Powered By Blogger

الاثنين، يوليو 29، 2013

سلاام حلمي سالم ...

                                                                       - حلمي سالم -



حلمي  سالم ، في ذكراه الأولي ...
( 1951 – 2012 )
---------------------
في مثل هذا اليوم ، يوم السبت 28/7/2012 رحل عنا الشاعر المصري الكبير حلمي سالم ،
أحد أبرز وألمع شعراء السبعينيات في مصر والعالم العربي . غزير الأنتاج الشعري ، قصيدته
ذات جنوح وجموع وأختراق حاد للسائد والمألوف ، مغايرة حد التطرف والبريق ، نصه الشعري مسودات صارخة وعالقة – بتشبث حاد – بجسد فنيات قصيدته نفسها ، قصيدته التي لا تشبه غيرها ولا علي منوال معروف . منذ ديوانه الأول " الغربة والأنتظار " في مطلع سبعينيات القرن الماضي ، أبدع سالم أكثر من ثمانية عشر ديوانا ، جرب كثيرا فيها ،
ثم جعلها مسرحا بيرا بهيا لمشروعه الشعري ولرؤياه الفنية للقصيدة . عاش حياة مليئة بالتفرد والجراح والتمرد وتكسير القواعد الثابتة ومشاكسة حراس القديم ، ظل متصالحا مع رؤاه وفكره التقدمي المستنير ، مدافعا عنه بجسارة تحدي بها خصوم التقدم والثورة ...
كان فرحا بثورة 25 يناير التي طالما بشر بها وتغني بها . لربما – رغم مرضه الذي داهمه في القلب والرئة – لم يشأ أن يرحل دون أن يقدم " هديته " للشعب والثورة ، فصدر ديوانه البديع " أرفع رأسك عاليا أخي " .  وإبان مرضه ، كان قد أصدر : " مدائح لجلطة المخ "
و " معجزة التنفس " ، وفيهما يمتدح الموت والحياة معا ، الموت الذي في رفقة الحياة .
كان يكتب وتتسرب دفقات الوجع منه فتزهر وتزهو في قصيدته ، مثلما ورودا تتفتح وتنثر عطرها في بهاء الشعر :
( أتي عوادون من جلطة المخ
  ويأتي عازفو بيانو من عجز كليتي
  ويأتي لاعبو كمنجة من ارتفاع الضغط
   وفي أطراف الأصابع شارات الخسارة ،
   أما أنا فمهمتي كانت
   تجميع الآلات والرئات
   علي كاهل المصابين
   كل رئة ورئتها النازفة
   وأهتف :
   يعيش انسجام الكسيرين ! ) ...



ونحن في ذكراه ،  نقرأ معا قصيدته " أغنية الميدان " ، كانت فرحا بالثورة ، فرحا طلع من قلبه لأجل مصر الثورة ، لأجل الغد الآتي الجميل ويراه ، حلمي سالم : سلااااااام !



