدة . حدث هذا منذ شهور و ... أختفي عبد المجيد ! فنستنتج أن إسماعيل لايدري أو هو يدري ولا يريد أن يفصح عن السبب الذي يجعل سلطات البوليس السياسي تسعي كل ذلك السعي وراء عبد المجيد ، وتعتقل دون تبصر ، كل من له علاقة به ، فإسماعيل ، كما تقول به القصة ، ليست لديه أي مواقف سياسية يمكن أن يصنف بمقتضاها كمعارض للدولة أو للمواقف التي يمكن ، بسهولة ، أن تقوده إلي السجن ! لهذا كان مطمئنا تماما وهو يجيب علي أسئلة الضابط ، عند هذه اللحظة بالذات بلغت به السذاجة حدا بعيدا و ... ( أشار إلي ذلك بلباقة منتظرا أن يأذن له الضابط بالإنصراف ) !
لكن الضابط تجاهل إشارته تلك وأستدعي علي الفور ضابطا أخر مرتديا بزته العسكرية وأمره أن يخرج بإسماعيل ، وعندما خرج به وأصبح إسماعيل في قبضته مساقا إلي المجهول ، عندها فقط ، ( تسربت إلي نفس إسماعيل قناعة بأنه لن يخرج من هذا البناء الذي جلب إليه ) ، هكذا وجد نفسه وقد غمره الذهول في داخل حجرة صغيرة ضيقة علوية الجدران ، يسمونها الزنزانة ، وفيها سيعاني ويلات الحبس الإنفرادي !
نعود إلي إسماعيل فنراه لا يزال رافعا يديه إلي أعلي ، لم ينزلهما بعد ذهاب الجنود ولا حتي بعد أن تلاشت أصوات إنغلاق الأبواب وراءهم بعد ذهابهم ، أستمر إستسلامه " المخزئ " للأمر بأن يظل كما هو في حضور الجنود كما في غيابهم ، وهنا ، ندت عنه حركة حدثت رغما عنه ، وبدون أدني تدخل من إرادته الواعية ، ، ثقل أحس به في ساعديه وعضديه ثم خدر بدأ برؤوس أصابعه حتي بلغ جذور يديه عند الكتفين ، وتبين عندما أقترب بجذعه قليلا إلي الجدران أن " بقعة الضوء "المطبوعة عليه أصبحت بمحاذاته ، في مواجهته ، لم يستطيع أن يتحري أمرها لوهلته ففي أذنيه لاتزال تدوي كلمات المساعد المتوعدة ( لا تنزلهما إذا لم آذن لك ) ! هكذا ظل أسيرا لتلك الجملة التي رماها في وجهه المساعد ذات مرة وذهب ، فظل هو يعذب نفسه بنفسه في ظل الغياب الكامل للمساعد وجنوده ، فأصبح ذلك الأمر الغائب/ الحاضر هو الذي يقوده فعليا لتعذيب نفسه بنفسه حتي الآن ! برهة وأتجه به تفكيرة وجهة أخري ( من أين تسربت هذه البقعة المضيئة إلي عتمة الزنزانة ؟) ... فرجح أن هنالك فتحا أو شقا بين صفائح الباب الحديدية سمحت لنور المصباح المعلق في الرواق بالمرور والإرتسام علي الجدار أمامه فإطمأنت نفسه إلي ذلك المنطق فقد كان ( لا يحتاج إلي تثبت بالحس ) ، لأن التثبت بالحس يحتاج ، بالضرورة ، إلي حركة ، والحركة في مثل حالته لا تجوز في ظل الأوامر الحاضرة بقوة في ذاكرته ، والتي يشكل الخروج عليها مدخلا مؤلما ومرعبا إلي ساحة التعذيب الجسدي علي أيدي زبانية السجن ، فيتوغل الرضوخ والإستسلام إلي دواخله كلها ، فيهم أن يدير رأسه ليري بعينيه تلك الفتحة أو ذلك الشق الذي يتسلل عبره الضوء ، ولكن هيهات له أن يفعل ، لا يستطيع ولا يجرؤ أن يفعل ، فأكتفي بالملاحظة الذهنية فترك جسده كله علي الوضع الذي أمره المساعد أن يظل عليه لحظة كان حاضرا أمامه ، وثابر عليه هو بنفسه في غيابهم !  فجأة ، عادت الضجة وقرع أحذية الجنود إلي الرواق ، زمع إقترابهم لاحظ ( ... وعينه دائما مثبتة علي بقعة الضوء ، إن وهجها قد تضاءل ، كان تضاءله مؤذن بوصول القادمين وبتأهبهم لفتح الباب عليه ) ، وتجدر الإشارة إلي أن بقعة الضوء / الرمز أصبحت تمثل لدي إسماعيل معادلا للحياة خارج السجن ، وسيبدأ في إقامة علاقة من نوع ما مع هذا الرمز ، مكتفيا بإنتظاره حين يأتي وحين يتلاشي ، فيثبت عينيه عليه تاركا لخواطره أن تذهب راحلة فوق خيوطه الذهبية الواهية إلي الخارج ! فتح الباب فإمتلأت الزنزانة بضوء المصباح المباشر و ... بصيحة حادة من المساعد : ( ما هذا ، تسند يديك إلي الحائط ؟ أرفع يديك بلا إستناد ، إبتعد ، نعم هكذا !... كانت إستجابة إسماعيل هذه المرة سريعة ، فقد أبعد جزعه عن الجدار كأنما دفع عنه بنابض وإرتفعت ذراعاه إلي أعلي بخفة كأن لا ثقل فيهما ولا خدر ) ! أليس من المخجل أن يصل الأمر بهذا المثقف صاحب اللقب العلمي والمكانة المرموقة في المجتمع إلي هذا الدرك المخزي ؟ وهو الذي دفع به إلي السجن بلا جريمة إرتكبها أو جريرة أتاها ، فيصدع ، بإذلال ، إلي أوامر ونواهي المساعد ويستجيب ، بسلاسة ، للعبة الفعل المنعكس الشرطي كفئران المعامل ؟! وحده الضوء / الرمز يظل متماسكا في شكل بقعة مضيئة ثابتة علي الجدار عند غياب المساعد وعساكره ، متوهجا دافئا في حضورهم ، وبدلا أن يستمد إسماعيل منه الصلابة والتماسك وإرادة الفعل والمقاومة يكتفي بتأمله ويضفي عليه سلبيته وإنكساره وإستسلامه ، تاركا لتلك الخيوط الذهبية اللامعة مهمة حمل أشواقه إلي الحرية معها إلي الخارج ! لكن ، للأسف العميق ، تبدأ من جديد رحلة إنسحاقه : ( خيل إليه وهو يعود إلي التطلع فيها – أي بقعة الضوء – أن مثل الماء كان يسبح فوقها ، وما كان ذلك في الواقع ماء سبح علي البقعة المضيئة بل دمع ترقرق بين أجفانه هو ، ما لبث أن تجمع في قطرتين لاهبتين تدحرجتا علي وجنتيه ) ، و ... هكذا ، حتي التأمل في بقعة الضوء لم يعد قادرا عليه ، تغبشت رؤيته وغامت ، وإنكسر في داخله أمل ضئيل ظل يبحث عبره عن خلاص ، فأينها ، إذن ، قدرته علي الصمود والتماسك ، من أين يأتيه المدد ؟!
كانت تلك الدمعات التي وقفت للحظات حائلة ما بين بقعة الضوء ومركز الإبصار لديه – حد أن خيلت إليه إن ماءا يسبح عليها – هي لا تزال ناصعة ولامعة تماما كما بدت لعينيه أول وهلة ، متوهجة تذهب وتأتي في حرية وإصرار ضاربة بأوامر السجان ونواهيه عرض الحائط السميك لتلك الزنزانة . هذا الدرس البليغ الدلالة لم يستطيع إسماعيل أن يستوعبه أو يستمد صمودا منه يجابه به محنته ، أما شكل بقعة الضوء نفسه فلم يتبينه إسماعيل إلا مؤخرا : ( ليست مدورة تلك البقعة المضيئة بل هي مثلث لامع الوسط باهت الحواف ، أو أنها مسقط ضوء متطاول عريض في أعلاه ضيق عند القاعدة ، لاشك إذن في أن الفتحة التي مر منها النور ليقع علي الجدران ليس ثقبا مدورا في الباب وأنما هو تباعد بين صفيحتين من الصاج المصنوع منه ... هكذا قر رأي إسماعيل في تساؤله عن منشأ البقعة ، حكم به نظريا دون أن يتجاوز أوامر المساعد ذي الشاربين الكثيفين فيدير رأسه ليتثبت حسيا من ذلك المنشأ ) ...، ولا تعتقد ، عزيزي القارئ ، أن إسماعيل قد عدل من موقفه في مواجهة الجدار مرفوع اليدين إلي أعلي ، فهو ، حتي الآن ، لم يستطع أن يأتي بأي حركة يمكن أن تشكل مخالفة بأي شكل لأوامر المساعد ، لكنه ، وهو علي تلك الحال ، بدأ يحس بثقل ذراعيه علي كتفيه ثم بالخدر يضخم حجمهما ويتجاوزهما إلي الألم الممض ، ثم يتحول إلي ألم جارح ثم إلي ألم طاحن ثم إلي عذاب ، و ... ( عرف الآن أي نعيم فقده حين كان قبل برهة وجيزة يسند كفيه وذراعاه مرفوعات إلي الجدار أمامه ، نعيم تلاشي حين فتح الباب عليه فإكتشف المساعد أنه يتمتع به في غفلة من حراسه القساة الجفاة .. أتري يعود إليه ذلك النعيم المفقود ؟ ) . النعيم المفقود هذا هو مساحة الراحة التي يجدها مؤقتا حين يسند ذراعيه إلي الجدار فيسند ثقل جسمه بالتالي إلي الجدار بدلا من بعض أطرافه ، وماذا لو جلس ، أو إستلقي علي الدكة الأسمنتية ، لماذا نصف الحركة بدلا من بعضها ، ولماذا ليست كلها ؟  في ظني ، إن إستسلامه وإستمتاعه بذلك بذلك النوع من الراحة الذي ظنه نعيما حتي فقده ، كل ذلك ما هو ، في واقع الأمر ، إلا موقفه الذي ظل يحكم حياته وهو حرا طليقا خارج السجن ، فطبعت حياته كلها بهذا الطابع السكوني السلبي تجاه الحياة وصرعاتها اليومية المستمرة ، ولهذا السبب نفسه نجده عندما وجد نفسه داخل الزنزانة فلم يجد إلا هذه ( البقعة ) ، ولم يكن أمامه غيرها لينشغل قليلا بها عن العذاب النازل به ، ف ( بدأت بقعة الضوء تكون شغله الشاغل وأضحت كل همه ، ينشغل بها عما سواها ، يتابها أينما حلت ويلاحظ إختلاف وهج إنارتها بين فترة وأخري ) .  الفداحة في حالته أن رؤياه تلك تغيب عنه فلا يستطيع الإمساك بتلك الخيوط المتجمعة عبر الربط بين الظواهر والحالات المختلفة لبقعة الضوء حتي لحظة أن تختفي ، لكأنها تترك تلك الفتحة الصغيرة عند حضور العساكر لتدخل بكليتها وبملء ضوءها عبر الباب الواسع كل مرة لتغمر المكان كله بذلك الضوء البهيج ، ذلك الأمل الحي المزهر ! دعونا ، إذن ، نري ما آل إليه حال إسماعيل : ( إخترق رأس إسماعيل شعاع فكر أشد وهجا من أشعة مصباح الرواق :  أدرك أن ضوء البقعة المنير لابد أن يختفي من علي الجدار أمامه في كل مرة يقف فيها أمام الزنزانة من يتأهب لفتح بابها وقبل أن يفتح هذا الباب بلحظات ) ! كان إسماعيل جد سعيد بهذا الإكتشاف البسيط الذي سيتيح له أن يعيش تلك اللحظات الخالية من الألم الجسدي ، نعني ( نعيمه المفقود ) الذي ما إنفك يبحث عنه ، لهذا ( هجم إسماعيل علي بقعة الضوء فقبلها ، الصحيح أنه قبل الجدار حيث ترتسم البقعة فهي قد أمحت وإختفت حالما تحرك فحال رأسه بين منفذ النور ومسقطه علي الحائط ) ، يااا للهول ، قد هرب الضوء / الرمز ، قد غاب عندما أصبح مجرد فكرة يتلهي بها لخلاص ذاتي من مأزق حياتي ، حتي لو حدث هذا المأزق داخل أسوار السجن وداخل زنزانة الحبس الإنفرادي ، ثم إبتدأ ( يكتشف في بقعة الضوء ملاكه الحارس ومنقذه من عذابه المهين ) ، ألم يشارك هو في صنع هذا " العذاب المهين " ويجعله مستمرا ؟! ، وأخيرا ، بل نقول أخيرا جدا بدأ ، علي ما يبدو ، يستفيد من اللعبة التي صنعها بنفسه ويجني الآن ثمارها ، فيكفيه منذ الآن أن يستلقي علي الدكة الأسمنتية ويثبت كل حواسه ونظراته علي بقعة الضوء ومتي خفت عنها ضوءها هب واقفا في مواجهة الجدار رافعا ذراعاه إلي أعلي متخذا لنفسه ذات الوضع الذي أراده المساعد أن يكون عليه حين يحضر وحين يذهب ، فيتخذ لنفسه ، إنصياعا لأمر المساعد ، ذلك ( الوضع المهين ) ، وهكذا وجد إسماعيل راحته وهو يعيش إستعادته لنعيمه المفقود ، ومن الواضح أن سعيه المحموم خلف نعيمه المفقود هو الذي جعله يتقن فعل الحيلة ويجيد دون أن يفكر – مجرد تفكير – في أمر سواه ، فلقد فتح الباب عليه من بعد مرات عديده ( فوجد سجينا طائعا مستكينا ) ! ثم ، بعد كل هذه الأطوار من الأمل والخيبات والإنكسارات والذل ، تأتي أخيرا لحظة " التنوير" في القصة ، وكأنها أفلتت بغتة وللتو من وسط ركام الإستسلام الذي ساد كل أجواء ومسارات القصة حتي الآن ، فيالها من راحة ، وياله من نعيم ، بل ياله من عذاب ، فقد بدأت راحته ونعيمه المفقود تصبح عذابا إليه ، وياله من عذاب! تري ، هل بسبب من أجواء ومناخات الخواء والضعف الذي ساد القصة تفجر هذا الموقف الدرامي الفريد ؟
( ربع دقيقة فقط ، فترة قصيرة إلا أنها كافية لأن أقفز من مجلسي منتصبا فأدير وجهي إلي الجدار بعيدا عنه ، وأرفع يدي عاليا ، وأسمر عنقي بين كتفي ، نعم فكل ما علي أن أفعله كي أريح جسدي من تعب الوقوف وكتفي من ثقل ذراعي المتضخمتين أن أظل محدقا بعين لا تطرف إلي بقعة الضوء محدقا بها بثبات ) ، ولكن ، هذا الوضع ، بنعيمه المفقود ، قد ولد حالة أخري من العذاب المرعب ، فهل يتطلب الوضع الجديد رحلة أخري بحثا عن نعيم أخر مفقود ؟ لنري: ( ولكن تصور ، تصور إنشدادي وأنا متلع العنق طليق كل أعضاء الجسد ماعدا كرتي عيني ، تصور إنشدادي بنظرة هاتين العينين ببقعة أضيق في السعة من نصف راحة الكف لاتبعد عن وجهي أكثر من نقطة واحدة لا أتحول عنها قيد شعرة ، كان إنشدادي هينا في اللحظات الأولي وفي الدقائق الأولي باعثا علي التحديق نشأ وإنكشف عن ألم شديد ، عذاب جديد من نوع جديد ) ! وقد يحدث كثيرا أن الإنسان يتحول ، تحت وطأة الألم ، إلي بطل من طراز فريد ، فيتمرد علي العذاب والمهانة بالمقاومة التي يمكن لها أن تورده إلي الموت نفسه ، لربما كانت هذه الحالة هي بذرة الصحو لدي إسماعيل ، نقول ربما :
( بعد دقائق شعرت أن ما يشدني إليها – أي بقعة الضوء – لم يعد أشعة نور لاقوام لها ، وإنما إبر نارية دقيقة ، بل لعلها أسياخ من نار بطول ما بيني وبين موقعها علي الحائط ، تحول الوهج في تلك البقعة من ضوء بارد علي جدار الأسمنت إلي شرارات متوقدة تكوي شبكتي عيني بلدغات محرقة ، وما كنت قادرا علي التهرب من تلك اللذعات ، كان يجذبني إليها ويلصقني بها رعب في أعماقي من أن محاولة التملص من لذعها يوقعني بين مخالب المساعد ذو الجسم الضخم والشاربين الكثيفين والصيحات المنكرة ) ... ، لقد سكنه هذا الرعب وأبي أن يفارقه ، وإرتبط عنده بأوثق رباط بشكل المساعد وحضوره المرعب ماثلا أمامه بضخامته الجسمانية وشواربه الكثيفة وصيحاته المنكرة وقسوته ، فتراكم عليه العذاب وتزايد حد فاق طاقة إحتماله فثار عليه ، ولكن أي ثورة ، لنر كيف كانت ثورته علي عذابه الجديد !
( في لحظة من اللحظات بهت ضوء البقعة علي الحائط فجأة فعلمت أن المساعد وزبانيته قادمون ، لم أتحرك من مكاني ، ظللت في جلستي علي الدكة محتجبا ، وظل بصري موجها إلي موقع الضوء ( لماذا الآن ) الذي لم يعد له وجود علي الجدار ، وفتح الباب فلم أتحرك ، لقد وطنت نفسي علي تحمل كل ما يصيبني ما دمت سأتحرر من هذا العذاب الأخير ) ، محاولة أخري للتخلص من العذاب ، نكاد نري أن بذرة صغيرة للمقاومة والتحدي قد نبتت وهي الآن تطفو إلي سطح كيانه ، لكنها جد ضئيلة بحيث لن تتيح له إتخاذ موقف مقاوك يقوده إلي تغيير حقيقي لحالته برمتها ، أو لعلها مجرد محاولة للهروب صوب نعيم آخر عبر رحلة لا تخلو من العذاب هي الأخري وإن إقتضت التضحية ، ولكن ، كما نري ، أن كل المحاولات التي علي هذه الشاكلة محكوما عليها بالفشل والخذلان مسبقا ، ولربما أصبحت نتائجها علي النقيض مما توقعه صاحبها ، فماذا كانت النتيجة ؟ . ( كل ما تراه الآن علي جسدي من ندوب ، وكل ما لا تستطيع أن تراه في أعماق نفسي من أثار ، هي بقايا ما تركته ثورتي علي بقعة الضوء في تلك الساعة من ذلك اليوم )! بعد هذه " الثورة " الوضيعة التي جعلها ضد بقعة الضوء ، بعد هذا الهوان كله ، والذل كله ، عاد إسماعيل " تلقائيا " ، أعني من تلقاء وعيه المستسلم لمصيره ، إلي وضعه الذي رأيناه عليه عند بداية القصة ، نزيل زنزانة بمفرده ، محطم الجسد والروح جراء الضرب ومسلوب الإرادة يكاد لا يفهم هذا الحبس التعسفي غير المبرر الذي تعرض له وعجز عن إدراك أسبابه ودواعيه ، كما عجز العجز كله عن الوصول إلي حقيقة مبرراته ونتائجه ، ثم عجز ، أخيرا ، عن التفكير الجدي في إمكانية مقاومته وكسر شوكته ، وعلي التأكيد ، أن الزنزانة التي حل بها مؤخرا من بعد " ثورته " تلك وتعذيبه ستكون بلا شعاع ضوء واحد يشغله ويملأ عليه فراغات روحه ووعيه ، وهكذا تنتهي القصة علي النحو التالي : ( سكت إسماعيل لحظة ثم ختم حديثه بجملة واحدة قائلا ، هذه هي حكايتي مع بقعة الضوء ) ! بقعة الضوء التي فشل في التلاءم معها ، وفشل في توظيف رمزها ودلالتها ليحدث شيئا من التغيير في نفسه وطريقة تفكيره مما من شأنه أن يبدل من حياته نفسها داخل السجن . وفي ظني ، أنه ظل هكذا معدوم الإرادة ، سلبيا منطويا علي نفسه وعذاباته ، يعيش بأمل أن يفرج عنه فيعيش الحياة عاطلا منها أو يتحطم كليا ويموت داخل سجنه !