أغنية الميدان

ارفع رأسك عالية, أنت المصري
الضارب في جذر الماضي, والعصري
خالق أديان المعمورة, مكتشف الهندسة, ومبتكر الري
صاحب درس التحنيط, ومبتدئ الرقص,
وخلاط القدسية بالبشري
ارفع رأسك عالية, أنت المصري
الصامت صبرا لا إذعانا,
بل تطويل للحبل الشانق كل بغي
لا جرت على جار, لا لوثت مياه النيل, ولا أنكرت نبي
أنت موحد شطرين,
وواصل شطين
وجامع أشلاء فتاك على دلتا النهرين,
ونساج الظلمة بالضي
ارفع رأسك عالية, أنت المصري
المبدع أن الدين لرب الأديان,
وأن الوطن مشاع للناس سويا بسوي
المانع عن بابك أمواج غزاة
فرسا, هكسوسا, أتراكا,
وفرنجة أوروبا, والصهيوني
أنت الواحد في الكل,
وأنت الكل المتلخص في الواحد,
فرد جمعي أو جمع فردي
ارفع رأسك عالية, أنت المصري
زعموا أنك خناع, قناع
فكنست الزعم بمعجزة في الرفض الجذري
تمشي من عصر الشهداء الأقدم,
حتى عصر الشهداء الأحدث
كل شهيد قديس وولي
تعويذة أهل العرب,
وإلهام الشرق,
وقنديل الزمن الجي
ارفع رأسك عالية, أنت المصري
كريم العنصر مضفورا في العنصر,
فكنيس بالمسجد. كهان بشيوخ.
راهبة بالمقرئ, ونسيج وطني
علمت الدنيا أن العسكر ليسوا خصما للصبية,
بل قطع من لحم الصبيان الحي
أنت حكيم القرية, وبتول المدن, رسول حضارات,
شيخ وفتي
ارفع رأسك عالية, أنت المصري
أنت الذروة, وعلو, والعلياء,
وأنت العمق, القاع الغائص, والتحتي
أنت رقيق, راق, رقاق, ورقي
الضارب في جذر الماضي, والعصري
ارفع رأسك عالية, أنت المصري !

 

السبت، يوليو 27، 2013

الشاعرة في تشكيل الرؤي ونسج اللغة ...




* الصور : صورة مريم العطار ونماذج من شعرها ...


إلي مريم العطار في شغلها !
---------------------------

" لا تبتسم فينوس في منزل له دموع ! "
                                         - شكسبير -

الآن ،
بعد أن قرأتها / رأيتها
فعرفتها :
تنسجها خيوطا تجربها
تحاولها
تجمعها
لتصير صورتها الناطقة !
بفم يروعك تعبيره الأليم ...
مشقق بالظمأ ،
كأن لا ماء في الأرض
ولا شأن لها إلا شبقا إليه ،
أيض لأيض !
لهاث طويل يقتات من عمرها ،
لا من وجهها .
ركض خلف الغابة ،
وتهرب منها ...
كدح ناعم حزين
في الشعر
ولا تبوح أبدا بالسر !
فيها عديد الملامح ،
لكن الغواية أعلي
والحزن منها أعلي
والصور – وأن كانت حزينة – في البياض
وأعلي .
والدمع ،
وجع القصيدة ...
أعلي
كدح في زهرة العمر
ونجوي
تصاويرا من الدمع
والماء والتراب ...
لكن نبض القلب أحلي
كدح " صوفي " في الحب
في دغل معتم ،
موغل في الأشواق
أبحار مؤلم في كل دروب العشق
في سمت التوق
وأحلي
حتي تبلغ مرتبة الأشراق ،
الأيقاع الراقص في عمق الجب !
...   ...   ...
أمرأة ترعي الود كثيرا
وتموت كثيرا
لتحيا ثانية في الود
وفي رمضاء الوجد
والولع المجنون
بفتنة " التشخيص " الجواني
والحيرة لا تسفر وجها
للناظر في البعد البراني !
...   ...   ...
لا ... ،
ليست تنفر منك
لكن العشق يلائم ما لست تراه
وهو الصاحب ،
الكائن فيك / إليك !
لكأنها تريد ولا تريد
أن تفضي فتبوح السر
حتي لا تفضحها حين تعريها
زهرات العمر !
مثلما بنت الخياط في الحكاية * :
تجمع في ما بين الود
وألوان الخيط الشتي
فتحيك نسيجا حلوا
موشي بالورد !
...   ...   ...
تكتبها بالعين اليقظي ...
لكن مشرعة أبدا في القلب
تلك قصيدتها ،
غمام من أعلي سماوات الوجد
يمشي بعطر السوسن منها
في الهدب !
-----------------------------------------
* أشارة للحكاية التي كتبها مازن مصطفي في روايته البديعة : " عنقاء المديح المنمق " ، في الفصل الأول بعنوان : " مدائح التمساح ، خرائط البيادقة ، كما قصة العفريت وأبنة الخياط " . الرواية صادرة عن " دار شرقيات " الطبعة الأولي 2011 بالقاهرة حيث يقيم الكاتب الروائي والشاعر السوداني مازن مصطفي .

العفيف : هل يموت من كان يحيا كأن الحياة أبد ؟

                                                                  - العفيف الأخضر -



الآن ،
الآن فقط تأكد لي موته ! فقد كنت ، ما أن سمعت خبرا عن أنتحاره ، قد نشرت هنا ، مفجوعا ، أتسأل : " العفيف الأخضر ، هل حقا أنتحر ؟ " ، لم يجيبني أحد هنا ، وصمت " الحوار " ، سارعت فنشرته هناك أيضا ، ثم أرسلت تساؤلي نفسه لصديقي د . محمد محمود في باريس ، فجاءني رده لا يؤكد ولا ينفي ، وفكرت في مخاطبة أدارة " الحوار " لأعيد تساؤلي ، والعفيف من ألمع كتابها وذو قاعدة قراء هي الأوسع والأكثر وعيا ... وأنا في حيرتي جاءني نعي " الحوار " هذا الصباح ، و لأنه - عندي - الخبر الأكيد ، أعيد نشره هنا ، فقد مات إذن العفيف الحبيب :

لقد كان مفكرا جسورا ...
لكأن قلبه في عقله ،
ويقود خطاه !
ياله من رجل شجاع
حين كانوا يتلون عليه أحكام موته
لم يخف أبتسامته ،
وظل في التفكير وفي الكتابة ،
أبدا لم يخف !
هل في الكتابة خطيئة ؟
يقولون أنها ملحدة ...
فماذا يعني ذلك ،
هل يعني موته ؟
آآآه أيتها الأفاعي ...
ها هي ازهار تتفتح
لترافقك وأنت ميت !
لقد كنا خطاة أيضا ...
فقد أحترفنا الصمت ،
كنا أمواتا ،
وحدك كنت حيا حين نطقت !
العالم الآن يقترب منك :
الحجارة ، الماء ، الهواء ...
ونفهم أننا كنا عميان
أعف عنا ،
فسنري ...
فالصمت ثقيل ثقيل ،
ويكبر ...
مثل سقف من بنفسج !
حتي الحلم يغدو جميلا في غيابك ...
خطاة نحن يارفيقي ،
وملعونون .
لكننا أحببناك ،
مثخنون بجراح الحب ،
ولا تندمل ...
ويولد فينا من يموت متألما
نعرف أننا كنا عميان !

لن نتركك للموت
يا من كنت أقلنا ذنبا ،
وأوسعنا فكرة .
ستأتي كما القديس ،
من ماس وماء أسود
وعلي مقربة زهرة ناعمة ،
زهرة كتابتك اليانعة .
ولأنك نبيل ومتواضع ،
ولكي لا يراك أحد ...
ستأتي عند الفجر
في الفجر البارد
حين تلتمع علي السماء المظلمة
حقول الليمون
ويظهر الشفق في الأمواج
كمراكب من الحرير والزجاج
سترانا ...
ونراك !
لسنا الآن عميانا
حين نقول إليك :
وداعا أيها العفيف ...
وداعا يا حبيب !
-----------------------------------

وهذا نص نعي " الحوار " ، الذي أكد لي ، هذا الصباح ، واقعة موته !
 
ننعي المفكر الكبير العفيف الأخضر....هوت كوكبة ساطعة و لكن سماءنا لا تزال مليئة بالنجوم
ننعي المفكر الكبير العفيف الأخضر....
هوت كوكبة ساطعة و لكن سماءنا لا تزال مليئة بالنجوم

رحل المفكر والمناضل الكبير العفيف الأخضر احد ابرز واهم كتاب مؤسسة الحوار المتمدن. غادرنا المتمرد العفيف بعد أن القى كلامه و أشعل القناديل في مسيرتنا الكفاحية لمواجهة قوى الارتداد و الظلامية والرجعية، بغض النظر ان اختلفنا أو اتفقنا في هذا القضية أو تلك. العفيف الأخضر غادرنا بجسده، و بقي خالدا بأفكاره و تطلعاته الإنسانية والتحررية، و أحلامه في تحقيق غد الحرية والمساواة و الكرامة لمجتمعاتنا المبتلاة بكائنات الظلام و الشر و العدوان بكافة أشكالها.