هذا هو العجيلي ، وهذه هي قصته ، فماذا عن يوسف إدريس ؟

يوسف إدريس القاص :
----------------------

الدكتور يوسف إدريس يعد من أكبر كتاب القصة القصيرة في عالمنا العربي بلا منازع ، بل أتخذت قصته منحا عالميا في إنتشارها ، فقد عالج كتابة القصة القصيرة في فترة تعد – بكل المقاييس – من أخصب وأخطر فترات حياتنا العربية المعاصرة ، وتناولت قصصه موضوعات تعد هي الآخري في صلب حياتنا نفسها فلم تنفصل أيا من أعماله القصصية أو تبتعد عن هموم الإنسان في حياته وتطلعاته وآماله ، ورافقت هذا الإنسان حتي تناولت معه عذاباته وأشواقه أيضا في مشاركة ومؤازرة حميمة ومتداخلة ، نامية ومتطورة ، حتي أصبحت تلك القصص صورة نابضة بالصدق لأجل الإنسان ، ولم يفارقه هذا الهم الإنساني حتي رحيله ، ويمكنني أن أضع معادلة أحد طرفيها يوسف إدريس والطرف الآخر الإنسان ، وتكون تلك المعادلة صحيحة الصحة كلها صادقة كل الصدق . قال عنه يوما الناقد د . غالي شكري : ( يوسف إدريس أكبر أبناء جيلنا سنا ، ولكن المسافة الزمنية التي تفصل بينه وبين بقية أبناء الجيل لم تقتل فيه قط روح المجايلة والمعاصرة لأحدث همومنا وأحدث منجزات الفن الذي عاش له كل عمره ) ، ثم يستطرد شكري ليقول أيضا : ( كان يوسف إدريس واحدا من الشباب السياسي المناضل من أجل تغيير المجتمع نحو الاشتراكية ، كان شابا قادما من الريف يعمل نهارا طالبا في كلية الطب يجرب أصابعه وشجاعته في غرفة التشريح ، ويعمل ليلا في أي مكان يجرب عقله وشجاعته ، في غرفة أكبر هي المجتمع بأكمله ، كيف يمكن أن يصبح شيئا أخر ، يسترد فيه كل إنسان إنسانيته . وفيما بين الليل والنهار كان يوسف إدريس يعمل في أضيق وأوسع غرفة عرفها التاريخ ، هي المخيلة ، التي تحتاج هذه المرة ، بالإضافة إلي الشجاعة ، إلي الوجدان الذكي المرهف الذي يلتقط ظواهر الأشياء المركبة فيحللها إلي عناصرها الأولية ، ثم يعيد تركيبها من جديد ، ولكن علي نحو يغاير الأصل ، علي نحو يشبه ( الحلم ) ، التشريح من جديد ولكن من أجل الفن . الصورة الجديدة لنضال يوسف إدريس الذي لم ينفصل قط عن نضاله في مشرحة القصر العيني ولا عن نضاله الثوري من أجل الاشتراكية ، بل لقد إمتزجت هذه العناصر الثلاث في وحدة حية عميقة كانت تنعكس في كل مجال عمل به . كان فنانا وسياسيا مع مرضاه ، كما كان طبيبا وفنانا في العمل السياسي ، كما كان طبيبا وسياسيا في الفن ، بالجملة ، كان إنسانا ، وهذا هو مصدر إنفعاله بهذه الكلمة حين قفزت علي لسانه في تلك المناقشة الحادة التي جرت بيننا مقدماتها في ذلك المكان شبه المهجور بالقرب من الهرم : " الإنسان ... الإنسان )(10) . أو كما يقول إدريس نفسه عن قصته : ( إنها صرخة تطلب وجودا إنسانيا لا يصبح الإنسان فيه عبدا لنظامه )(11) . أظنني سأكتفي بهذا التقديم لكي ندخل إلي عالم القصة كما يعالجها يوسف إدريس في قصته القصيرة التي نتناولها بالقراءة مع قصة العجيلي .

الرجل والنملة : يوسف إدريس (12) :

( أمام الناقد تبقي مسألة الأمن : كيف يقرأ عملا  لا يمجد النظام ويسبح بحمده ، أنه يخرج بذلك علي العرف والنظام والتقاليد ، ويضع نفسه تحت طائلة القانون ، وما أدراك ما القانون ؟ أنه سلاح ذو حدين ، ومن الممكن إستخدامه في حماية الإنسان ، وفي نفس الوقت هو مهيأ لأن يصبح حبل مشنقة يلتف حول رقبة من يشأ ، التهم موجودة وجاهزة تحت الطلب ، ثم من يضمن له ألا تكون هذه الرواية بكل ما فيها من رفض ليست مجرد شبكة أو طعم تستخدمه الأجهزة حتي تكتشف من لاتعرفهم من المختلفين مع النظام . وعند حدوث أول متاعب ، أو قيام أول مظاهرات أو إنتفاضات ، يصبح كل من قرأ الرواية أو تعاطف معها أول من يقبض عليه ) .
                                                       - يوسف القعيد من روايته : شكاوي المصري الفصيح -

يتمتع يوسف إدريس بمعرفة دقيقة بأمكنة ونظم السجون ، ويتحلي برؤية شمولية تحيط بكل تفاصيل المعاناة اليومية المتكررة في حياة المعتقل السياسي داخل السجن . ونحن نرجح هنا ، أن إدريس قد أتيحت له فرصة التعرف عن قرب علي هذا النمط الفريد من الحياة التي أفلت من معايشتها الكثيرون . تبدأ القصة هكذا : ( بعيون فاغرة رحنا نراقب الباب وهو ، بالعصبية الشديدة ، يفتح والكتلة البشرية تدفع من خلاله لا نتبينها إلا حين فقط تستقر في ركن الزنزانة الفارغة ، حتي السباب المعتاد الذي كان لابد يصاحب الفتح والإغلاق والتجريم من فرط الدهشة ، لم نتبينه إذ حل الصمت لا نجرؤ علي قطعه مخافة أن يجد جديد وأن يكون وراء البداية ما وراءها ) ... ، وهنا ، يجب أن نلاحظ جملة من ممارسات هي بالقطع أحد أول السمات البارزة التي يمكن أن تلاحظها في السجن : فتح وإغلاق البوابات يتم بعصبية وتشنج وضجيج متعمد ، يتبع ذلك مباشرة الدفع والركل للمعتقلين حتي يصبحوا ( كتلة بشرية ) يتم قذفها بعنف مفرط إلي داخل العنبر أو الزنزانة أو حتي إلي داخل غرفة التحقيق التي عادة ما تكون مكتب ضابط السجن ، ثم السباب والشتائم المقذعة من كل شاكلة ولون تلقي في وجوه المعتقلين بغلظة وقسوة وفظاظة تتجاوز حدودها في معظم الأحوال لتكون ، هي الأخري ، سياطا تلهب جلودهم وتحرقها ، يتم كل ذلك بحقد يبدو ساديا مفرطا في ساديته تجاه المعتقلين ، وهم ، في نظر إدارة السجن وسجانيه ، سواسية يجب عليهم العقاب في أشد وجوهه قسوة ومغالاة !

جو السجن :
-----------

في السجون العربية ، عادة ما يتم " التمام " ، وهو إحصاء يجري لمعرفة وتحديد عدد المعتقلين ، عند الخامسة مساء ، يجلسون المعتقلين في مجموعات صغيرة علي الأرض في صمت تام وبلا أي حراك ، وهو صمت : ( يهيئ للصراخ أن يتعالي إذا حدث خطأ وأفلت نزيل من الإحصاء وإرتبك العدد ( الباشاويش هو المخطئ ولكن الشتائم تنهمر فوق رأس النزلاء ) ، وبعد " التمام " ، تمام الخامسة ، بكل توتراته وعذاباته وضغوطه النفسية والجسدية ، ( أخيرا يجري الزئير النهائي لمفصلات باب العنبرالكبير وتخفت الأصوات مع الأقدام مبتعدة ، ويحل الصمت ويستمر ، للتأكد أنهم جميعا ذهبوا ، وأن النهار المتعب إنتهي ) ! بعد هذا كله ، يبدأ الوقت الحقيقي في حياة المعتقلين ، فهم بعد هذه الساعة لديهم الليل بطوله يسخرونه في شتي الأفعال والأنشطة الرائعة ، أنهم يحولون المعتقل في تلك الساعات إلي مدرسة تمارس فيها شتي ضروب النشاط الإنساني الخلاق : محاضرات ودراسات وحلقات درس ثقافية وفكرية وإقتصادية ، إجتماعية وسياسية ، فصول لغات ولمحو الأمية ، مجلات ثقافية وفنية ناطقة ، مسرح وفصول لغات حية ، يحولون جماع الخبرات الفكرية للمعتقل إلي معرفة مشاعة متاحة لإطلاع الجميع ، هكذا تقاسموا وسجانوهم اليوم ، للسجان النهار ، ولهم الليل العريض البهيج ! يبدأ اليوم
و ... ( السكوت في العنبر طوال النهار أحد الأوامر الصارمة ، الألسنة تتيبس في الأفواه لقلة ما تتحرك ، الحناجر مخشوشنة من فرط السكوت ، فقط تذهب قوة النهار ويترك العنبر في حراسة ثلاثة حراس ليل ) ، فقط حين يطمئن الجميع إلي ذهاب الجميع يفرج كل نزيل عن لسانه ويبعث الحياة في شفتيه وفمه وصدره ، وتتم عملية التعويض النفسي عن الكبت والمعاناة التي توقفت لحلول الليل فيبدأ النزيل عملية الإنتقام : ( من السكوت وأوامر الشلل ) التي تصاحبه طوال نهاره . ويحدث أحيانا أن يأتوا بنزيل يزجون به إلي داخل العنبر في جوف الليل بلا سابق إنذار ، لتبدأ من جديد عملية الضجيج والشتم والركل والدفع و ... ( تقض حياة رهيبة يتولي فيها أناس حبس أناس وخنق أناس وضرب أناس وحشرهم وتكديسهم هكذا ، في علب محبوكة من الزنازين والحجرات ) ! ، هكذا ، بالضبط وبذات الطريقة الروتينية الفجة أحضروه ، بل بالأحري قذفوه ، كتلة من اللحم الإنساني المنسحق ، ( مكوما في الركن لا يتحرك كان لايزال ) ، وما أغرب قدرة الإنسان علي تعذيب نفسه وتعذيب الآخرين إذا وقع عليه عذاب لا يمكن منعه  ، معذبون يعذبون معذبون ، ما أبأسه من حبس داخل محبس وعذاب في قلب عذاب ، ولكم تذكرت في هذا الموقف موقفا للنقابي الشيوعي السوداني التوم إبراهيم النتيفه وهو في سجن كوبر إبان عهد ديكتاتورية السفاح نميري ، حين يضجره مثل هذا العذاب وحلوله فيمن حوله فيصرخ ملء روحه المرحة ساخرا : ( أنعل أبوها سجنة دي ) ثم يطلق ضحكته المجلجلة في من حوله من المعتقلين مشيعا فيهم روح الفكاهة والمرح فيخرجهم قليلا عما هم فيه من عذابات وآلام !  