سنبقى نسير على دربه لأنه دربنا .. درب المساواة و العدالة الاجتماعية والعلمانية و الحداثة و الحرية والحقوق والرفاه ..... درب التحرر و حرية المرأة و حرياتها و حقوقها . كل
كلمة نراها بصيص أمل و حافزا للعمل و النضال في هذه الطريق الصعبة و في هذا النفق المظلم.

رحل العفيف فهوت النجمة الأكثر لمعانا .. النجمة التي كانت تستحيل إلى نجمات و قناديل، و لإكرام فقيدنا الغالي لا بد لنا من أن لا ندع حراس بوابات كهوف الظلام و الجحيم أن يهنأوا برحيله لحظة و ذلك بالصمود والاستمرار في دربه المجيد، و مسيرة الكفاح بلا هوادة لتحقيق اليوم الموعود .. نعم هوت كوكبة متمردة ساطعة عنيدة ، ألا أن سماءنا مليئة بالنجوم.

الموقع الفرعي للراحل العفيف الاخضر في الحوار المتمدن:
http://www.ahewar.org/m.asp?i=37


( هيئة ادارة الحوار المتمدن )








الجمعة، يوليو 26، 2013

سقوط المثقف ، نهوض الجلاد !



الجلاد يكرم الضحية  ، حول مهزلة  " تكريم " إبراهيم أسحق ...

--------------------------------



" ليس الإنساني هو من يشفق فقط علي الضحية البائسة ، ويتحسر علي ان القتل يوجد علي الأرض ... ، وإنما الإنساني هو من يساعد علي إبعاد يد القاتل ، وإنتزاع إمكانية الإضرار من أرادته " !
- شولوخوف -

1 :
إبراهيم أسحق إبراهيم ، أحد أبرز الوجوه في القصة والرواية في السودان . ولد بقرية
" ودعة " في محلية " كلمندو " بولادة شمال دارفور العام 1946 . هو إذن من أهل دارفور في غرب السودان ، ذلك الأقليم التعيس الذي تقصفه الآن طائرات النظام الحاكم بصورة وحشية ومنتظمة فتشرد الآلاف منهم في الشتات والمسغبة ، نفس هذا النظام الديكتاتوري الدموي هو الذي قضي بانقلاب عسكري علي الديمقراطية العام 1989 ، ولايزال يسوم الشعب السوداني الفقر والجهل والمرض ويقهره بآلة القمع الرهيبة في سجونه وزنازين أمنه التي سماها الشعب " بيوت الأشباح حيث يمارس التعذيب فيها بأبشع الصور وأكثرها نذالة وخسة ، ورئيسه هو نفسه المطلوب للعدالة الدولية بتهمة أرتكاب جرائم حرب في ذات الأقليم ، تلك الجرائم المهولة التي شاهدها العالم كله ووثقتها تقارير دولية ومنظمات الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية !
نال القاص والروائي أسحق دبلوم المعلمين العالي العام 1980، والماجستير في الفلكولور العام 1984 من جامعة الخرطوم التي سبق وتخرج فيها . ثم أصبح لفترة محاضرا بالجامعة الأسلامية بأمدرمان ، ثم هاجر إلي السعودية ليقوم بالتدريس في الثانويات السودانية هناك ، وصار مسئول الأصدارات في مجلة " عالم الكتب " ، وعاد للسودان ليصبح رئيس اتحاد الكتاب السودانيين العام 2008 ، تلك المؤسسة التقدمية المحترمة ذات الدور الثقافي والفكري المشهود في المشهد الثقافي ، وكان الأتحاد – من ضمن اتحادات ونقابات ومنظمات وأحزاب عديدة – قد حلت ومنعت أنشطتها وطوردت وعاني أعضائها السجون والمعتقلات ، ومن بعد ،
أصبح أسحق عضوا ب " مجلس تطوير وترقية اللغات القومية " ، وهو ، في الواقع ، مجلسا لأقرار تصور الأسلاميين الغلاة في حياة وثقافات شعوب السودان ، ويتبع المجلس لرئاسة الجمهورية !
إبراهيم أسحق ، قاص وروائي مبدع ، وله مؤلفات مرموقة منها :


مؤلفاته في الرواية:[
- حدْث في القرية، صدرت عن إدارة النشر الثقافي، وزارة الثقافة والإعلام، الخرطوم، عام 1969م.
- أعمالُ الليلِ والبلدة، عن دار جامعة الخرطوم للنشر، عام 1971م.
- مهرجانُ المدرَسَةِ القديمة، عن إدارة النشر الثقافي، وزارة الثقافة والإعلام، الخرطوم، 1976.
- أخبارُ البنت مياكايا، نشرت كاملة في مجلة الخرطوم عام 1980، قبل أن تصدر أخيراً (مايو 2001) عن مركز الدراسات السودانية – الخرطوم / القاهرة.
- وبال في كليمندو، نشرت في جريدة الخرطوم عام 1999، قبل أن تصدر أخيراً (أكتوبر 2001) عن مركز الدراسات السودانية – الخرطوم / القاهرة.

 

مؤلفاته في القصة القصيرة:
- ناس من كافا- مجموعة قصص- مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي- العام 2006م- الخرطوم.
- عرضحالات كباشية- مجموعة قصص- هيئة الخرطوم للصحافة والنشر - العام 2011- الخرطوم.
- حكايات من الحلالات.
هذا أضافة إلي العديد من الدراسات والكتابات النقدية ، أسحق ، إذن ، روائي وقاص ومثقف فاعل في الحياة الثقافية في بلاده . يقول عنه أديب السودان الكبير الراحل الطيب صالح :
" إبراهيم اسحق‏ كاتب كبير حقا‏,‏ رغم أنه لم يعرف بعد على نطاق واسع‏,‏ وقد اكتسب سمعته الأدبية بعدد قليل من الروايات الجميلة مثل روايته حدث في قرية ومهرجان المدرسة القديمة وحكاية البنت مايكايا وهي روايات قدمت لأول مرة في الأدب السوداني‏,‏ صورا فنية بديعة للبيئة في غرب السودان‏,‏ وهو عالم يكاد يكون مجهولا لأهل الوسط والشمال‏.‏صمت إبراهيم اسحاق زمنا طويلا واختفى عن الأنظار‏,‏ وقد لقيته منذ ثلاثة أعوام في الرياض في المملكة العربية السعودية‏,‏ حيث يعمل مدرسا وجدته إنسانا دمثا طيبا مثل كل من لقيت من أهل غرب السودان‏,‏ وواضح من روايته هذه وبال في كليمندو أنه لم يكن خاملا‏,‏ بل كان يفكر ويكتب طوال فترة صمته الممتدة‏.‏إنني لسوء الحظ‏,‏ لم أعرف غرب السودان كما يجب‏,‏ أبعد نقطة وصلت إليها كانت الأبيض عاصمة إقليم كردفان‏,‏ وزرت جبال النوبة منذ أمد بعيد‏.‏ لذلك حين أقرأ روايات إبراهيم اسحق‏,‏ وأيضا القصص القصيرة الجميلة للمرحوم زهاء طاهر‏,‏ أحس بالحسرة لأنني لم أتعرف أكثر علي ذلك العالم البعيد العجيب‏".
هذه شهادة كبيرة في حق أسحق ، لا شك يستحقها ، فهو قاص وروائي ممتاز علي أية حال !