إدريس ، كما نراه هنا ، يدرك بشكل رائع العلاقة الجدلية بين الحاكم والمحكوم ، بين السجان في داخل السجن ومسجونيه ، فمن المعلوم أن كل سلطة أو دولة لديها جهاز قمع بوليس محكم يقوم علي حمايتها وكسر شوكة معارضيها ، هذه الأجهزة تتشكل ، وظيفيا ، بنسبة غالبة من بين أبناء الشعب ذاته ، وأن تلك الأجهزة ، لربما بغير وعي منها ، تستخدم كأداة قاسية ومرعبة أحيانا في قهر وقمع أبناء شعبها ، ذلك الشعب نفسه الذي أمد تلك الأجهزة بالكثير من عناصرها ! عادة ما يحاول النزلاء ، بشتي الوسائل وبإلحاح لا يفتر ، أن يجبروا ذلك النزيل الجديد علي الإفصاح بالعلة التي دفعت به إلي السجن وهو علي تلك الحالة المزرية ، و لكن ، للأسف ( لا رد ولا تحرك ، ولا يبدو عليه أنه سيرد ، حتي تنفسه ذاته يبدو لهم وكأنه نشيج وبكاء ، أو هو بالفعل كذلك ، بكاء الصامتين لا حول ولا قوة ) ... ، أحاط النزلاء بالرجل وإستخرجوا " الكنز الثمين " : شمعة وحيدة يملكونها كانت مدخرة ومصونة للحظات لا بد قادمة يصبح فيها خيط ضوء في معادلة الحياة نفسها ! وأثنان من النزلاء حاولا رفع رأسه ليروا وجهه ، وعلي ضوء تلك الشمعة التي بذلت وسعها كله لتضئ إليهم فيروا ، تكشفت مرة واحدة ، وبأجلي ما يكون ، مهانة ووضاعة الإنسان العربي داخل معتقلات أنظمة القمع والإستبداد والقهر لحكام العرب : ( كدنا نموت ، أنا وحمزة ، رعبا ، فكلانا طبيب ونعرف ماذا تعنيه تلك الصفرة المتكاثرة المتشاحبة التي لونت الوجه ، الحدقات الواسعة المفتوحة وهي تمعن النظر في الفراغ وفي اللاشئ ، ما لم ننبهه مات ! لمسنا النبض وعددنا مرات التنفس ، الصدمة فعلا واضحة ولكن لا أثر لأي أصابة في الجسد ، لا جرح ، لا خدش ، ولا بطن منفوخ ، لا شئ ! إذن ، فنحن أمام حالة فريدة تخالف طرق التعذيبالمتبعة في السجون والمعتقلات . كيف يمكن أن تكون هناك صدمة واضحة يعاني منها هذا الإنسان الذي تحول إلي مسخ ، ولا يكون هنالك أثر واضح ظاهر علي جسده كله ، كيف ؟! ) ، وتنهال من جديد الأسئلة علي الرجل / الكتلة ، تستوضحه ، تحاول أن تستنطقه ليتكلم ، لكنه يرفض أن يفصح ، فقط ، الصمت وحده هو الجواب ! تلح عليه الأسئلة ، بفضول وإصرار لا ينقطع ، والرجل يحتمي بصمته الملغز ، ( ... وتداخلت رغبته في الإفضاء ، كما يتداخل حيوان القواقع إلي عمق القوقع كلما شعر بلمسة الأصبع ) ، الجملة الوحيدة التي تفوه بها ، بعد أن عرف أن من بين محدثيه طبيبان وينشدون مصلحته ، كانت في شكل سؤال باهت ، واهن ، وربما بلا معني حقيقي أيضا : ( هل سأموت ؟! ) !!! فجأة أنفجر فيه حمزة – أحد الأطباء – غاضبا ومؤنبا إياه علي هذا الموقف " الطفولي " الذي لا معني له بالمرة : ( معتقل سياسي أليس كذلك ؟ ) ، فلماذا هذا التشبث بالصمت ، ( أخائف هو علي نفسه ، وماذا يمكن أن يحدث له أسوأ من هذا الذي حدث له والذي جاءوا به إلي هنا بسببه ، وهو علي تلك الحال القريبة من صدمة الموت ؟! ) ! ، بالطبع ، ومن المنطقي تماما أن تكون مثل هذه المواقف مرفوضة ، كممارسة ، داخل المعتقل ، فالمعتقل السياسي لابد أن يتحلي بالصلابة والتماسك والفهم الصحيح لعلة وجوده في السجن ، ثم يعي ويقاتل ، مع الآخرين ، في سبيل توفير شروط حياة أفضل داخل جدران السجن ، وبهذا وحده ، تنمو وتكبر رغبته في الحياة ، وفي أفئدة المعتقلين ، وتكبر ، بالتالي ، آمالهم وأشواقهم في الخروج يوما ما من المعتقل إلي الحياة وإلي المجتمع الذي من أجل تقدمه أصبحوا هم داخل هذه الأسوار . هكذا ، أضاء غضب حمزة ، الطبيب المعتقل سياسيا ، موقفا نضاليا وسياسيا متكاملا ، مفصحا عنه في اللحظة نفسها التي بدأ يستنكر فيها علي النزيل صمته غير المجدي ، الصمت العاجز عن الإفصاح والإبانة ! ولكن ، فجأة ، تنطلق شفتاه المرتخيتان الواهنتان فيشرع ليقول شيئا عن ما جري له: ( أوحش شئ علي وجه الأرض ، حدث لي ما لم يحدث لبشر ! ) !! إنفتحت الأفواه متسعة في وجوم تام ودهشة ملتاعة و... ألم أيضا ، أتسعت منهم حدقات العيون مندهشة ، مترقبة بفضول حاد ، لقد سبق وخبروا : ( كل ما يمكن أن يخطر علي البال ، من تهم ومتهمين وأسباب إعتقال وتعذيب ومعذبين ، النفخ والضرب وكي نصف البطن الأسفل ، وكل شئ ، ولم تبق وسيلة لم نعرفها أو يأت لها ذكر ، وكل منهم ، مثل هذا القادم ، يعتقد أنه الوحيد الذي حدث له هذا أو مارسوا معه ذلك ، ماذا يمكن أن يكون قد وقع له ؟!
- أوحش شئ علي ظهر الأرض !
* ماذا فعلوا ؟!
- نمت مع نملة !
و ... إنفجرنا ضاحكين !
فلم يكن الموقف ، بهذه الصورة ، يستدعي أكثر من الضحك ، وشر البلية ما يضحك ! لكن الرجل لا يبدو مختل العقل ، وإن كان واضحا أنه في طريقه لإختلال عقله ! وبوجه جاد صارم يحمل كل ما في هذا العالم من ندم يقولها : ( نام مع نملة ! ) .
تركوه في ذهوله وباتوا هم علي دهشتهم التي لم تنكمش ! وفي الصباح وجدوه كما هو ( لا يزال علي نفس جلسته وقرفصته وإنكماشه علي نفسه ) ، ولم تكن تبدو عليه سيماء المعتقلين السياسين ، نعم ، لديهم سمات وملامح تدل وتؤشر عليهم ، رزانة وضاحة ووقار وسمت باهر ، أما صاحبنا فقد ( كان له شارب أصفر وغزير ومتهدل علي شفته العليا يكاد يلامس السفلي . وجهه خشن ، لابد من كثرة مزاولته عمله خارج المكاتب والمنازل ، حيث الريح والتراب ولفح الشمس ، وفي الحقيقة ، لم نفاجأ حين قال لنا أنه عمدة ! ) ، ياللمفاجأة ، ويا لسخرية الأنظمة بالناس والشعوب ، ( عمدة ومعتقل سياسي ، جديدة جدا هذه المرة ، والنكتة أن يكون عمدة متهما بالعمل السياسي )!! بالطبع ، قد يحدث أن تكون المعارضة متعددة الأوجه ، مختلفة المنطلقات الفكرية وغير الفكرية بأكثر من وجه وبأكثر من وسيلة وطريقة ، ولكنها ، كلها تجابه بالأداة الوحيدة التي تتقنها السلطة : القمع ! والقمع ، لا محالة ، يقود إلي السجن ، و ... للتعذيب فيطال المثقف والعامل والطالب ، والعمدة أيضا !
( في الليلة التالية ، ساءت حاله وإرتفعت درجة حرارته فأصبحت 140 ، وبدأ وارم الوجه ، مختنق السحنة ، كأنما سينفجر بعد قليل ! لم يكن هنالك بد من أن يفضفض ، ذلك العمدة المعتقل عن نفسه وإلا حدث له فعلا ذلك الذي وصفه بأنه أوحش ما في الدنيا ، ومات ، إذا لم يخرج ما بداخله ، تنفيسا عما أختزن فيه ، فأن هذا سيعجل ، لا محالة بموته الذي يبدو مؤجلا بعض الشئ الآن ) ، فكان لابد له من الإفصاح والتحدث بما جري معه  ، فشرع يتكلم ، ويا لهول ما تحث به :
( بعد يوم شاق من تكسير البازلت وحمله بالمقاطف والسير به نصف كيلو ، منذ السابعة صباحا ، والصخر فوق أكتافنا والرمل في عيوننا وأفواهنا ، وأقدامنا العارية ينغرس فيها الشوك والزلط والمسامير ، وجلسنا آخر النهار ، قبل طابور العودة لنستريح ، وكانوا ثلاثة ضباط ، أحدهم هذا الخسيس يونس ، ناداني :
- أفندم !
* روح هات نملة من هناك ، وأشار إلي كومة تراب قريبة !
- ماذا ؟ أجيب !
* نملة ، ألا تعرف النمل يا أبن ال ... ؟ صائحا !
- سكت !
إتسعت دائرة الإندهاش لديه ، لم يستطيع ذهنه المكدود المرهق أن يستوعب ذلك الأمر الصارم المجنون ، أيكون جادا فيما يقول ، أم هي مزحة مستحيلة كالمزح التي تحدث كثيرا داخل تلك الجدران المعتمة ؟ وإستسلم للدهشة تلف كل كيانه وتسلمه للذهول والإنتظار لما سيجئ ...
هب مرة أخري :
* تعرف النملة ولا لأ !!
- قلت بتسليم : أعرفها !
* قال وهو يلتفت إلي زميله : روح هات نملة !!
وبالطبع لم يحاول زميل الضابط أن ينطق أو يعلق بشئ ، فضل أن يقف علي الحياد البارد ، أو بالأحري فضل أن يقف
لا مباليا بما يحدث لأنه ، في داخله ، يفضل أن يكون إلي جانب ذلك الأمر الغريب ، فقد أصاب تلك النفوس العطب ، وتعطلت لدي الكثيرين منهم رعشة الضمير التي تصاحب الإنسان عادة في المواقف الطبيعية . فذهب المعتقل إلي حيث أشار الضابط ، وتفرس طويلا في كومة الرمل حتي وقعت عينيه علي نملة كبيرة ، إلتقطها بحذر وأمسكها داخل يده ، وعاد بها إلي يونس بحري :
* وريني ..
فتحت يدي ، رأها وقال :
* ولازم تجيبها بالشكل ده يا أبن ال ... !
عضضت علي شفتي السفلي وسكت !  بنظرة من أسفل إلي أعلي رمقني وقال :
* دي أيه ؟
قلت ببراءة ما بعدها براءة :
- نملة يا بيه ...
قال : ...
وهنا تصل المهزلة / المحنة إلي ذروتها ، تنكسر معقولية المنطق ، وعقلانية الأشياء ، تتلاشي موضوعية الوجود الإنساني ، ويسود المنطق الشاذ و ... ( خيل إلي أنني حقيقة لم أسمع ، فقد كان الطلب الذي طلبه غريبا جدا ، غير معقول بالمرة ، سألته :
* أفندم ؟!
- قال : أخلع هدومك !
ولأن الأمر غريب وشاذ ، والإنصياع إليه مذلة ما بعدها مذلة ، ولأن الإدارة في العادة تتوقع معارضة لأوامرها غير المعقولة كهذا الأمر ، ولأن المعارضة قد تتعالي فتتنامي حتي لتبلغ أحيانا حد الموت والشهادة من أجل تسجيل موقف سياسي للتاريخ لاغير ، فقد أعدت سلطات السجن عدتها للمعركة ، والسجان متأهب لتحطيم تلك الروح السوية داخل الإنسان المعتقل ... ، ( أشار لحامل الكرباج وزميله حامل الشومة ، رفت يدي مستسلما قائلا : " حاضر يا بيه ، أخلع هدومي " ، ولكنني ترددت ، نظرت حولي بركن عين ، طابورنا المنكود الحظ قابع كصفين من ذباب أنهكه الكدح والزق والزجر ، في دائرة واسعة رهيبة ، يلتف حوله سور من عساكر يحملون الأسلحة الأتوماتيكية بكافة ألوانها وأنواعها ، قريبا منه تناثرت فرقة الضرب تحمل الهراوات والكرابيج والنبابيت والأحزمة والقبضات الحديدية . أنا واقف وحدي ويونس بحري قابع علي كرسيه أمامي ، ولا مفر ) ...
ولانه قد قرر أن يؤجل الصدام بقدر ما يستطيع فقد إنصاع للأوامر ، بلا وعي وبلا إرادة . بدأ الوعي والإرادة في الإنسلاخ عن ذلك الروح التعس ، وساد العبث ذلكم الموقف الرهيب : خلع جلبابه ثم الصديري ، ليصبح بعد برهة خالعا كل ملابسه ، عاريا كما ولدته أمه ، في مواجهة فرقة التفنن في التعذيب ، أو فرقة الضرب كما سماها إدريس !
* خلعت هدومك ؟!
- زي ما أنت شايف يا بيه !
* طيب ( ... ) النملة اللي في أيدك !
كان الطلب شاذا ومستحيلا ، ولا يمكن أن يصدر عن ذات عاقلة ولا حتي مجنونة . ونظر حوله ، فوجد أن ( الكرباج مرفوع فوق رأسي والنبوت يتهيأ للإنقضاض ، ويونس بحري تجمدت نظراته النارية علي هيئة الأمر الذي أمره ، والدنيا ، وسور العساكر ، والطابور والبازلت والجبل والصخر والطريق ، و كل شئ ، سكت وصمت ، وكأمر يستحثني أن ألبي ! ) ...
و ... هنا ، في هذه البرهة المربكة في تصاعد جنونها وعبثها اللامعقول ، تبلغ القصة في تواتر نموها لحظة الحدث المتكامل ، وتحدث – في ذات الوقت – في ترابط وتشابك رائع الوحدة بين أركان الحدث الثلاث : الشخصيات والحوادث والمعني ، ليقود كل هذا البناء المتماسك إلي " شكل " القصة ، وهو ، بالطبع ما يميز العمل الفني عن غيره من الأعمال ...
و ... هكذا ، يبدو أن ( الفلاح الخبيث ) الذي في دواخله سيبدأ ينتفض ، فيريد أن يقلب الموقف الجاد الرهيب رأسا علي عقب ، وإذ يحاول أن يفعل ذلك يأتي باللامعقول أيضا ، وعلي ذات السياق والنسق الذي أراده يونس بحري ، إنها مجرد محاولة علي أية ، وتبدو بلا معني في واقع الأمر ، فيقول :
- بس دي ذكر يا بيه !!
و ... لم يستجب أحد للنكتة ، للمحاولة البائسة لقلب الموقف ، فالنكتة ذاتها يكتمل نجاحها ، وتفعل فعلها إذا إستطاعت أن تتلاءم مع الوضع واللحظة التي يجب أن تنطلق منها ، ولهذا فقد فشلت ، فلم يضحك أحد ، وظل الموقف علي حاله ، صارما جدا ومأساويا أيضا :
* روح هات واحدة نتاية !!
( وكالذي نومه المنوم المغناطيسي إستدرت وقصدت كومة التراب ، وعسست بيدي طبعا ، كان أول ما خطر لي أن أبحث عن نملة أنثي ، ولكن كدت أضحك من نفسي ، لأني إنسقت وراء المشهد فعلا وأخذته جد ، وسألت نفسي : كيف أعثر علي نملة أنثي ، وما الفرق بين النملة الذكر والأنثي ، بل هل توجد نملة أنثي ونملة ذكر ؟! لكنه ، برهة ، وعاد إليه وفتح قبضته علي نفس النملة قائلا :
- ها ها نملة ، أنثي ، يا الله !
* يا الله ماذا ؟!
هنا ، كدوامة إعصار مرعب ، تحرك سور العساكر حتي أطبق علي المعتقلين ، وإنفرجت الأوامر والصيحات والشتائم ، وعلا صوت الكرباج ، وشرعت الأسلحة الفتاكة الرهيبة ، وتوعد يونس بحري بصوته المهول فقال أنه في حال التراخي عن تنفيذ الأوامر سوف ( يضرب تلامذة الإبتدائي ) ، وكان من بين المعتقلين خمسة صبيان صغار لا يتجاوز أكبرهم السادسة عشرة ، فإذا ضربوا يصرخون ، بل يوصوصون ، كالكتاكيت المذعورة ! تشبع الجو كله بالرعب والخوف ، وأطلت برأسها رائحة الدم واللحم ( المفروم ) لتضفي علي المشهد كله رهبته الخشنة ولا إنسانيته ، وجلل الصمت والترقب حواش هذه الصورة للهول الإنساني الذي ساد المشهد برمته :
_ إزاي بس يا بيه أنا في عرضك ، إزااي ؟؟
* زي الناس ! ( هكذا قالها ! ) ...
- زي الناس إزااي ؟!
* زي الناس يا أبن ال ... ويا أبن ال ... و يا أبن ال ... ، ماذا تفعل الناس ؟
- ولكنها تفعلها مع الناس والأناث ، وهذه نملة !!
* ولو ، إعتبرها ناس ، إعتبرها أناث ...
* حاضر ، حااضر يا بيه !
وبدأ فعلا يزاول ما أمر أن يفعله ، وحاول أن يرسم علي وجهه إبتسامة سعادة إمعانا منه في أن يكسب شيئا من الترابط الحميم ، ففي هذا الفعل بالذات لابد أن تنشأ لحظات إنسجام وإندماج تسحب ظلالها ، كلما إزدادت حرارة الفعل ، إلي الآخرين ، ولكنه إنتبه فجأة علي صوت ( نبوت ) يشرخ في الهواء ، وفي ذات الوقت يشرخ ظهرا لأحد التلامذة إلي جواره ، ولما لم تكن حرارة الموقف لم تبلغ الدرجة التي تنال رضا يونس بحري ، لهذا تهشمت عظام أقدام كائن حي ، إنسان صغير ، ثم بدأ يتألم !
* لا تمثل يا أبن الكلب ، إندمج ، أنت الآن خالع ملابسك وهذه أنثي ، نملة مش نملة لا يهم ، هذه أنثي ، إندمج ، وسأراقب وجهك وملامحك ، وأقسم برحمة أمي إن لم أرك تفعل ما قلته سأشرح تلاميذك وأنت وكلكم معه !
كان واضحا أنه يعني ما يقول ، وقادرا علي فعل كل ما ذكره وأكثر منه ، ولن نستطيع كبح رغباته المجنونة تلك ، فلا مفر ، مرة أخري ، من الإنصياع لأوامره ! و ... في هذه اللحظة بالذات تبدأ ذات الإنسان في الإنسحاق الكلي والتلاشي ، وتنفصل الحلقة الأخيرة من حلقات الوعي عن الذات لكي يتحول الإنسان ، تحت نير هذا الذل والعذاب النفسي الذي لا يصدق إلي كومة من اللحم والدمع لا حول ولا قوة ... و :
( جمعت نفسي ، وبأقصي ما أستطيع من قدرة علي أمر النفس فأمرتها ، أحسست أن شيئا ، كشهب الجنوب ، تترآي لعيني ، ومن فرط الإنضغاط بدأ العقل في مخي يطقطق ، مجنون آمر وأمر مجنون ، ولابد أن أستجيب ، ومجنونا لابد أن أصبح لكي أستجيب . أنا فعلا رجل ضخم وهذه نملة ، وبكل كياني علي أن أصغر نفسي وإستحيل من إنسان إلي حشرة ، إلي نملة ، إلي ذكر نمل ، تستثيرني أنثاي النملة !  وأحسست التهديد يحوم حول التلامذة الصغر وحول الطابور ، أتصاغر وأتصاغر ويكسوني العرق وتطقطق عظامي وتتدشدش ، ولابد أن تصبح كفي في حجم ساق النملة ، وساق النملة لا يكاد يري ، ولابد أن أهوي ، بوعيي وإرادتي علي كفي ولحمي وعظمي ورأسي وبطني وساقي وعنقي ، وأدق وأصغر كي إستحيل ذكر نملة ، أفرز هرموناته ، وأجعلها ، بالقوة القاهرة ، تستجيب لهرمونات أنثاي القابعة مستسلمة في يدي ، هكذا رأيتها ، بألف عين دقيقة تكونت لي ، وقد إستجابت وكفت عن الحركة ووقفت وأضجعت !! )

إكتملت دائرة العذاب ، وبدأت الذات الإنسانية داخله في التحول إلي إلي حشرة ، ذات الموقف الذي جعل من إنسان كافكا يتحول ، في لحظة يأس مريع ، إلي حشرة ، إلي صرصار ، فينسحق كليا ثم ينهزم فيفقد إنسانيته حد العدم ، فيموت ، تماما مثلما في قصته العظيمة " المسخ " ! لم يستطيع ، ولو لبرهة خاطفة ، أن يكف عن الفعل ، وقد بدأ جسده ، من أعماق دواخله ، يتصاغر ويتضاءل ليصبح نملة ، ويستمر نملة ، ويعيش ويحب ويزاول الحب ، نملة ، فإنهزم ، تراجعت عنه إنسانيته ثم غادرته ، منسحبة من جسده ، فينهار و ( يعترف ) بما أرادوا له أن يعترف به ، يفقد وعيه ، ويسقط !