2 :
قصدت بهذه المقدمة التعريف بالروائي والقاص لدي من يجهلون قدره الثقافي والمعرفي ، ولو كان ضئيل الشأن فيهما ما ألتفتنا إليه ! وبعد ، فماذا جري من هذا المثقف والمبدع الكبير؟ سأحكي ما أحزنني ، وكان مصدر " بلبلة " وتساؤلات شتي في الوسط الثقافي في السودان :
يوم 32/7/2013 تم بالعاصمة السودانية الخرطوم تكريم إبراهيم أسحق بواسطة رئاسة الجمهورية في أطار مشروع " تواصل " الذي أبتدرته السلطة الديكتاتورية لإستمالة المثقفين وتأطيرهم في نهجها الأقصائي العنصري وفق رؤياها للثقافة والمثقفين المشروع تحت رعاية النائب الأول علي عثمان محمد طه أحد أبشع وجوه المتأسلمين في النظام ، ويشرف عليه
د . المختار حسن حسين وزير الدولة برئاسة مجلس الوزراء . أما وجهاء النظام من الحضور ، فقد كان منهم : التجاني السيسي رئيس السلطة الأنتقالية لأقليم دارفور ،
د . عبد الرحمن الخضر والي الخرطوم ، د . أمين حسن عمر وزير الدولة برئاسة الجمهورية، محمد بشارة دوسة وزير العدل ، د . محي الدين تيتاوي رئيس أتحاد الصحفيين السودانيين ، والممثل علي مهدي . أما من تحدثوا في المنصة فهم : شاعرة النظام بإمتياز
روضة الحاج ، والخادم الصحفي محمد محمد خير الذي كأفاه النظام بأن جعله ملحقا ثقافيا بأحدي سفارات السودان ، والكاتب المسرحي عبد الله حمدنا الله ، والمهندس آدم عبد الرحمن ممثلا لأسرة أسحق ! كل هؤلاء هم من الوجوه القميئة للنظام ، مشهود لهم بالخدمة
" الممتازة " للنظام في الحقل الذي يدعون أنهم منه ، حقل الثقافة والإبداع ، وهم يحملون إليه نصالا مسمومة يطعنون بها جسد الثقافة ، ويشوهون واقعها وجديدها الذي هو في النضال ضد الديكتاتورية وتشويهها عقول الشعب بادعائها التدين الكاذب ، هم نفس أخوان مصر الذين رفضهم الشعب المصرعة وأعلن الثورة ضدهم ، وهم نفسهم الذي يناضل الشعب السوداني لأكثر من عقدين ضد نظامهم وسلطتهم الدموية الفاسدة !
أعرب ، في ذلك التكريم ، أسحق عن : " تقديره لما تقوم به الحكومة من تكريم للمبدعين
والإبداع ، ومشيرا أن وزارة الثقافة كانت قد نشرت له ثلاث كتب ، مشيرا للمساندة الكبيرة التي وجدها من الشخصيات والمؤسسات في هذا الصدد ، مضيفا إلي أن الإبداع هو صناعة علم موازي للواقع ويعبر عن وجدان الشعب " ! *

3 :
تري ، ما الذي يجعل مثقفا ، قاصا وروائيا في السابعة والستين من عمره ، بعد هذه الرحلة الطويلة في الكتابة والإبداع ، أن يضع يده مصافحا الجلاد ، بيديه الملطختين بالدم والحقارة والأجرام ، ما الذي يجعله يكون وسط هؤلاء الأوغاد فيتلقي منهم التكريم ؟ لست أدري ما منحوه له ، لكن هذه اللوحة التي يظهر في الصورة يتلقاها من رئيس النظام ، هي وحدها لتصور كيف كرموه ، ولم كرموه ! هي التي جعلتني في الحزن علي موقف مثقف كبير يشأ أخيرا أن يضع يده في يد الجلاد ، يتلقي تكريما منه ، وتجعلهما الكاميرا المحايدة معا ، ومن ذم يمتدح نظام الديكتاتورية الذي " يكرم المبدعين والإبداع " ، والمعروف لكل شعب السودان ، وللعالم أيضا ، أنه ما مر ، علي طول تاريخ السودان ، نظاما أجحف في حق الثقافة والمثقفين وأدوات الثقافة والإبداع بأكثر مما فعل هذا النظام ! نطرح السؤال هنا إلي الملأ ، ولا نقول في أسحق إلا ما شهاده الجميع وعرفه ، وأحتار منه !

4 :

ليست هنالك وقتا كافيا لنضيعه
المعذرة يا إبراهيم
ليكن الرب معك
وأنا أرجو أن يكون كذلك
عسي أن يكون
أنها ليلة مغلقة بسوادها ،
دبقا كالصمغ ...
ليس فيها قمر
والأشجار تجعل ظلالها سوداء
والسبت أسود
والثقافة في ضمير بعض الناس
سوداء
وذاك المنبر- في حفل التكريم -
أسود
والديكتاتور أسود
و ... يده سوداء ... سوداء !
إبراهيم أسحق إبراهيم :
وداعا !
---------------------------------------------------------
* حديث إبراهيم نشرته : وكالة السودان للأنباء / سونا ، الحكومية يوم 
  الأربعاء الموافق 24/7/2013 في نشرتها وفي موقعها بالنت .

 

الفتنة برسائلها ...



في آخر رسائلها كتبت إلي :
" صباح الورد الجوري ،
  صباح النرجس " ...
تحبها : الورود والزهور ،
ندي الصباح والقبلات ...

كتبت إليها :
وأنت تتأهبين للنهوض ،
صدرك في اشتعال شهوته
ونهداك في صحو الحلمات
يراقصن رؤاك ...
وفي رقصهن الفراشات .
تقرأين الآن الحليب ، يمتحن
فستانك
ما أنزل النسيج به من كتمان
جالسة علي أرتعاشات السرير
تحتسي لون المخدات ، والهواء
يطعم من رحيقك صغاره في قلبي ...
والمقاعد فتنة منك
كأنما قاب قبلتين ، أو
جلسنا حيث لا ينبغي لأحد أن يرانا
و ... تتعرقين
فأنا من رآك
وتذوقت بريق العيون ، حين تشعل
شموع أشتهائي ،
فتصير محض حب
بعد العناق ...
و ... أحبك ،
شفاهي تقول : أحبك !




ثلاث آهات في الألم ...


* هن ثلاث ، ليتهن لا يكن في التكاثر ...



1 :

الآلهات أوقفن العزف
فتوقفت الموسيقي والأغنية ...
الضحكات في براءة الذئب ،
توقفت أيضا .
أصبحت الحديقة صدي
والهواء صدي
والقصيدة صدي !
الألم وحده السيد
بحجم الحياة ،
أكبر من قلب المحب
...   ...   ...
علي العاشق أن يسكنه قلبه !

2 :

مرة أخري
يباغت الوجع الجسد
وفي المواضع الحية
يطفو ،
يطفو كالزبد !
من شذي زنبقة سوداء أتي
يثقب أجنحة الحلم ،
فيغدو ذاهلا ...
ومرغما علي الرقص في الألم
مثلما الوجوه الحاضرة ،
داخلها هو نفسه خارجها .
من تراه يدوزنها موسيقي الراقصات ؟
من يراقصهن الجميلات ؟
من المذهول
الغارق أصلا في المأمول ؟

3 :

الماء في البئر
رعشات في جسد الحبيبة
نبيذا في فمها
وفي الشفتين شبقها
والعاشق يشتهي النبع .
كل هذا الألم قد مضي
ومضي الدمع !
وثمة كلمة يجب أن تقال إليك ...
والبئر حاضرة
وشاهدة :

القلب
قد حلم بعينيك !

الاثنين، يوليو 15، 2013

أمرأة ترسم أوجاع جسدها ...

                                                                     - فريدا بريشتها -

جسديات ...
-----------

* فريدا كاهلو ، تحدث عن جسدها بالرسم !
 

" ما الذي أعرفه عن جسدي ؟
كل ما تعلمته أنني يجب أن أتجاهله دائماَ،
إذا التوت قدمي في الطريق
علىّ أن أنتظر قليلاً قبل أن أكمل طريقي رغم الألم،
إذا اشتعلت الموسيقى فجأة واستبدت بي رغبةٌ عنيفة بالرقص في الشارع
علىَّ أن أبتسم وأمضي،
هكذا تعودتُ أن أسكن هذا الجسد دون أن أعرفه بعمق.
أبحث عن اللوحات التي تشبهني أو تشبه ما أعرفه عن جسدي " ...
                                                   
                                                             - فريدا -


فريدا كاهلو ( 1907 – 1954 ) الرسامة المكسيكية ، التي جعلت ألم حياتها القاسية كله في حوزة جسدها ، ثم قامت بتعريته في الملأ عبر لوحاتها ، رسمته بكل قبحه وآلامه وعذاباته ، بمواضع جماله أيضا ، تلك التي كانت تراها هي وخلصاؤها ، فتريها للناس في لوحات .
في جل أعمالها أعتمدت براح الجسد لكي تعبر عبره عن سيرة وجعها وبؤر الألم والقسوة في ذات الجسد ، وعبر تصويره ، صورت ذاتها القلقة جراء جراحات جسدها ، الجسد المسكون بالألم الممض والجراح المروعة ... لكنها ، في ذات الوقت ، صورت روحها الشيوعية في شروقها وتحليقها العالي . أمرأة ، خلقت من جمال روحها وعواطفها الإنسانية النبيلة عوالما رشيقة وآمالا تشرئب للغد الجميل ، فخلدت أسمها وأعمالها في الجميلات النساء ، في عالمنا الجميل البهيج .
فماذا تقول لوحتها المنشورة هنا ؟
تطالعُنا امرأة متخشبة قليلاً،
نصفها الأعلى عارٍ تماماً ومسنود بدُعاماتٍ حديدية كما لو كان آيلاً للسقوط،
يبدو جسدها فخارياً بشقوقٍ خفيفة
وتبدو تنورتها السفلى كأنها مصنوعة من الجبس،
يظهر ذلك في طريقة تلوينها وفي التضاد الشديد بين الفاتح والداكن
في شبه غياب للهاف تون(درجة اللون الوسطى بين الداكن والفاتح ).
المسامير الصغيرة تؤكد هذا التصلب عندما تتناثرعلى سنونها الحادة
بخلاف المسامير في الواقع التي تسقط بكامل كتلتها.
الوجه هنا هو حامل التعبير
وناقل حالة الألم المكتومة التي اتضحت من خلال الشفاه المغلقة بحزم
والالتقاء الحاد للحاجبين المرسومين بقوة.

الدموع تظهر داخل العينين وخارجها وكأنها مجرد آثار جانبية محتملة،
مع ذلك ندين بقوة التعبير للعينين المرسومتين بخطوطٍ بسيطة ومحددة،
الشروخ تتناثر في الوجه، أما الشعرالذي يعبرُعن المشاعر فهو أكثر الكتل انسيابية في اللوحة.
تبدو الخلفية منتمية تماماً لطبيعة اللوحة ،
ضربات الفرشاة الحادة تصنع السماء والسحب
بينما الأرض تظهر في الجزء الأكبر من الخلفية مُخدَّدة وكأن زلزالاً ضربها للتو.

الجسد هنا لا يشير إلى الحياة ولا يحتفى بالبهجة،
الجسد المتكسر المتكىء على أعمدة خرسانية يعبِّرُ عن وجع مكشوف تماماً
مثلما يبدو جسد هذه المرأة مكشوفاً.
ليس المقصود هنا إبراز الجمال والتناغمات في جسد المرأة
كما كان فنانو عصر النهضة مثلاً يرسمون العاريات،
ولكنه يكشف عن التشوهات العميقة للروح ،
لقد تحول الجسد من أداة للوصول إلى أداه تعذيبٍ حية .