قالوا له ، من بعد ، أنهم قد حملوه حملا إلي الليمان ، وأنهم خافوا من صراخه أثناء الليل ، وإستجاروا من عضه وتمزيقه لملابسهم وملابسه نفسها ، وحملوه إلي مستشفي سجن مصر ، ومن هناك إلي المعتقل التي تدور هذه القصة بين جدرانه الصماء !  ثم ، تمضي بنا القصة نحو خاتمتها الرائعة ، هكذا : ( ... ولأنه لا أبشع من السجن لدي المنتظرين المحاكمة سوي كلمة إعتراف ، فقد وقفنا علي أطراف تحفزنا ، أنا وحمزة ، نسأله : بماذا إعترف ، ولماذا إعترف ؟ قال وهو يشيح بيده : وأنا تحت العذاب ، في منتصف الساعة بين كوني نملة ، وكوني ذكر نملة ، إنكسرت إرادتي ولم إحتمل ، وقلت ما عندي بأمل أن يتوقف أمر يونس بحري ، وأن يكف العذاب . ورغم ( الإعتراف ) لم يوقف المجرم الأمر ، وحتي لو كان أوقفه فأنا نفسي كنت غير قادر ، لحظتها ، أن أوقف عذاب التحول ، إرادة أن أكون بشرا أفلتت وصارت لي إرادة نملة لا تقوي أبدا علي الكتمان ) ... ، و ... ( رغم إعادته للمستشفي فقد سمعنا أن حرارته ظلت 41 طوال الليل ، ورغم جسده الضخم ، في الصباح التالي ، مات !! ) .

الخاتمة :
--------

( الناس نيام ،
  فإذا ماتوا إنتبهوا ...
  كانت أقفية مدبوغة – بالصمغ -
  وكان الرأس حذاء للأقدام !
  لو أفلت صوت الموتي من بوابتنا الليلية
  لعرفنا كيف نموت معتدلي القامة ! ) ...
                                               - محمد عفيفي مطر : رفع القمع عن فراشة الدمع -

لعله من سوء طالع شباب هذه الأمة ، أنه يشهد في مطلع الألفية الثالثة ، أن القمع كممارسة قد تحول إلي ظاهرة عامة في الحياة العربية بلا إستثناء ، ظاهرة ، لكن لها صفة الديمومة والشمول والإتساع ، هذا علي مستوي واقعنا الراهن ، أما في مجالات الرواية والقصة والشعر والفنون جميعها ، نجد أن عشرات الكتاب والفنانين والشعراء يدخلون ساحة المواجهة بشكل مباشر أحيانا ، ويتصدون لآلة القمع الرهيبة ويعبروا ، بإدواتهم الإبداعية ، عن تجربة السجن والتعذيب والقمع ، أكثر من هذا وأبعد مدي ، عاشوا الإرهاب وخشونة المطاردة والحصار ، فأصبحت مثل هذه الكتابات نوع أدبي جديد وظاهرة روائية إبداعية في مجالات الإبداع كافة . هذا النوع الأدبي الجديد أخذ في النمو والإتساع حد تشكل في ملامح وسمات فنية راقية علي المستويين ، مضمونا وشكلا ، فيصبح ، والحال كذلك ، نص حكائي مفتوح ومواز للواقع أو هو يدور حوله ، وفيه ما فيه من سمات الإبداع ولحظاتها المدهشات حد الغرابة أحيانا ! أما القصص القصيرة التي تتناول هذا الواقع ، واقع السجن نعني ، فنجدها تسعي وراء اليومي ، التفصيلي والتسجيلي الحي ، من يوميات السجن ، شيئا ما أشبه بالوثائق المختصرة المركزة ، التي تطمح أن تصل لشكل إبداعي جديد ومؤثر من خلال العملية الإبداعية للخلق الفني ، إنها من جزء من جسد الحياة نفسها دما ولحما ، تأخذ شكل القصة القصيرة ، هذه التجربة تأخذ لها في مسارها منحا دراميا مكثفا ، حيث نجد أن المعتقل السياسي هو ذاته ، في نفسه ، الحدث في حالة الفعل والحركة ، أنه الحياة ذاتها في صخبها وعنفوانها ، في ذروة إحتدام صراعها بين حدود مكوناتها ، ولكن في مكان وحيز ضيق جدا حيث يسود القمع الأسود ليحيل طاقة الحياة والفعل والإرادة إلي صعوبة حقيقية تقف علي شرفة المستحيل ! إنها لحظات المواجهة الرهيبة : الضحية في مواجهة الجلاد ، أما الزمن فهو زمن داخلي ، تتداخل " داخليته " هذه مع الذاتي والموضوعي والعام ، فيتداخلوا جميعهم ليختلطوا معا ، فيصبح الزمن بعيدا عن زمان الناس العادي ، بعيدا ، أيضا ، عن عاديات مجري يوميات حياتهم ، يفارق عقارب الساعة وروزنامة الوقت المعروفة في الناس ، ليصبح زمنا خاصا يطلع وينبثق من التجربة الخاصة ، وفي الحيز المكاني الضيق ، ويحاول – في ذات الوقت – وبقدر ما لديه من إتساع المعرفة والتجربة ، أن يكون مرتبطا بالخيوط العامة وبالقضايا العامة للجماهير . ولعله ، لهذا السبب بالذات ، نجد أن ملامح القصة القصيرة هنا ، في هذا الحقل الدلالي لتجارب السجن ، تأخذ شكل التوثيق المعلوماتي المكثف جدا ، أو قد تجدها ، في ذات زمنها ، تتخذ لها لبوسا خاصة فتبدو كما المرافعات القانونية ، فتجد لها بعضا من الأدلة الدامغة والبراهين ، ولكنه ، يظل زمنا وثيق الصلة والترابطات بالتداعيات والمشاعر الداخلية الخاصة والعامة للمعتقل السياسي ، والحال كذلك ، فهو يصبح أيضا ( زمنا نسبيا ) علي أية حال !
وفي هذا المنحي ، لابد أن تتطابق رؤية الكاتب الداخلية للتطور الاجتماعي مع المسار الموضوعي للتاريخ والتطور الاجتماعي علي حد سواء ، وبالطبع ، لا يكفي هنا أن يكشف الفعل الإبداعي عن المدي الذي يمكن أن يصل إليه تشويه الإنسان وإهدار كرامته والحط من شأنه الآدمي ، لا يكفي أيضا ، أن يعري تلك القسوة الإنسانية ، غير السوية التي هي ، في الأساس ، جاءت نتيجة لعلاقات إجتماعية شاذة ، بل الأكثر أهمية هنا ، هو ضرورة السعي الجسور لتحرير الإنسان من كل صور ومظاهر الإستعباد الروحي والمادي . وأول ما يجب معرفته هو أنه لكي يصبح الإنسان سيدا لمصيره لابد له أن يناضل من أجل حريته هو بالأساس ، فالحرية هي ، إذن القضية المركزية ، وهي نفسها القضية ذات الأهمية القصوي في القصة القصيرة التي تتناول السجن كموضوع وكشكل ومضمون قصصي ، قصيرة كانت ، أو حتي روائية ! إنها بهذا الفهم تلتجئ إلي ركن بالغ الأهمية في معمار الإبداع كله علي إتساع مداه وتنوعه . فالأنظمة ، أيا ما كانت ، تلجأ إلي التعذيب لأنه في قناعاتهم يشكل جدوي فاعلة وضرورة لحماية النظام وسلامته وبقاؤه ، فهم يعذبون لإنتزاع المعلومات وتدمير الوعي وتحطيم الإرادة الإنسانية عبر زرع الرعب في قلوب الناس وأفئدتهم ! أنهم يسعون ، السعي كله ، إلي تدمير الإنسان من الداخل ، بهدف تدمير وتشويه جوهره لأجل قتل الذات الأكثر حياة ونبضا في الإنسان ! أن الوضع الإنساني يكون أكثر وضوحا حين تسقط الأقنعة ويتوالي سقوطها وقت الأزمات ، خاصة إذا كان الموت يحوم حولك ، محلقا فوق رأسك ، يتبعك كالظل ، ويتبول ، كالكلب ، علي رجليك !
لقد بدأ هذا المفهوم يتنامي حول ( قصة السجن القصيرة ) إذا جاز لنا أن نضع لها مثل هذا العنوان ، فقد تنامي إلي الحد الذي شكل ملامحها الدرامية وطبعها بطابعها المتميز الواضح ، فأصبحت سماتها وفنياتها وكل ملامحها محسوبة ومعلومة في عوالم القصة القصيرة ، فقد كسرت شكلها التقليدي ونسقها المتعارف عليه ، وأقامت عمارتها علي الأنقاض ذاتها ، فبدت وكأنها قد تجاوزت المفاهيم والرؤي والأطر الكلاسيكية كلها في حقول القصة والحكاية القصيرة التي إعتمدت ، في الأساس ، أن تتصالح مع المألوف ومع نمط العلاقات والمفاهيم الأخلاقية والسياسية السائدة ، أنه ، إذن ، طرح جديد في الرؤيا ، وفي المعني واللغة والدلالة معا . وهو ، بهذه السمات والملامح كلها ، يدخل في إطار التجارب الحقيقية لجوهر الحياة نفسها ، ولجوهر الإبداع أيضا !
ولكن ، دعونا ندلف معا ، إلي هذا البهو الجميل فنتعرف سويا علي أهم ملامحه في مجال النظر والمقارنة والمقاربة بين القصتين ، فماذا نستطيع أن نري ؟
* القصتان ، كليهما يتوجهان إلي حيث ساحل الحرية الإنسانية في إطلاقها ، ويتوسلان الطريق لبلوغها شتي الوسائل والأساليب والمعالجات الإبداعية . أنه ذري جليلة ونبيلة تطمح كل منهما أن تطال منها قمتها السامقة ورؤاها وأبعادها الإنسانية كلها . هو سعي محموم يكاد لا يفتر صوب آدمية الإنسان وكبرياؤه ومكامن العزة والنخوة فيه . وهو ، وفق هذا المنظور ، توجه كامل إلي قيمة سامية في الحياة البشرية تنشدها القصتان فتبلغان منه قمته العالية ، وهما ، بهذه الصفة ، يدخلان إلي رحاب التجربة الإبداعية الجديدة في رؤاها ولغتها ومعانيها ، توجه بالغ الثراء والقيمة للقصة القصيرة .
* في قصة العجيلي نري النزيل/ المعتقل يدخل عالم السجن لأول مرة ، ويدخله بلا مبرر أخلاقي أو سياسي أو حتي ثقافي ، فقد وجد نفسه ، هكذا ، في داخل السجن ووسط المعتقلين السياسيين ، دخله بلا مبرر معقول وبلا منطق موضوعي ولا حيثيات قانونية من أي شكل ! ولكننا نستطيع ، بعد القراءة طبعا ، أن نقول أنه قد دخل السجن وعاش تجربته كاملة تحت وطأة قانون إستثنائي يطلق يد السلطة وأجهزتها الأمنية فتحجر علي حريات الناس وتخنق وتحاصر حياتهم بالقمع والعسف والظلم والقهر ، تسعي لتقتل فيهم الحياة وفعالية الحركة والنضال ، ولا يستطيع أن يردعها أو يفل من يدها قانون أو بشر ، فهم ، علي غالبيتهم ، يفتقدون الأيدولوجيا الثورية والوعي الإجتماعي الذي يطلق إرادة الإنسان الجبارة من دواخله فيجعلها في مقارعة الجبروت وسطوة الدولة وطغيانها !
* أما في قصة ( الرجل والنملة ) فإن يوسف إدريس يجعل من دخول السجن وعوالمه يجد تبريره ومنطقه في حياة المعتقل نفسه بكل ملابساتها ، فهو مناضل لأجل الحرية الإنسانية المتحضرة حيث يكون الشعار السياسي معادلا موضوعيا للحياة الشخصية للإنسان .   الجو العام للقصة مفعم بالوعي لحقائق الحياة ومتمسكا بثورية ونقاء العلاقات بين الناس ، وفي نفس الوقت ، هو تسجيل واقعي حي لمواقف تشمخ ، وإن بكبرياء جريحة ، لتشكل ملامح الحقبة التاريخية للإنسانية ، وتؤشر – بعمق الدلالات الإنسانية نفسها ، لمستقبل الإنسان وضرورة تطوره في وجهة المستقبل الأجمل والأفضل في كل العصور .
* وفي شأن التعذيب داخل السجن ، نجد " نزيل " قصة العجيلي يعجز تماما أن يجد له مبررا مقنعا ، حتي لذاته ، وللآخرين من حوله حول مسببات دخوله السجن . هذه التجربة الرهيبة ، شديدة الوعورة والقسوة علي نفسه ، التي وجد نفسه في معمعانها ! حتي ليكاد أن يتحطم إذ يحاول أن يفهم ، كيف لهم أن يعذبونه ويعرضونه لهذا الهول الذي يتعرض له ، بخشونة وغلظة ، ، فلا يكاد يفهم أيضا ، لماذا هم يفعلون به كل هذا العذاب ؟ فيزداد تمزقا وتزداد عليه حيرته وهواجسه ، فتشتت منه ذاته كلها وتتفتت علي مساحات واسعة من نفسه ، من روحه ومن جسده علي حد سواء ، فيغدو كالخرقة البالية ويفقد توازنه الإنساني والأخلاقي ، ويغدو ، عند تلك البعثرة كلها لذاته ، معدا تماما لأن يصبح ، هو نفسه ، مؤشرا لإخفاقات وإحباطات ومذلات وإستكانة تقعد به مستسلما تحت ظل شجرة الجلاد ، إنسان مشوه ، كئيب الرؤي وخانع ، حتي ما تبقي منه ، لأطروحات السلطة وقمعها !
* أما في ( الرجل والنملة ) فالمعتقل يعي تماما لماذا جئ به إلي السجن ، ويدرك ، بوعي كامل ، أن ملابسات إعتقاله وسجنه هي من توجيهات السلطة وممارساتها المستمرة ضد معارضيها ، ثم يدرك ، والحال كذلك ، أن مثل تلك الإجراءات القمعية يمكن أن تطاله وآخرين كثر غيره ، فتقودهم إلي السجن القاسي وويلاته ، فتلك من سمات السلطات الديكتاتورية التي تمتهن القمع والإنتهاكات والقسوة في مواجهة معارضيها ، أيا ما كانت تلك المعارضة !
* وبسبب من هذا الفهم ، نجد أن المعتقل في ( الرجل والنملة ) كان يدرك أسباب ومبررات إعتقاله ، وقد أمده هذا الفهم قوة وتماسكا وقدرة ، نسبية ، علي المقاومة والصمود والتحدي ، أنه رجل إيجابي في تفكيره وفي رؤاه وفلسفته في الحياة والناس ، ويبدو أنه لهذا الموقف بالذات منه ، تم إخضاعه لتلك التجربة الرهيبة لتعذيبه وكسر شوكته ، لقد ظل يصمد ، وله شرف المحاولة علي أية حال ، أن يتحدي جلاديه ويعلن فيهم عدالة قضيته ، ولهذا إنصب الحقد والشراسة عليه ، حتي غدت آلة القهر كبيرة وباطشة فتجاوزت وتخطت قدراته الإنسانية في دواخله ، فيبدأ الإنسان فيه في التراخي والإنسحاق والتلاشي ، الآلة الشيطانية المرعبة تشرع تفعل فعلها في دواخله الإنسانية ، وتفل من قدراته الفذة علي التحمل فتدمي دواخله وتشوه عنه ذهنه ، حد أن تضمحل وتذبل منه رؤاه الجليلة تلك !  فيبدأ زمن التلاشي للذات ، فيغدو إنسانا مسلوب الإرادة ، محطما ، ذرئ الملامح والسمات ، قد تحول ، جراء هول التعذيب ورعبه ، إلي مسخ مشوه برسم سلطة القمع وصولجانها ، أصبح ، بعد تحولات التعذيب ، إلي شئ يشبه نفايات التاريخ ، ذرئ ومتباعد وملفوظ بإتجاه القذارة والسقوط!
* في نظم السجون ، أي سجون ، لوائح وأوامر وتوجيهات مكتوبة ومستقرة كما صيرورة الأيام ، وأخري متداولة دون أن تكون مكتوبة حد أن أصبحت كالمسلمات جراء تداولها وتواترها . في قصة ( بقعة الضوء ) نجد بعضا من تفاصيل يوميات السجن ، لكنها ، في واقع الأمر ، نجدها تجافي وقائع ما يجري في عوالم السجن ، فالعجيلي ، كما يبدو لي ، لم يعايش شخصيا تجربة الإعتقال والسجن ، ولم يتعرف عليها جيدا من خلال تراكم خبرات القراءات . فظلت إشاراته وتناوله نفسه بعيدة عن واقع الحال الذي يجري في السجون العربية . فالمعتقل هنا يجهل تماما ، وفق ما تؤشر إليه القصة نفسها ، نظم السجن ولوائحه وما ينبغي أن تكون عليه ، وأوامره ونواهيه وعقوباته وتفاصيل الحياة الداخلية لهذا العالم الغريب الذي يعيش الحياة ثم لا يعيشها !
* نلاحظ أيضا أن المعتقل في قصة العجيلي مكسور منهزم ، منكمش علي ذاته كما القنفذ لدي دخوله تجربة السجن ، ثم أنه يبدأ ينحني حد يلامس جبينه الأرض لدي مرور أية ريح وإن لم تبلغ مبلغ العاصفة أمامه ، منحنيا إنحناءة خنوعة مستسلمة ، تكسوها الذلة ويرفدها الهوان ، يتلقي الضربات تنال وتقتص من ذاته وهو قانعا صامتا كالسندان ، تبدأ الشروخ تتسع في دواخله الهينة فتشوه منه أجمل ما عنده ، ذهنه وإرادته وقدرته علي الصمود والتحدي والنضال . وتصبح الدنيا بأكملها نافذة جد صغيرة تنفتح علي قلبه بالذات وتكاد تنغلق عليه فلا يكاد يبصر عبرها إلا ذاته نفسها ودواخله وقد تناوشتها الشروخ والإنكسارات والمذلات ، فيري عبرها كيانه كله مسحوقا كالطحين وقد شتته الرياح حيثما شاءت . أنه يري في تجربته مع السجن ، من الضخامة بحيث لا يقوي علي مقارعتها ومناهضتها ، فيراها ، أحيانا كثيرة ، غولا كبيرا أسودا سيأتي عليه أن لم يتراجع ويخضع فيصون حياته ، ولكن كيف ؟ فمحدودية وعيه وتجاربه في هذا الشأن فقيرة وبعيدة عن إدراكه فجعلته مغيبا تماما عن فهم أبعاد مأساته وملابساتها التي جعل السجن منها تجربة كبيرة ومخيفة تكاد تبتلعه فتنهي حياته بالكامل ، يدفعه هلعه ورعبه وغياب رؤياه إلي البحث ، لا إراديا ، عن طريق يسلكه فينأي به عن تلك الهوة المظلمة ، ولكن هيهات ، فليس لديه من الوعي شيئا ينهضه ليقف و ... يسير !
* إذن ، سيبدأ نزيل ( بقعة الضوء ) في البحث المستمر عن خلاصه الشخصي ، ومن المعلوم أن مثل تلك المسالك تصل بصاحبها إلي درجة التخلي عن القيم الجليلة للإنسان التي يجب أن تكون مصانة ومصاحبة لحياته ، فتفقد حياته ، لدي التخلي عنها ، معناها وجدواها النبيلة ، ليعيش بعدها ، إن عاش ، منهزما مكسور الوجدان ، مشوه الضمير ، مشتت الفكر ، أنه يحيا ، لكنها الحياة التي هي الممات الذليل وإن بدت في الحياة !  لهذا كله نستطيع أن نقول أن المعتقل السياسي في
( بقعة الضوء ) إنسان سلبي ، محدود التجربة ، منهزم ومكسور الروح ومسحوق الإرادة ، تكسرت منه دواخله وماتت أجمل البذور فيها ، أصبح خرقة مهترئة من اللحم والعظم الأدمي لا قيمة لها ولا شأن في الحياة ! غدا ، بالفعل ، أحدي نفايات القمع والقهر وملفوظاتهما القميئة ، فلم يعد إنسانا بعد أن تخلت عنه الحياة و ... عبرته لتتركه في خلاء فج ينتظر أن يأخذه الموت إليه ، تري ، هل يقبل أن يفعلها الموت ؟! وفي نهايته الفاجعة تلك ، تسطع أكبر إنجازات ونجاحات السلطة، فقد أزالت ، عبر أدوات قهرها ، عن إنسان إنسانيته تماما ، فعلت ذلك به وهو بعد محسوبا علي قيد الحياة !
* أما عند إدريس في ( الرجل والنملة ) فنجد المعتقل إنسانا مناضلا ومقاوما ، يدرك أبعاد قضيته ، ويستشعر وطأة تجربتها وقسوتها ، ويحاول أن يجعل من أفعاله موازيا موضوعيا لوجوده في السجن ، فيضحي بقدراته ، جزءا من بعد جزء ، فيستخرج من دواخله أفعال المقاومة والتضحية والصمود ، يضحي بحياته ليضعها في ميزان الإمتحان الرهيب ، فيعلو بفعله وإرادته فوق ظروف وملابسات سجنه القاسية ، فتبدأ تشتعل فيه –وفي من هم حوله – القدرات الإنسانية لمقاومة ومناهضة العسف والظلم والجور والقمع ، يبدأ في إعلاء رايته الخاصة وفقا لتكوينه الفكري والإنساني ، متخذا له أكثر من خندق وأكثر من متراس ، تشرع إرادة البسالة والجسارة تصاحبه ، كما في رحلة جلجامش الرهيبة ، تلك الحياة الإنسانية المناضلة ! ولكن تحت وطأة ظروف السجن الخشنة وشروطه الغليظة القاسية يتبدل منه الحال ، فيضحي – كتلاميذه في مدرجات الجامعة – بكل ما يملكه في حدود وإمكانيات وقدرات شخصيته الإنسانية لأجل إعلاء راية المقاومة والصمود والبقاء علي شرفات الإنسانية وقيمها السامية وشعاراتها وراياتها المقدسة !  قد بلغت تضحيته وقدرته علي التحمل درجات بالغة العمق ، عظيمة الدلالة ، يمكنك تصورها لديه قبل أن يكون في ذلك الهول الشيطاني الذي دبره ، وأتقن تدبيره ، آمر السجن ليفت من عضده ويكسر جذوة روح المقاومة لديه . وعندما تتكاثر عليه ضربات الجلاد وهو تحت نير التعذيب الواحدة بعد الأخري ، حتي تبلغ قدرات تحمله نهايات سقفها ، فيبدأ ، تدريجيا ، يفقد طاقة تحمل هذا العذاب القاسي الفظ ، ولأن قدراته محدودة وهو علي تلك الحال ، في هذا الجحيم المحدود المساحة ، الضيق كثقب إبرة ، فأنه تحت وطأة ضربات آلة التعذيب الجهنمية يبدأ يتكسر شيئا فشيئا ، ويتحطم حد يكاد يسمعها طقطقات تكسير عظامه ، ليعترف لجلاديه بما فعله وما لم يفعله ، حتي ليطال الإعتراف أشخاص معروفون له وثيقي الصلة به قبل دخوله تجربة السجن الرهيبة تلك . ولكن ، أهي مفارقة تصل به إلي حدود المأساة الشخصية ، أم هي مجرد فجيعة شخصية إكتملت كل شروطها فدخلت إليه حياته ووسمتها بميسمها ، أم هي حياة عادية في أحدي وجوه تجلياتها وقد تجلت فيه وإلتصقت بتجربته في حياته الواقعية الراهنة ؟!

و تبقي هناك ، أخيرا ، ملاحظتين نعتقد بأهميتهما :
* نجد أن معتقل ( بقعة الضوء ) ، ومنذ الوهلة الأولي لمفتتح القصة ، تضمه زنزانة واحدة وهو وحيدا فيها ، منذ بداية القصة وحتي خاتمتها التي فيها نهايته هو نفسه . وفي تراث السجن – وبالتأكيد أن للسجن تراثا وأعرافا وسوابق وحيثيات أصبحت لفرط تواترها وتكرارها كمسلمات في عالمه – أن من يكون في الحبس الإنفرادي في زنزانة واحدة وهو فيها بمفرده ، يكون في وضع كهذا بسبب من تصنيفه ، بحسب لوائح السجن وقوانينه ، خطرا علي الآخرين أو هو سياسي تري السلطات أنه يهدد أمنها وسلامتها ، والحال كذلك ، فأما أن يكون سياسيا يؤثر تأثيرا كبيرا علي من هم حوله أو يكون ناشطا سياسيا خارج السجن . وإمعانا في إحكام طوق العزلة حوله ولأجل الحد من تأثيره المتصور علي بقية المعتقلين ، يتحتم أن يكون في في الحبس الإنفرادي في زنزانة لا يشاركه فيها أحد . ونزيل ( بقعة الضوء ) لم يكن يتمتع بأيا من هذه المطلوبات ، فلماذا إذن وضعه العجيلي في هذا الموضع الذي لا تنطبق عليه شروطه ؟ فهو رجل عادي ولم يكن ليشكل خطرا علي الآخرين ولا كان مؤثرا في المجتمع خارج السجن ولا في داخله ، تعجبت أنه قد وضع في غير موضعه وأضفت القصة عليه صفات ليست من سماته الشخصية وتكوينه الفكري . نعتقد أن هذه أحدي " سقطات " القصة التي كادت أن تذهب برؤياها الجليلة التي بدت في بداية القصة . نعتقد أن ذلك بسبب من جهل القاص بحياة السجون من الداخل ، وطموحه في أن يرتقي بنزيله إلي قمة ما كان ليبلغها لولا عدم معرفة العجيلي نفسه بعوالم السجن . سؤال مفتوح في فضاء القصة وفي التجارب الواقعية في حياة الناس نضعه هكذا ، بكل زخمه ومؤشراته ودلالاته أمام القارئ ليتأمله ويتوصل للإجابة بنفسه !
* المعتقل في ( الرجل والنملة ) نجده من أول وهلته ودخوله السجن كمعتقل سياسي متواجدا وسط المعتقلين ومتواصلا معهم ، يؤازر نضالهم ويستمد صموده من صمودهم ، فتتكامل وتتحد الإرادات ليكون الفعل ذو طابع جماعي وقادرا علي تحدي العسف والإنتهاكات داخل السجن  ، هذا التضامن الجماعي هو الذي يؤجج فعل المقاومة في مواجهة القمع والتعذيب الذي يجري علي المعتقلين كيفما أتفق مثلما حدث مع تلاميذ المدارس صغار السن . ومن بؤر فعل المقاومة والصمود نفسها تكتسب تلك الحيوات الإنسانية جدوي الحياة وتبدأ تعيشها وهي تري ضوء المستقبل خلال حجب ظلام السجن وقسوته ، أنه ضوء الحياة يقتحم ظلام السجن فيحيله إلي أمل في غد أفضل في داخل السجن كما في خارجه . المعتقل هنا ، كما رأيناه ، جزء حي من واقع المجتمع ، من أشواقه وآماله وأطواره ، نسيج من رداء الحياة السياسية التي يكسوها ويحاول ، قدر طاقته ، أن يغطي عريها وسوءاتها معا ، وله في كل تلك المواقف شرف المحاولة وبسالة الصمود . نقول بذلك ونحن نعلم أن آلة التعذيب الرهيبة بحوزة سلطة القمع قد نالت منه في نهاية الأمر فإنكسر ! لكنه يبقي مضيئا حتي بعد إنكساره ، إنسان قد عاش حياته بشرف ، ونكاد نقول أن إنكساره نفسه كان فيه شيئا من ذلك الشرف وهو يئن وينكسر تحت لهيب العسف والبطش والتعذيب ، ذلك الإنكسار الذي ، لفرط وحشيته ورعبه ، سجل أيضا إنكسار السلطة نفسها وهزيمتها في مواجهة الجلاد!
قصتان جميلتان ، بمقياس النقد وجمالياته ، وأيضا بالمعطيات اليومية في حياتنا المعاصرة ، المعطيات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية معا . إنهما تؤشران ، كل بطريقتها الخاصة ، إلي الواقع الراهن بخشونته وتعقيداته وخيوطه المتشابكة التي تمسك تفاصيله الواحدة منها بالآخري ، تشده لتوتر العلاقة بينهما فتزيدها سخونة وحيوية دافقة تضاف إلي حيث الجوهر من بؤرتها المتوهجة . لقد سعينا ، منذ مفتتح هذه الكتابة ، لفتح مسارب ضوء ، ضروري وحيوي ، في وجهة هذا " النوع " من الأدب ، حيث يكون الأدب نفسه بعضا كثيرا من جسد الحياة نفسها في راهنها رغما عما فيها من قسوة وقلق وتوتر وصراع وتناقضات لا تحصي ، والتي ، أحيانا ، تكاد تعتم علي شروق الحياة تود تخنقها وتقتل منها جذوتها إن استطاعت ! رأينا ، إذن ، أن نؤشر لكل ذلك ، ومن بعد ، نتوجه – بهذه الكتابة وعبرها – للكتاب والقصاصين والروائيون والمبدعون كافة في شتي ضروب الإبداع والفنون علي تنوعها ، وإلي القراء ، بأن نجعل من قضايا الضمير والحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية ، لتكون هي قضية حياتنا المركزية ، بإعتبار أن واقع العالم الآن ، في الألفية الثالثة من عمر البشرية ، بدأ ينتبه فيتجه صوب هذه القيم الإنسانية مجتمعة ، يعلي من شأنها ويدعم النضال في سبيلها ، فغدت في الصدارة من أجندة عصرنا . ونريد أيضا أن نقول ، أن قضية الحرية والديمقراطية هي ، بلا شك ، قضية عصرنا وعالمنا الأولي التي تستوجب من الشرفاء في العالم قاطبة أن يجعلوا منها قضية أولي وجوهرية في حياتهم ، وأن يجعلوها حلية في إبداعهم ، في الكتابة والآداب والفنون جميعها ، لأجل أن تكون لها الحياة ، ولأجلها ، أيضا ، يكون الممات !
------------------------------------------------------------------------------------------------
الهوامش والمراجع :
1 :
Holbrocr Jakson , Selected Stories guy Manpassant .
2 : المصدر السابق .

3 : Aristotles POETICS , Translated by Ingram Bywater, Oxford 1988 .
4 : " فن القصة القصيرة " : د . رشاد رشدي – مكتبة الأنجلو المصرية .
5 : أرنست فيشر : " ضرورة الفن " .
6 : محمود أمين العالم : " معارك فكرية " – دار الهلال 1965 .
7 : بوعلي ياسين ونبيل سلمان : " الأدب والأيدلوجيا في سوريا 1967/ 1972 " .
8 : عادل أبو شنب : مجلة الأدب العدد التاسع / سبتمبر 1971 .
9 : ( بقعة الضوء " د . عبد السلام العجيلي ، مجلة الدوحة العدد 97 يناير 1984 .
10 : د . غالي شكري : مذكرات ثقافة تحتضر / منشورات دار الطليعة بيروت .
11 : ( الرجل والنملة ) : د . يوسف إدريس / مجلة الدوحة العدد 53 مايو 1980 .


ليست هناك تعليقات: