Powered By Blogger

الأحد، مارس 23، 2014

في يوم الشعر العالمي ، السودان يحتفي بأبي ذكري ...


أبو ذكري ، هو لا يريد الموت ، رغما عنه !*
------------------------                   


(
 سيجيء الموت

وستكون له عيناكِ

هذا الموت الذي يرافقنا

من الصباح إلى المساء،

أرِقاً، أصمّ

كحسرةٍ عتيقة

أو رذيلة بلا جدوى.

ستكون عيناك حينئذ

كلمات قيلت سدىً،

صرخةَ مكتومة، صمتاً ستكونان،

مثلما تتراءيان لكِ كل صباح

حين تنحنين على ذاتك

في المرآة.

في ذلك اليوم يا أملاً غالياً، نحن أيضاً سوف نعرف

أن الحياة أنتِ وأنكِ العدم.

 

يرتدي الموت نظرةً

لكل منا:

سيجيء الموت

وستكون له عيناكِ

سيكون له طعم التخلي عن رذيلة،

سوف يشبه رؤية وجهٍ مضى

ينبثق من المرآة،

 كما الإنصات إلى شفة مضمومة سيكون.

آنذاك

سوف ننزل إلى الهاوية بسكون. ) ...*



عبد الرحيم أحمد عبد الرحيم الذي عرف في الناس بأسمه الأدبي " أبو ذكري " وشهر به ، نحتفي به هذا المساء في الظلال الوريفة لليوم العالمي للشعر ، وللشعر في الناس عندنا بريق وولع معلوم ، لكننا في حسرتان كبيرتان إذ نتذكر أبو ذكري ، حسرات الغمام اللطيف وهو يرحل في البياض الذي راوده عن نفسه و ... توغل في رؤاه ، حسرتان إذن : رؤيا الشعر التي صاحبته في كمونها ، في حرزه الشخصي فيهدهدها لتهدأ فتكون في دواخله مسا خفيفا وشذرات تبزغ بخجل العذروات وخفرهن في غفلة منه ، أو هو – بالأحري – يفلتها بغتة من بين يديه ولا حيلة له في إنفلاتها وتحليقها في جموحها المجنون ، وهي الجموحة عاشقة العنفوان والطلوع ، لو لم يوقفها برحيله الذي أجراه بنفسه لكانت لا شك أحدي أميرات شعرنا الجميلات ! أما حسرتنا الثانية إليه ، فقد وضع حدا مؤلما لمسار أكاديمي نابه في الترجمة والكتابة الثقافية ، أوقف ، بيده أيضا ، تلك الشعلة التي أوقد نورها بيديه القادرتين وعقله الذكي فأنطفأ ضوءها برحيله الذي أختار له أن يكون لغزا غامضا ومحرقا في الناس ! من المعلوم عن أبو ذكري ولعه في طلب الحرية ، بل والنضال من أجلها ، يفعل ذلك في حدود وجوده الذاتي وأن كان قد سار أحيانا إلي خارجه . والحرية لا تتحق بالذات وحدها ، وانما يكون تحقيقها بالآخرين ، فأن لم يكونوا حضورا مساندا لأجلها تصبح حريتنا جدبا وفقدا ومأساة ! لست هنا في مقام أن أبرر أنتحاره ، ولا أن أشجبه ، لكنني أسعي لأفسره علي ضوء لحظات الشعر التي كانت دائما في رفقة ذلك القلب النابه الذكي .
أبو ذكري ولد العام 1943 بقرية تنقاسي السوق بمركز مروي في الشمالية ، لكنه بسبب من تنقل أسرته درس الأولية والوسطي في كوستي والثانوي بخور طقت ومنها التحق بكلية الأداب بجامعة الخرطوم ، لكنه تركها ليلتحق بجامعة الصداقة بموسكو أيام الاتحاد السوفيتي العظيم وتخرج فيها بماجستير في اللغة الروسية وآدابها وكان قد سبق ونال دبلوم الترجمة بين الروسية والعربية العام 1971. ثم ما لبث أن عاد ليعمل أستاذا غير متفرغ بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ، وعمل – في ذات الوقت – سكرتيرا للتحرير ومشرفا علي " مجلة الثقافة السودانية " 67 – 1978 ، وكانت " دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر " قد أصدرت له العام 1973 الطبعة الأولي لديوان شعره الوحيد " الرحيل في الليل " ، ومن بعد ، في عام 2001 قامت " دار عزة " بأصدار الطبعة الثانية للديوان . نال ، من بعد ، درجة الدكتوراه في فقه اللغة عام 1987 من أكاديمية العلوم بموسكو ، في 5 نوفمبر 1989 ألقي بنفسه من مبني الأكاديمة في موسكو ليلقي مصرعه متشظيا علي الرصيف ! الديوان يقع في 67 صفحة من القطع المتوسط ، ويحتوي علي 31 قصيدة كلها بلا استثناء كتبت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ، خمس فقط من قصائد الديوان غير مؤرخة ، أما أحدثها كتابة ، بحسب الديوان في طبعته الثانية ، فقد كانت في العام 1973 ، والغريب في أمرها أمران : الأول أنه جعل لها عنوانا صادما " الرسو في كوكب الظلام " ، فمن غرائب أبو ذكري أن يجعل مرساه في كوكب ليس علي الأرض و ... أن يكون ذلك الكوكب كوكبا للظلام لا للشروق ولا للضوء ، أما الثانية فقد جعل القصيدة تفصح عن هواجسه ولما يراه من حوله ، تلك الرؤي التي تقلبت إليها شتي التأويلات في ما بين " فضائياته " التي قال بها بشري الفاضل وتلك التي تقصاها كمال الجزولي في كتابته البديعة عنه " نهاية العالم خلف النافذة " ، يقول كمال : ( ... لقد ظل أبو ذكري مشدودا دائما ، وبقوة روحية هائلة ، إلي الأعالي بكل ما فيها وما يحيط بها من مفردات ومعاني ، إلي السماوات والكواكب والفضاءات اللامحدودة التي كانت تشكل لديه المعادل الموضوعي للإنعتاق ، أو حلم الوجود المغاير الذي عاش يتحرق توقا إليه . ) *... وشيئا مثل ذلك قال به بشري وآخرون كثر مستندين في رؤياهم لتلك الإشارات اللوامع في ثنايا قصيدته ، فيما قالوه ، لا شك ، بعضا كثيرا من الحق ، لكنه ليس الحق كله في شأن مأساة رحيله و ... شعره ، وللحق فقد أعجبتني إشارة الجزولي في تقصيه حين ذكر : ( ... عاني باكرا سلسلة انهيارات عصبية وحالات إكتئاب وإرهاق وكانت صحته ضعيفة هشة . ) *، ليت كمالا سار خطوات في تقصيه حول حالته الذهنية والصحية ، لكنا قد حظينا بأسباب تتعلق بمزاجه الشخصي وذهنيته التي بدأت تختل عنه و تتفكك عراها رويدا رويدا . فقد تراي لي أن هنالك مرحلتان ، أو قل – أن شئت الدقة – حياتان تتجليان في مجموعة شعره التي بين أيدينا : الأولي في الستينيات والآخري في السبعينيات ، وبينهما ذلك التصاعد الحلزوني في تواتره الغريب وهو يأخذه من عنقه ، رويدا رويدا إلي مصيره الفاجع !
يقول ، مثلا ، في فترته الأولي في قصيدة " صباحية " * بتفاؤل وحب وأشراق :
( أضاء النور نافذتي صباح اليوم
  ودفق ماءه النوري والبلور تحت الباب
  فلم يلمح بأروقتي سوي تنهيدة الأشواق
  ويبصرني أحدق في الشبابيك التي تصحو
  لأسمع ثرثرات الناس حول موائد الأفطار ...
  هنيهتها أحس بلذة الدنيا ،
  تغلغل في ضلوعي ثرة حلوة
  ومن فرحي ...
  أكاد أعانق البصات والأسفلت
  وأسبح في أخضرار شجيرة تنمو
  أمام البيت ،
  وأغرق في ندي عيني
  فتاة حلوة العينين . ) ...

كتبها في يناير 1964 ، فتأملوا هذا الأشراق النوراني كيف أضاء إليه نافذته حين أندلق إليه بماءه النوري و ... البلور ، وكان هو في أشواق عظيمة تأخذه إلي حواف شبابيك بسطاء الناس وعتبات منازلهم ، وكيف أن لذائذ الدنيا تصبح في مواجده وأحاسيسه ، يحس لها فرحا وحلاوة حد يرغب في معانقة البصات والأسفلت ويسبح في أخضرار الشجيرات في نموها وحياتها المزهرة ، يسقط كامل لذته وفرحه أيضا في الندي الذي يراه في عيني فتاة حلوة ، قصيدة رشيقة فرحة تشي ببهجة الحياة ، لكأنه كان يطالع قواعد العشق التي قال بها الرومي جلال الدين . كان وقتذاك مقبلا علي الحياة ، غامرا عواطفه في مواجدها ، يحسها في قلبه وجسده ويعيشها رؤي مشرقة وبهيجة في الشعر ، بل نراه – تلك الفترة – يستزيدها ليجعلها وجها جميلا في قصيدته وفي حياته . وفي ظني أنه لم يعرف وقتذاك اضطرابا أو تشظي في رؤياه ولا في يوميات حياته المهنية ، كان مقبلا علي الحياة ، لم يعش ذلك الإحتدام العنيف الذي قال به أرك فروم موجبا للإنتحار ، الصراع بين الداخل والخارج وعدم الإلتفات للعوامل الحضارية الاجتماعية ، فقد كان أبو ذكري في تفاؤله من الحياة ورائيا نابها لتجلياتها وتداعياتها في إزدهارها ، وعينه علي المستقبل ، علي الغد الذي سيأتي بهيا جميلا إن كنا فيه عاملين عليه في نهوضه المأمول . دعونا نقرأ الآن ونتأملها " فتاة المطر " *، تلك الشذرة البديعة في تجليات رؤاه الشعرية ، كيف كان قلبه يفيض بعذوبة الحياة وفتنتها ، كتبها في الفترة البهيجة من حياته عام 1964 :
( لما تحولت إلي المكان
  توهجت فجأة منائر النيون
  وخارج المقهي توقف المطر
  توقف الحديث ...
  تجمد البراد في  منتصف الطريق للأكواب
  وفي السكون فرقعت زجاجة علي البلاط
  فإلتفت النادل ثم تسمرت عيونه ،
  صبية !
  الله لي ...
  الله يحفظ العيون المزهرة
  الله يحفظ الجدائل المنهمرة
  هذا الجمال والشباب ،
  بارك الذي خلق !
  وانحدرت في الليل هذه العيون
  تشقق السكون في المكان
  فاندفع الرواد تحت الخصل المسترسلة
  وإضجعوا علي عبير ثوبها المبتل بالمطر .
  ...   ...   ...
  ما هكذا ... ما هكذا !
  تكاد تجرح العيون رمشها المحتار
  وشعرها الذي أتي ليستريح
  من بكاء الريح والأمطار .
  فوجئ أن الريح ها هنا ...
  وها هنا الأمطار :
  الريح في المقهي تهب من كل اتجاه
  يحميك رافع السماء يا هذا السني التياه !
  الله لك !
  هذه العيون عن تحسس الدفء
  تكاد تذهلك !
  ...   ...   ...
  وانسحبت إلي المطر
  فانهمر السكون
  دقيقة ...
  والآن ،
  عاد للمقهي الضجيج والغبار
  فمسح النادل حبات من العرق ،
  وعاد يجمع الزجاجة المهشمة ...
  وإنتبه البراد من ذهوله ،
  فعاد يسكب الشايات
  في الأكواب
  وخارج المكان ،
إنهمر المطر ! ) ...

قصدت من وراء إيرادي للقصيدة كاملة أن نري ما فيها من ملامح سوية جميلة في جسدها ، وتلك القلائد التي علقت بلطف رقيق علي جيدها فبدت صبية عفية تفيض عذوبة وفتنة ، ضفائرها مفكوكة ومشرعة للريح والمطر وهي تطل علي المقهي ، وكيف قد غدا بهيا في حضرتها ، وهنا بالذات نستطيع أن نري كيف كان " مؤمنا " بخشوع وتبتل عميق وهو يبتهل لله أن يحمي ويصون ذلك " السني التياه " وهو في إنسراحه البهي علي الناس والأشياء والمكان ، نشوة تفيض فتجلل رؤياه بجمالها . ولاحظوا ذلك الحوار اللطيف بين الريح والمطر وخصلات شعرها ، بينها ودفء العيون التي " تكاد تذهلك " ، بينه والسكون إذ يغدو ضجيجا حبيبا بالحياة وهي تتجلي في الناس ، بينه والبراد والأكواب ، ولفرط إنبهارها تتراقص حد تسقط وتتهشم جراء فيوضات مواجدها مثلما الفراشات تتحرق في اللهيب توجدا ، وكيف سرعان ما عاد البراد من ذهوله " يسكب الشايات في الأكواب " ، و ... المطر في إنهماره يضفي للمشهد كله نداه وحيويته ويبلله ، لحظة عشق مزهرة ولوحة ملونة راقصة تشي بعشق للحياة وجمالياتها ، للناس وللمكان و .. للحبيبة ، تلك بعضا من ملامح شعره في ذلك الزمان الجميل من حياته الخصبة القصيرة . أرغب جدا ، وأظنني أقول بضرورة أن نري أبو ذكري إبان حياته ، علي ضوء شعره الجميل الذي كتب لأجل الحياة وفرحها ، لا في تلك العتمات التي شرعت تكسب شعره تهويمات سوداء تنفلت من بين أيدي الحياة ومهادها إلي حيث لا نبلغه ولا نطاله إلا بالموت ! اللغة عنده حرة ، منطلقة لكنها مطهمة ، سهلة القياد ، سهلة في سعيها وسهلة في مآلاتها ، أعني إنها بسيطة بعيدة عن التركيب والتعقيد والغموض الذي كان سائدا في قصيدة ذلك الزمان ، فرغما عن قدرته اللغوية والشعورية فقد إبتعد بقصيدته عن تلك المزالق ، فظلت رشيقة وراقصة . العام 1966 كانت قد بدأت تطل علي الأفق نذر ذلك الذي سيأتي فيذهب بالديمقراطية التي لم تدم إلا أربعة أعوام ، ستصبح ست حين يغتالها الإنقلاب العسكري للسفاح نميري وزمرته ... كانت الضوضاء قد شرعت في صليلها و في طنينها علي قول محجوب شريف " صه يا طنين البلبلة " *، أبو ذكري لم يفته سماع ذلك الطنين ، وكان يري مقدار البلبلة ، فكتب مطولته " بكائية في الضوضاء " *، لكنه لم يكن بكاء كما يشي به العنوان المخادع ، بل هو نداء وراية ونشيد جميل للنهوض وللمسير ، يقول في بعضها :

( لم تعرفي يوما سوي الحالم والبهيج
  فشاهدي وجهي يستقر في العجز وفي الشجن .
  ولو جلست للراحة فوق صدرك المريح ،
  إذن تحركين بالأصابع الحلوة قاع رغبتي
  وتفتحين في كل طريق هوتين
  وتطفئين أينما نظرت شعلتين
  عندئذ تحملني الرغبة فوق البحر والخليج
  أبقي هناك عاشقا أدخن الحب ...
  وألعن الزمن ،
  وتغلقين عينيك فلا يبلغني الضجيج ! ) ...

هكذا، بهذا القدر العالي من الوعي ، ومن أعماق الحب الذي يداخله ، نجده يكون في ذات ذلك " الحالم والبهيج " الذي تحبه هي ويكون فيه هو أيضا ، ولفرط غبطته يدعوها لتراه كيف أستقر وجهه منها في الخصر و ... في الشجن الذي غمره ، ثم يرتاح علي صدرها ، ثم راح يصور – بلغة العاشق ومواجده  -  كيف تتحرك أعماق رغائبه جراء ملامسة أصابعها ، تفتح إليه فوهات وثغرات في طريقهما ثم تغلقها وتطفئ ما أشتعل ، فلعله يكون الحريق هنا فتطفئه ليسري إلي حيث البحر ، حيث الماء مطهرا في الزمن الردئ وتكف عنه بعينيها الضجيج فلا يبلغه ! أكاد أراه هنا ، في هذه البرهة من حياته ، منغمسا وخائضا في بلبال قضايا الوطن ، وفي قضايا الحب والنضال ، ففي القصيدة تأمل عميق في أحوال الفقراء ، في معاشهم الفقير ومصائرهم البائسة ، وتحسرات محرقات لحالهم ، حد " جلد الذات " وسب الخانعون القاعدون عن نصرتهم ، تماما مثلما فعل الجواهري حين أستل سياطه يلهب ظهورهم بها ووجوههم ، أبو ذكري كان وقتذاك في قلب ذلك الوهج والعنفوان ، يمضي فيقول في ذات القصيدة :

( ... في حين يذوي الفقراء
  وتشهر الفاقة غداراتها السوداء
  تسقي الشحم والراحة
  من دماء ... ودماء
  في حين في أرواحنا تزدهر المهانة
  عندئذ ، فلا ...
  سوي البكاء البكاء
  ولو ضحكنا ...
  فهنا الخيانة ! ) ...

لكأن مقولة أرك فروم قد تجلت هنا ، فنراه في صف الفقراء ، في " صف الجوع الكافر / فالجوع أبو الكفار " علي قول مظفر ! ظل إبان تلك الفترة قريبا ، بفكره وبعواطفه ، لنبض أمته وقضايا وطنه ، لم هائما في الأعالي ولم تتلبسه أي تهويمات بعيدا عن القيم التي ظلت في ضميره ، لهذا ظل شعره تلك الفترة يلامس ويعايش قضايا الناس البسطاء الذين يحبهم ويدخلهم إلي حديقة شعره فينادمهم ويسامرهم ، يقول في قصيدة " حب الفقراء " *:

( يا أنت !
  إذا يوما جئت إذن لمضيت
  ففرشت الساحة ،
  فرقت البشري
  ورششت الديوان
  ووقفت أطل من الشباك
  تؤرقني عينان
  عينان أحس خلالهما فرح الزراع
إذا طاب الموسم ...
وندي الأشجار وفقفقة الأنهار
  لونهما الزيتوني يذكرني بالبيت ،
  وأوقات الشاي ...
  بصباح العيد
  بشتلات " الزونيا " ،
  وخلاوي القرآن .
  ...   ...   ...
و أفراحي ،
لو كانت هذي الدنيا ملك ذراعي
  لو أن جنود سليمان المردة ما زالوا أحياء
  لأمرت كريمة أن تترصدني بتلال القنديلة الرطب
  لجلبت العاج وأخشاب الزان
  وأمرت الكنداكات أن تأتي بأساطير العهد المروي
  وفجرت عيون الماء ليغسلنا تيار الماء
  فأصوغ قلادة شوق ...
أنظمها شعرا في الوجه القمري . ) ...

هل رأيتم كيف كان أبو ذكري إبان تلك المرحلة الزمنية من حياته وشعره محتشدا بالحياة في تجلياتها التي تسعي بين الناس ، وكيف كان هو نفسه محتشدا بحياة الناس البسطاء من حوله ، يحملهم – بكل تناقضات وصراعاتهم الضارية مع قسوة الحياة – إلي ضفاف قصيدته ؟ ذلك المنحي ذو الجدوي النبيلة هو ما جعلني – لأجل أبرازه في وجهه بالذات – كثير الالحاح في عرض نماذج من قصائد تلك الفترة الهامة من حياته ، فهي – في ظني – لم تنال أهتماما نقديا جادا بها بعد ، فقد رأيتم جل الكتابات ظلت تهطل تراوح في تلك الدائرة السوداء التي أخذت به إلي الفاجعة ، بل أنني أظن لو أنتبه إليه الناس في بدء مرحلته الثانية ، أي منذ بدايات السبعينيات لربما كان بمقدورهم أن يبعدوه عن ذلك المصير الفاجع ... تماما مثلما حدث لبهنس ، فقد نهضت إليه المراثي والحسرات والندب والبكاء بعد رحيله المؤلم بينما كانوا لا يبالون إليه وهو يسير حثيثا صوب مصيره الفاجع ، تري ، هل الفواجع وحدها هي التي تستوجب البكاء والحسرات وجلد الذات ؟ عند النظر إلي قصيدته وإلي الشعر ، لست أجدني من أولئك الذين يطبقون نهجا بعينه علي جميع النصوص الشعرية ويجعلون لذلك أسما يروجونه ... لكنني أري أن النصوص في ذاتها أغني وأعمق بكثير من المناهج أيا ما كانت وجهتها . فالمنهج " الجديد " ، في ظني ، لا يولد ولا يوجد أصلا إلا بسبب من ذلك النص الشعري الجديد نفسه ويحضنا إليه ، إلي نفسه هو بالذات ... فكل قصيدة ، وفق هذا المنظور ، تحتاج منهجا خاصا بها وحدها دون سائر النصوص ، منهجها هي بالذات لا سواها !
هكذا نظرت إلي قصائد الستينيات لدي أبو ذكري ، وبذات العين إلي مرحلته الثانية " السوداء " ، ولكل منهما وجهها وسماتها وملامحها التي تخصها هي دون سائر شعره ، وأكاد أري نقيضا بينهما لاتخطئه تلك العين ، أبدا لا يتشابهان ، لا في اللغة ، ولا في الصور ، ولا في دلالة المعني . 15 قصيدة هي جملة أشعاره المزهرة طوال فترة الستينيات ، وفي السوداء التي طوال السبعينيات 11 قصيدة . أما قصائده غير المؤرخة فهي خمس فقط كما ذكرنا وهي تشي بأنها تحسب في الفترة المزهرة . استنادا إلي هذا الفهم يمكننا القول  باطمئنان كثير  أن عوالم أبو ذكري الشعرية هي عوالم المثقف الذي لديه انتماء فكري لصالح الديمقراطية والتقدم والحرية ، لكننا  - للأسف العميق – نراه أحيانا كثيرة مترددا في المشاركة النضالية بكامل قدراته الذهنية والجسدية والشعريه ، فنراه وعلي ما عليه من تلك الحال يكثر من التساؤل ... يحلم ويهجس ، يحلم ويرتعب ويتأسي فيحزن وتعتم منه الرؤي ، وسرعان ما يعيش الواقع في صورة كوابيس مفزعات ، تلك حالته في مرحلته السوداء . بعضنا قد يقول بحق ، أن الواقع نفسه يغدو كابوسي الطبيعة ... ولكن المثقف المنعزل عن المشاركة النضالية لا يتبين في كثير من الأحيان الحدود الفاصلة بين الكابوس والحلم ، بين الاختلاط الايديولوجي الزائف ، والتمايز الطبقي الحاسم ، بين التقاعس والمهادنة والمسايرة وبين النضال الحقيقي ، بين ما هو كائن وبين ما ينبغي أن يكون ، بين القيمة المثالية والواقع الحي المعقد الذي الذي يخالط حياة الناس ، بين المثال والضرورة ، بين الفكرة وممارسة تحقيقها ...  قد يحدث أحيانا أن يتمكن في لحظات خاطفة أن يعبر عن وعيه بهذه الحدود ، ولكن تعبيره يأتي عاطفيا ، هشا ويفتقد حيوية وتوهج البريق ، بريق ضوء المستقبل ، فلا يتيح له أن يعبر بحسم هذه الحدود ... لهذا نراه مترددا ، محلقا – محلقا عاليا أحيانا – بينهما، فيكون التأرجح عوضا عن الثبات ! فراح يلمنا ، في حزمات حزينة ، إلي سواده ، حتي الأصدقاء رأهم في سواده ذاك *:

( الأصدقاء القدماء
  يدفعوننا للإنتحار ...
  وأصبحوا لا يلهموننا الرغبة
  والصمود
  وعبثا نخدعهم بالإبتسام
  وبالعيون الضيقات ملؤها
  الشرود ...
  صاروا مساكين
  مضيعين دونما أسرار
  نضغط زرا فإذا الضحكة نفسها ...
  القصة نفسها
  النظرة نفسها ...
والإنكسار ! ) ...

لا شك أنه شرع هنا يدخل إلي حيث السواد والعتمات ، لا شك أنه يخطو منذ الآن صوب مصيره الفاجع ! أن الذين نخسرهم جراء رحيلهم هو خسران لنا ، وأن يكون الرحيل عن دنيانا إنتحارا فالخسارة هنا أكبر وأعدها إثما ، أهدارا ما كان له أن يكون للحياة ، ولكم كان أفضل لو بقي المنتحر علي قيد الحياة ، فالقضية ، أي قضية ، لا تستحق إهدار الحياة من أجلها ، وأسطع مظاهر الإهدار الآثم عندنا تتجلي في الإنتحار الجسور لأبو ذكري ، لأن الإنتحار هو عدوان تجاه الدواخل كما يقول فرويد ،  فالشعراء خاصة هم كائنات حساسة علي درجة عالية جدا منها ، تأخذهم رؤياهم المحرقة في جنونها أحيانا إلي فقدانهم الحياة لأنفسهم ، بمحض أرادتهم ، أو لنقل بمحض جنونهم ... ولكن السؤال الذي ظل يؤرقني هو ، لماذا لم ينتصر الأكاديمي علي الشاعر في حالة أبو ذكري ، وقد كان أقوي و أسطع وأكثر ذكائا ونبوغا ؟! وربرغم ذلك كله فسوف تظل قصيدة أبو ذكري تتبوأ مكانا مرموقا في شعرنا ، وستظل أيضا معني جميلا وإن بدأ حزينا للمعاناة من أجل الفن والحرية في ذاكرتنا الشعرية وفي حياتنا الثقافية ، وستظل ضميرا حيا يلهب أحساسنا بالمسئولية كلما واجهنا شعرا جديد ، وما أكثره هذه الأيام ، حتي لا تتكرر المأساة ، مأساة الموهبة التي يقتلها الجهل أو التنكر أو تخلخل الذهن وتشتته حد الضياع ، فيبدو لي أن أبو ذكري قد قرع الأبواب ، قرعها بشدة تلك الأبواب التي لا تفضي إلي شئ علي قول مارسيل بروست .
--------------------------------------------------------------------------------------------------------
هوامش :
* العنوان من قصيدة لدرويش حول خليل حاوي الذي انتحر بالرصاص في6 / يونيو / 1982:
  ( الشاعر افتضحت قصيدته تماما
    هو لا يريد الموت ،
    لا ... ، هو لا يريد الموت
    رغما عنه ،
    وثلاثة خانوه :
    تموز
    وإيقاع
    وأمرأة
    فناما ...
    هو لا يريد الموت ،
    لا ... لا يريد الموت
    فناما
    الشاعر افتضحت قصيدته تماما ... ) .
* الشاعر الايطالي تشيزاري بافيزي ( 1905 – 1950 ) ترجمتها جمتنة حداد عن الايطالية واختارت عنوانها للأنطولوجيا حول
  الشعراء المنحرقين في القرن العشرين .
* " أبو ذكري ، نهاية العالم خلف النافذة " كمال الجزولي ، دار تراث ودار العلوم بالقاهرة 2005 .
* " الرحيل في الليل × عبد الرحيم أبو ذكري ، دار عزة للنشر والتوزيع السودان ط أولي 2001 .
* " السنبلاية " محجوب شريف ، دار عزة للطباعة والنشر الخرطوم 1998 .
** ملحق توضيحي :
- قصائد فترة الستينات المزهرة : ( صباحية / فتاة في المطر / الطريق / موت الغريب علي الخليج ، في رثاء السياب / المساكين /
 الحصار / السياج / الهزيمة / حانة علي الطريق / بكائية في الضوضاء / مكة في الليل / سهرة في الشارع / أكتوبر 1964 / غربة / حب الفقراء . ) .
- قصائد فترة السبعينيات السوداء : ( دفء هذا المساء / القناع / البوابة والدم / الرحيل في الليل / الحزن حزنان / الرسو في كوكب الظلام / الحكماء الثلاثة ، صياغة لحكمة صينية / أشياء لا تقال / في الفاجعة / قسوة / دعاء بعد اليقظة من المنام . ) .
- قصائد غير مؤرخة يرجح إنها تنتمي لفترة الستينيات المزهرة : ( ليس عن الحب / ليلة شتائية / هدهدة / هدية / كن قبيحا . ) .
* هذه الكتابة قدمت في احتفالية يوم الشعر العالمي مساء الجمعة 21 مارس 2014 بدار اتحاد الكتاب السودانيين بالخرطوم وهي الفعالية التي نظمها الاتحاد بالتعاون مع منتدي مشافهة النص الشعري ومركز علي الزين الثقافي وجماعة عمل الثقافية واشتملت علي فقرات متنوعة في الغناء والموسيقي وقراءات شعرية أضافة لهذه الورقة ، وانعقدت الإحتفالية احتفاء بذكري الشاعر الراحل عبد الرحيم أبو ذكري .


 

 

الأربعاء، فبراير 26، 2014

بهنس ، حياة لكنها ليست قابلة للحياة ...






--------------------------------------
* محمد حسين بهنس ، شاعر سوداني وروائي وتشكيلي و ... موهبة موسيقية تطوف بالطرب والأغاني . ولد بالثورة الحارة الخامسة بأمدرمان في 1972 وتوفي يوم الخميس 19 ديسمبر 2013 ، فجرا علي أحد أرصفة ميدان إبراهيم باشا بحي العتبة الفقير بالقاهرة عن 31 عاما ! أنا هنا ، لن أتحدث عن أعماله الفنية والأدبية ، لكنني سأبذل ما لدي من الضوء حول ملابسات موته ، ذلك الموت الذي لقي احتفاءا كثيرا جدا ، أكثر بكثير مما وجده إبداعه ، سواء في حياته أو بعد رحيله الفاجع ! ولست أيضا في موضع الإعتذار لبهنس عنا ، فلإعتذار الحقيقي ينبغي له أن يكون للشعب وللوطن ، تلك هي القضية .
* كتب عنه وعن أسباب وفاته الفاجعة الكثير من المراثي ، نثرا وشعرا ، بكائيات دامعة محرقة لم تتوقف حتي اللحظة ، واعتذارات تشوبها الحسرات ونصال الألم الممض ، مهرجانات كاملة للتفجع وأثارة الأوجاع بجلد الذات حد إسالة النزيف ، و ... لم تتوقف حتي اللحظة ! لم يحمله أحد – حسبما قرأت وعرفت – شخصيا مسئولية ما عن مصيره المأساوي ، لم يفل أحد ، والمبدع ، كما كل الناس ، هو أبن بيئته ومجتمعه ، في أسرته وأصحابه ، وفي المجتمع الكبير ، لم يقول أحد ، إذن ، بمسئوليته عن ما جري له ، لا أحد !
* قالو في أسباب وفاته : الجوع والبرد الذي جمد اطرافه وقلبه ، فمات علي رصيف الشارع ، وحيدا مجهولا لا يكاد يعرفه أحد !
* تقول سيرته الشخصية إنه درس درس عاما واحد في الجامعة الأهلية بأمدرمان وتركها ! منذ ذلك الوقت شرع يمهد لمسار حياته منهجا في الأدب والفن والموسيقي ، وشكل حضورا مستمرا – مستمعا ومشاركا – في الفعاليات والمنتديات واللقاءات الأدبية والفنية علي منابر عديدة في المراكز الثقافية والأندية والقاعات في عاصمة بلاده ، لكنه – والحق يقال – كان مصغيا بإنتباه ويقظة كبيرة أكثر منه مشاركا بأعمالا من انتاجه ، لربما كان يستقوي علي مساره بالمعارف التي يلتقطها بمخيلته اللامعة وقلبه الفنان !
خلال حياته القصيرة تلك أنجز أعمالا قيمة :
- 1999 أقام أول معرض له بالخرطوم .
- 2006 أفتتح معرضه المبهر للرسم بالضوء ( لكن ليس هو مبتدعه بالطبع ) في قصر المهرجانات في باريس ، وفي ظني أن والد زوجته ذو النفوذ والحظوة وزوجته نفسها قد أعانوه في أقامة ذلك المعرض الذي غدا ، من بعد ، علامة مهمة في مسيرته في التشكيل وفن الرسم في ملامحه الغرائبية في راهنه السائد !
- 2004 أقام معرضا في اديس اببا في مدرسة الفنون الأثيوبية العريقة .
- 2003 أقام معرضا بالمركز الثقافي الألماني بالخرطوم
- 2002 شارك مع 50 فنانا أفريقيا في معرض " لغة الألوان " في بون بألمانيا .
- أقتني قصر الإليزيه ، قصر الرئاسة الفرنسية ، أحدي لوحاته معروضة في أحد قاعاته مع أعمالا آخري لفنانين كبار ، وفي ظني أن والد زوجته ذو النفوذ المجتمعي الواسع هو من دفع بتلك الحظوة لتكون في حياته الفنية !
أما أعماله الأدبيه :
- رواية " راحيل " وهي عمله الروائي الوحيد حتي الآن ، فيقال أن هنالك رواية أسماها " الهابر " لم تطبع بعد ولا أدري أين هي !
و " راحيل " قصة حب رومانسي عادية في السرد وفي اللغة ، وفي أحداثها ومضامينها ، حتي شكلها المعماري هو أيضا أتسم بالبساطة والعفوية ، لكأنها – كما أظن – هي نتاج لقصة الحب التي عاشها مع حبيبته الفرنسية ، نتاج لها والحب في لذاذاته ورحيقه العذب ، فلم يعرف القسوة والخشونة والتشظي في بداياته النضرة تلك ، كان حبا جميلا كما ينبغي له أن يكون ، " راحيل " بنت تلك الفترة الحالمة ، المزهرة في قلب ورؤي بهنس !
-  مجموعة قصص قصيرة لم تطبع .
- ومخطوطة ديوان شعر لم تطبع أيضا .

يقول في بعض شعره :

«بهديك الفوضى..شجار طفلين في ساحة روضة..أهديك الغربة..ضجيج الموتى..وصوت التربة..أهديك إحباطي..حديث عابر..في مركبة عامة..بصوت واطي..اهديك حزنك..شتات الفول أثنا الخمشة..بعد إذنك..اهديك حروف نقرابة..الفاضل من عمرك..من عمر الفرح الممطوط..اهديك الطلة..لبيوت الطين..وفكرة تفتيش..عن اسواق ارخص..ما فيها حليفة الله..اهديك مرة..الاعبك فيها بالمعدن..اقول ليك حرية..احبك..وله اقمض شارع عنك..اقول ليك..كتابة وطرة..خسرتك..ربحتك مرة..اهديك مرهم للنجمة..يداوي جراحك..في السما تتبسم..اهديك الليل وعرباتو المسرعة..صوب الرئة..في شارع النيل..لاهديك اوصيك....اهديك واهديك..اهديك وله شيء..واقطع عمري مشي».
وهو ، كما قد رأيتم ، شعر جميل سلس ، علي نسق شعر العامية لدي شعراء الشباب اليوم ، بل أنه يستلف لغتهم اليومية في عاديتها ورشاقتها العفوية التي تطلع من ومضات قلوبهم وهم في معمان الحياة ، محاولة جسورة ليجعلونها تبدو جميلة ويعيشونها ! لربما ، لو عاش ، لكان سيقدم نهجا ووجها يانعا في شعر عامية أهل السودان .

ذلك ما رأيت أن أقول به لإلقاء بعض الضوء علي نتاجه وبدايات حياته ، ولكن ماذا عن موته ، ما الذي أودي به إلي ذلك المصير الفاجع ؟ هنالك ، في ظني ، العديد من الأسباب الشخصية والنفسية التي تضافرت – مع واقع حياته الفقير المزرئ – لتجعله في ذلك الموت المجاني المفزع .  من المفارقات المؤلمة في حالته ، أن من كانوا حوله كانوا يرونه يضيع ، يزوي و ... يموت رويدا رويدا ، لكن أحدا لم يكن بمستطاعه أن ينتشله من ذلك المصير ، بل أن هنالك من كان يدفعه ، بوعي أو بدونه ، صوب موته !
كان مزهرا ولامعا حين أحب ، وشرع يجعل في عشقه موسيقي وضوء وفرح ، ثيمات حياته وأيقوناته المبجلات .
فقد تعرف ، بدايات العام 2000 علي فتاة فرنسية جميلة وذات ثقافة عالية كانت تعمل ضمن كادر المركز الثقافي الفرنسي بالخرطوم ، تعرف عليها إبان غاراته الدائمة علي المركز الذي يحفل عادة بالعديد من الأنشطة والعاليات الأدبية والفنية والمعرفية ، جمع الحب بينهما إلي جانب حبهما الأدب والفن والشعر ، فتزوجا بالخرطوم في نفس عام تعارفهما . تلك كانت الفترة المزهرة والمطمئنة من حياته . ولما حان عودتها إلي فرنسا أصحبت زوجها معها ، فأنجبا ولدا في العام 2005 ، وعاشا فترة ليست بالطويلة في رحاب حبهما والثقافة ...
لم يكن لديه ما يفعله هناك سوي فنه الذي بدأ تسويقا بطيئا لا يحسنه ، فعاونه والد زوجته وزوجته نفسها ، ماليا في معاشه وفي تسويق فنه. أقامته هناك استمرت عامين ، وسرعان – لأسباب شخصية وعائلية ومعاشية – ما نشبت بينهما شجارات ظلت تتنامي وتتضخم بينهما كزوجين وبينه وأسرة زوجته ، وكان لابد أن يكون الطلاق ، بسبب من تلك الهوة الفكرية والنفسية التي تباعد بين ثقافتين وعالمين في ظلال العائليات ، وكم من تلك التجارب قد آلت إلي مصائر بائسة لمثل هذه الزيجات ، حدث الطلاق ، فسلب منه حب حياته وأبنه ، وجري ابعاده عن فرنسا بواسطة الشرطة ، تلك كانت بدايات بهنس نهوض ملامح بهنس الآخر ، في أزمته الشخصية والنفسية ، منذ ذلك الوقت بدأ ، ذلك الكائن الجميل رحلة ذهوله الغريب عن دنيا الناس ! حين عاد مبعدا إلي وطنه ، وجد أن والدته وشقيقه الأكبر قد توفيا ، ولم يكن له علم برحيلهما إذ أنقطعت أخباره تماما عن أهله وأصدقائه ووطنه خلال فترته الباريسية ... فتضاعف إليه حزنه وذهوله ، وكان يبدو أن أصدقائه كانوا قد " نسوه " جراء غيابه الطويل عنهم والبلد وإنقطاع أخباره ، فلم يجد أحدا حوله إلا صديقه الأثير بكري بقداش فرحل إليه ليساكنه داره خلال فترة توهانه التي أمتدت لحوالي ثلاث سنوات . بدأت فترة عزلته وسلوكه الغريب يحاصره ، فلم يستطيع مقاومته حتي نالت منه ظواهر وتداعيات الإكتئاب والرهق ، وفي ظني أنه كان يري أطواره ويسير فيها ، لكأنه كان يري مصيره المهول المرعب فيذهب إليه مطمئنا إليه ... لهذا ، تراني أحمله بعضا كثيرا من مسئولية ما جره إليه ، وأكاد أقول أن البيئة الشبابية التي كان يحرص علي تواجده فيها حيث حلقات تعاطي المخدارات والخمر ومعايشة التوهانات ودنيا من المرح والوهم ، هي أيضا من مسئولياته الشخصية التي حدد هو ، عبرها ، ملامح  ما سيؤل إليه مصيره ، ولم يكن من أحد ليأخذ بيده ، فغدا في الوهم الكثير ، وهو وهم يفضي ، لا مندوحة ، بصاحبه إلي الجنون ، تلك هي بالضبط الفترة التي كان يحتاج أحدا يؤازره ويكون بجانبه ليل نهار وما من أحد ، ذلك ، في ظني ، هو الملمح الموجع في مأساة بهنس ، من هنا بدأت تنمو وتزهر بذرة الجنون في دواخله وتسود إليه مخيلته ورؤاه ، وما من أحد . أسامة الخواض ، أنتبه لهذا الجانب الهام في آخريات حياة بهنس ، وهالته مهرجانات الرثاء بألوانها الزائفة ودموعها المالحة ، فكتب في بعض قصيدته البديعة " سبحانك الثلج " :

( هم أودعوني غياهب نسيانهم،

و سلوني،

كأنَّ قميصي- قَدْ قُدَّ من قُبُلٍ،

و أحبّونني هامداً،

و أفاضوا المديح على جثّتي

فسبْحانه "الثلج"،

أحْيا عظام نصوصي| و هْي رميمْ

لا معزَّينَ لي

سوى "أصدقائي" الذين قد استُنْسِخُوا فجأةً في الأسافيرِ،

كلّتْ من الدمْع و النوْح عينايَ،

هذي المدينةُ،

قالوا،

كمالُ الجمال،

فيا نفْسُ،

في الليلِ،

في أوّل الهزْعِ،

فلتسْكبي
كمياهٍ،

دموعي قبالة وجْه المدينةِ،

أحْسنتُ بالعُشْب ظنّي،

لأنَّ مراحمهُ لا تزولُ،

اضطجعتُ على كَنَبات الميادينِ،

ظهْري تقرّح منها

فصرتُ لشعبي- أغنيةً لهم اليوم كلّهْ

"فباتوا يجرّون ضاف الدمقْسِ،

وبتُّ أجرْجر أسْماليهْ"

ولو كان لي عِلْم ما في غدٍ" (1)

لما جئتُ مصرَ،

تلطّختُ بالعارِ،

لم يسْتطبْ أحدٌ أنْ يمسَّ ثيابي،

و لم أشتكِ من قصاص خطايايَ،

أعطيتُ خدِّي لضاربهِ،

في الشوارع تهْتُ كأعمى

كان يمشي ورائي الذهولُ،

و سلُّ "التجانيْ" (2)

حين أصرخُ،

أو استغيثُ،

تصدُّ صلاتي،

فرُحْتُ أغنِّي:

"مِصرُ يا أخت اكتئابي يا شقيّة

يا مَنافٍ،مرّة الطَعْمِ ،قميئةْ"

بينما نسْمةٌ من وراء المقابرِ تهْذي:

"رعي الله مِصْر فكم للأديب بها ثمّ من عيشةٍ راضيهْ" (3)

........................................

....................................

*و آخرُ دعْواكَ،

يا سيِّدي-شبحي -"بهنس" الباسفيكيّ؟

- آخرُ دعْوايَ،

يا صاحبي:

"لعن الله من جلبوا المطبعةْ

من ديار النصارى،

و من وزَّعوا كتب الشعرِ،

و السرْدِ،

و الفنِّ ،

و الفكْرِ،

و السّموطيقا ،

و عِلْم الجَمالْ

سامح الربُّ آباءنا في الكتابةِ،

و الفنِّ،

إذْ أنّهم أخْطاوا،
حين شقّوا دروب الخيال

فها نحن نحْمل آثامهم،

ثمّ نصْعدُ نحو الصليبِ،

نكفِّرُ عن مُوبقات الحداثةْ

_______________________________________________

هامشان:

(1) و (3) من أشعار محمد سعيد العبّاسي.

(2) الشاعر التجاني يوسف بشير.


قبل منصف العام العام 2011 وصل بهنس إلي القاهرة ، القاهرة التي يضيع فيها عقلاء الناس ناهيك عن بهنس الذي أتاها ، حين أتاها ، وهو في ضياعه الكثير. ولكن ما ظل يؤلم قلبي عند تأمل حالة رحيله وملابساتها ، وما ظل يفزعني حتي الآن ، فهو السؤال الجارح : من هو ذاك الذي أعان بهنس وهو علي تلك الحال المزرية من الذهول والجنون والفقر ، فيأتي به إلي جحيم القسوة التي في حياة القاهرة ؟ ذلك هو القاتل الحقيقي لبهنس لا سواه ، فقد كان مستحيلا عليه – وهو علي ما عليه – أن يبلغ القاهرة ، فقد بدأ منذ حوالي ثلاث سنوات " مستطيعا بغيره " علي قول طه حسين ... كان لا بد من مال ، ولا بد من مرافق له ومعين ، فأين له كل ذلك من دون مساعدة ليستطيع ! فلنبحث – جميعنا إذن – عن ذلك القاتل أو القتلة إن كانوا أكثر من واحد فنجعل قاتله في الملأ مشهودا معلوما في الناس ... فشرع في ذهوله ذاك ، مذهولا مجنونا تتقاذفه ، وحيدا ملفوظا ، شوارع القاهرة ، في حي العتبة حيث سكن أول أمره ليقيم معرضا ، كما أشيع ، ثم إلي الأرصفة والشوارع والجوع والبرد ، و لا أحد !!
نعم ، هنالك بعضا في الناس من أهتم به قليلا ، حتي السفارة لم تتجاهله أول أمره ، حتي بعضا من أسرته ، كانوا إليه عند قدومه ثم رافقوه صحبة إليه فترة ، فلما طال جنونه ، لربما لم يكونوا يتوقعونه هكذا ، فتفرقوا عنه ، ولا أحد !
الغريب ، في أمر تجاهل الناس ومعارفه له وانفضاضهم من حوله ، أن الصحفي محمد عثمان يوسف " حبه " قد نشرعنوانا كبيرا لجولته الميدانية هناك ومقابلته بهنس في صحيفة " الدار " السودانية يوم السبت 2 نوفمبر 2013 أي قبل 47 يوما فقط من رحيله ، كتب العنوان / التحقيق المثير بعنوان : ( " الدار " ترصد حالات الوفاة مجهولة الهوية ، والجنون والإدمان وسط الشباب السودانيين بالقاهرة " ...

" ... رصدت ( الدار ) من خلال جولة صحفية موسعة وتقارير ميدانية بين اوساط السودانيين بشوارع القاهرة خاصه منطقة العتبه وتمثال ابراهيم باشا والمقاهى الخلفية بشارع 26 يوليو ارتفاع حالات الوفيات المجهولة الهوية بين السودانيين التى وصل عددها الى 5 حالات  وظهور بعض الشباب حديثى العهد بالجنون والادمان .ففى غضون ال6 اشهر الماضية لقى اكثر من 5 سودانيين مصرعهم متوفيين على مقاهى شهيرة جراء إدمان المخدرات أو الكحول أو بسبب الجوع القاتل الذى يتعرضون له لفترات طويلة وذلك لعدم وجود مصادر دخل ثابته بالنسبه لهم .

وكشفت مصادر عليمة لـ ( الدار ) أن اثنين من هذه الحالات المتكررة وجدت ملقاة على قارعة الطريق حيث توفى احدهما بالنجيلة الشهيرة التى تجاور تمثال ابراهيم باشا ( بالعتبة ) وحالة ثالثة وجدت ميته على ( كنبة ) مطعم اخر ساعة الشهير خلف شارع 26 يوليو عند الساعة الثالثة فجراً كما ان هناك حالة تعيش هذه الايام بجوار مترو الدقى بنفس الظروف والمأسى وإيماناً منها بالدور الانسانى واهتماماً بقضايا السودانيين بمصر ننشر اليوم هذه القصة المأساوية والانسانية للروائى والاديب والكاتب والفنان التشكيلى محمد حسين بهنس صاحب الرواية الشهيرة ( راحيل ) التى كتب عنها النقاد فى السودان عند صدورها بأنه اشبه بمولد طيب صالح أخر قادم يحمل الخير للسودان .حيث يتعرض بهنس  لمحنه  ويمر بظروف نفسية غاية فى الخطورة منذ اكثر من عام عندما دخل القاهرة قادماً من الخرطوم .

وقد عاشت ( الدار ) اكثر من ايام وليالى مع هذا الشاب والاديب الفنان الذى اصبح علامة بارزة فى منطقة (العتبة) خاصة ما بين تمثال ابراهيم باشا ومطعم الخرطوم وزقاق قهوة ابو المعاطى حيث لا مقر له ثابت يؤوي اليه هذا الفنان التشكيلى والكاتب القصصى .

وقد اكد شهود عيان لـ ( الدار ) أن محمد بهنس الذى يعيش فى حالة نفسيه سيئة تعرض لحادث مرورى قبل عدة ايام ولكن العناية الالهية انقذته والحمد لله ويعيش ( بهنس ) على وجبة طعام نهارية بمطعم الخرطوم وبعدها يخرج هائما بين المصريين فى شوارع القاهرة الخلفية والتى لا ترحم حتى الاصحاء دعك عن بعض الذين يمرون بظروف نفسية سيئة فهى لا تطيق أهلها – هذه الايام – ما بالك بالغرباء ، خاصة غرباء الروح والزمان والمكان .

بهنس الفنان يعيش منذ قدومه من السودان داخل بنطلون وقميص واحد وهو فى حاله اشبه بالجنون لا يتكلم الا مع بعض المقربين منه ، ينام فى شوارع القاهرة بجوار مطعم الخرطوم وتمثال ابراهيم باشا ليلاً ونهاراً واصبح شعره طويلاً ومبعثراً وهيئته لا تطاق عندما ما تراه للوهله الاولى . واكد بعض اصدقائه لـ (الدار) أن بعض افراد اسرته قد جاءوا من السودان بحثاً عنه فلم يجدوه وعادوا بدونه وتركوه وحيداً خلال ليالى القاهرة القاتلة من الوحدة والوحشة خاصة عندما يكون الانسان بلا مأوى وبلا رفيق ويقال ان كثيراً 0من اصدقائه - ايضاً – قد تنكروا له بالفعل لأن منظره اصبح لا يسر حبيب ولا عدو .
( الدار ) تقرع ناقوس الخطر وتدق جرس الانذار لأكثر من مرة وتنبه المسئولين عن ضياع مثل هؤلاء الشباب الجميل وتناشد اسرة الفنان والاديب محمد بهنس واصدقاءه خاصة الدراميين والتشكيليين الموسيقيين بأن يسارعوا بعودة  ( بهنس )  الى حضن الوطن سليماً معافى وتطلب ( الدار ) من الرجل الفنان على مهدى نورى الأب الشرعى لكثير من هذه الحالات الانسانية والفنية للتدخل الفورى والعاجل خاصه وأنه قريب جداً من كبار المسئولين برئاسة الجمهورية  انقاذاًَ لأبن السودان الفنان(  بهنس ) ونحن فى
الانتظار ." ...
ذلك بعضا مما جاء في ذلك التقرير ، الذي صاح محذرا من موت قريب سيكون فيه بهنس لا شك ، فلم يلتفت إليه أحد ، حتي جاءه الذي ما كان له إلا أن يجيئه ، و ... قد جاءه !  هكذا كما رحل جماع وأبو ذكري قبله رحل بهنس ، و ... قاتلوه معروفون معروفون !
عند أتساع وتائر مهرجانات الرثاء بعد رحيله ، حتي فاضت بها مواقع النت والتواصل الأجتماعي والصحف والأذاعات والفضائيات ، عندما أدلهمت صيحات التفجع في الوطن المضرج بالقسوة والدم والدجل ، كتب فضيلي جماع صارخا فينا : ( بهنس مات ، ألحقوا محسن خالد ) ، كان قد قصد محسن خالد، الذي هو – ويا للمفارقة – بمدني ولم نستطيع وصولا وتفقده بعد ، وهو يعيش مصيرا مشابها لمعاناة بهنس ، و ... الشاعر ، صديقكم الجميل أبن مدني ، السمؤال محمد الحسن ، هو أيضا هنا ، بيننا الآن ، سادرا في البياض ، وهناك ، ليس بعيدا عنا ، في كسلا الشاعر الحداثوي المجيد حسونه بدوي حجازي ، أيضا وأيضا ، في بياضه ، وحسون هذا هو الشقيق الأكبر والمعلم لكل من شاعرالجزيرة ومدني حمزة بدوي ، ومحمد بدوي الفائزة قبل سنوات بجائزة الطيب صالح في الرواية عن روايته " باب الحياة " ...
لكن ، يا أصدقائي ، صديقاتي ، هل يستحق ، من كان مثلهم ، الحياة ؟ وهم يعيشون في وطن مذبوح و ... النصال القاتلات مبذولات لإعناقهم !
---------------------------------------------------------------------------------------------------------
* قدمت في " ليلة الإعتذار  لبهنس " ، يوم أمس الأثنين 24/2/2013 ، بنادي الخريجين بمدني بمشاركة مع الروائي والقاص مبارك الصادق الذي تناول رواية " راحيل " بالقراءة .


الثلاثاء، فبراير 18، 2014

أنسي الحاج ، وداعا طائر الندي الرياش ...




أنسي الحاج ، وداعا  طائر الندي الرياش ...
------------------------------------------

«لن أكون بينكم ...
لأن ريشةً من عصفور في اللطيف الربيع
ستكلّل رأسي ،
وشجر البرد سيكويني
وامرأة باقية بعيداً ستبكيني
وبكاؤها كحياتي جميل…»

 

 

ولد أنسي الحاج في بيروت في 27 تموز 1937، وبدأ بنشر شعره في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، وبدأ العمل في الصحافة منذ العام 1956. شارك في تأسيس مجلة "شعر" وفي اصدارها، وكان أحد اركانها منذ 1957 حتى توقفها في عهدها الاول، ثم في عهدها الثاني، وفي العام 1960 ظهرت مجموعته الشعرية الأولى "لن"، مع مقدمة كتبها بنفسه في موضوع قصيدة النثر خاصة والشعر عامة. وأصدر بعد ذلك عدة مجموعات شعرية منها "الرأس المقطوع" و"ماضي الأيام الآتية" و"ماذا صنعت بالذهب؟ ماذا فعلت بالوردة؟" و"الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع"، كما أصدر كتاباً بعنوان "كلمات كلمات كلمات" وهو عبارة عن مجموعة مقالات.
أنسي ، منذ أعوام بدأ في كتابة نثرية في صيغة " وصايا وحكم و ... تعاليم " ، قد جعلها في كتابه البديع الذي أسماه
" خواتم " ، تلك الخواتم التي نسجها – نسج الحائك المفتون بمهنته ، الملعون متقن الغرائبيات – من شقائق النثر الذي كان قد بدأ بها قصيدته في ملامحها الفاتنة في الستينيات من القرن الماضي فغدا واحدا من حملة شعلتها التي لم تبدأ في تمام خفوتها بعد ، أخرج ذاته وحلمه من ذلك الفضاء الأثير فشرع يكتب " خواتم " ، تأملات عميقة في الحياة ومتعلقاتها كلها ، الجمالية والقبيحة معا ، لكأنه بدأ في آخرياته يقتفي أثر " أليوت " الذي كان يقول : (
بهذه الشقائق طفِقتُ أدعم خرائبي ) ...  أما حين كان يكتب نسق قصائده التي شهرت للناس ، فقد كان له حبا واحدا هو الشعر ، وحبيبة واحده ، تكتبه فيكتب ، فتكون قصيدته ذات البريق الذي يضوع ، كالعطر ، في ملامحها وفي جسدها ،
فيغنيها شعرا لا يشبه إلا شعره بالذات ، فظلت قصيدته في معمدانية النار والجسد ، في حلم المرأة ، معشوقته التي ما عشق سواها فجعلها في قصيدته :
( ...
فماذا صنعت بالحب
وأخذت ذهب النساء وردة الذهب فماذا صنعت بالذهب و ماذا فعلت بالوردة؟
انقلوني إلى جميع اللغات لتسمعني حبيبتي
ثبتوها على كرسي وجهوا وجهها إلي
أمسكوا رأسها نحوي فتركض إلي
لأني طويلا و بخت نفسي و يأسي قد صار ماردا.
أطيعي دمعك يا حبيبتي فيطري الحصى
أطيعي قلبك فيزيل السياج
ها هو العالم ينتهي و المدن مفتوحة المدن خالية جائعة أنت و ندمي وليمة
أنت عطشانة و غيومي سود و الرياح تلطمني.
المطر أبيض
الأصوات بيضاء
جسدك أبيض و أسنانك بيضاء
الحبر أبيض
و الأوراق بيضاء
اسمعيني اسمعيني
أناديك من الجبال من الأودية
أناديك من أعباب الشجر من شفاه السحاب
أناديك من الصخر و الينابيع
أناديك من الربيع إلى الربيع
أناديك من فوق كل شيء من تحت كل شيء ومن جميع الضواحي
اسمعيني آتيا و محجوبا و غامضا
اسمعيني اسمعيني مطرودا و غاربا
قلبي أسود بالوحشة و نفسي حمراء
لكن لوح العالم أبيض
و الكلمات بيضاء ! ) ...

أنسي مريضا علي سريره قرابة الشهرين ، حتي غادر عالمنا صباح اليوم الثلاثاء 18/ 2 في بيروت . رحل إذن أنسي ، الحداثوي قبل أن تولد فينا الحداثه ونعرفها فنري ملامحها في قصيدته ، رحل المتمرد كل أيامه في سريالية شيطانية تقولها لغته الوثابة بالحنين ، عاشق اللغة والمرأة والآتي الجميل ، رائد المفردة التي يجعلها كل صباح في ريش طائره المحلق في الأعالي ، أعلي أعالي القصيدة ، أعلي أعالي الجميلات ، حبيبنا في العشق والأماني المجنحات ، نبينا في القول والإشارات ، الذي ظل يدعونا – لمحض الحب – لنكون في الإيمان بنا ، بذواتنا التي ترانا ونراها ، بالمعشوقات التي في رؤانا ، أنسي صاحب الولادات ، وأن بدأت مؤلمة وعسيرة وذوات نزيف ، لكنها في جمال الحياة وبهجتها إذ تولد في الناس وفي الحياة . لقد علمتني ، يا حبيبي ، كيف أقرأ حبيبتي ، وكيف لي أن أكون في عشقها ، وفي عشق الحياة ، لأن " كل عمر يمر هو عمر ضائع " كما كنت تقول ، إلا نصوصك ، هي رياش الطيور في عوالمنا ،
فرح الجميلات ورقصاتهن الرشيقات .  أنسي الحاج : يا أجملنا ، وداااااعا  !

 

 

 

عن الزواج الإسلاموي ...





في الآونة الآخيرة نشطت الدعاوي والفتاوي في المجتمعات العربية تكرس – في تبرير فج وغير عقلاني – للزواج بأقنعة ومسميات مختلفة من مثل " زواج المتعة " و " المسيار " و " ملك اليمين " إلي آخر تلك الترهات التي يجعلونها تحت مظلة الدين ويبررون لها إنها قد أتت لحل مشاكل العانسات والأرامل والمطلقات وهي شرائح عديدة تستوجب الحرص والأهتمام بها ! تلك دعاوي جاهلة وذات توجهات ذكورية ممعنة في تخلفها حد البشاعة والحط من أقدار النساء وإنسانيتهن . وقد نهضت النساء في منظمات المجتمع المدني تناهضها في كل ميدان بالتعاون مع دعاة حقوق الإنسان والداعين لإنعتاق المرأة وضد قهر النساء . تجدون هنا وجهتي نظر حول هذا الأمر الحيوي الهام ، وكتابة أدبية في شأنهن!

1 :
"
تألمت كثيرا عن مأساة النساء و خضوعهن لشروط حياة قاسية و مهينة يوميا و تحمل مأساة الحروب و الحصار و الهجرة ،و فكرت يا لمأساة البشرية و نحن في القرن الحادي والعشرون و يفرض على النساء القبول بزواج المسيار او المتعة او تعدد الزوجات و تحت ذريعة حل مشكلة العنوسة و المطلقات و الارامل من قبل مجموعة من الرجال ذات العقول المتحجرة و ذات النفوس و الرغبة الحيوانية .
وحسب ما اعرفه ان زواج المسيار او زواج الايثار هو زواج يتم بموافقة الطرفين بوجود الشهود وولي الامر و لكن الزوجة ليس لها حق السكن او المبيت او النفقة .
و طبعا الرجل له الحق ان يتزوج باربعة , و غالبا ما يلجئ الرجل لهذا النوع من الزواج ليشبع غريزته الحيوانية و ليتزوج سرا ,و ليهرب من المسؤولية , و ليتصرف كما يشاء من إمرأة الى أخرى يتمتع بالفتوى تلو الأخرى مما يبيح له الدين من ملك الإيمان من النساء .
و هنا تكمن المشكلة في هذا الزواج الذي لم يشكل يوماً احتراماً لأدنى حقوقها وانسانيتها،او لمراعاة احتياجاتها , المراة بشكل عام تحتاج الى الحب و الامان و الصدق و شريك حياة يكون لها , ليس هناك امراة ترغب بمشاركة زوجها مع الاخريات , هذا كذب و رياء رجال الدين .
و امثال هذين الرجلين الذين كانا سعيدان و صوتهما عالي في البرنامج بان طرح هذا الموضوع هو لحل مشكلة هذه الفئة الكبيرة من النساء التي ليس لهم ازواج و انا اقول يا ايها المجرمين و الظالمين اذهبوا و اتركونا نحن النساء , انتم هنا لتعطو شرعية لغرائزكم الحيوانية و لتسيطرو على عدد من النساء مرة واحدة, انتم لم تفكرو بنا بل بغرازئكم و عقدكم المزمنة
نعم زواج المسيار اهانة بحق المرأة , و يجب علينا كمنظمات نسويات و احزاب علمانية و يسارية فضح هذه الزمرة المتخلفة لبث افكارهم و غرائزهم المسومة في عقولنا ومجتمعاتنا التي تحتاج الى ثورة حقيقية ضد كافة اشكال الظلم والاضطهاد وخاصة تلك التي تلبس جلباب الدين .
فمهما تعددت أسماء وصفات هذه الأشكال مما يسمى زواجاً،مسياراً أو متعة أو ما لف لفهما لن يخرجوا من كونهما تشريع لبيع جسد المرأة والمتاجرة بها .
فلنقف جميعاً لمنع عودة النساء الى زمن الجواري. " ...
                                                                  - بيان صالح -
2 :
"
لايحتاج الجنس تصديق وتسميات وشروط من رجال الدين لانه خلق فينا فالجنس جنس لامسيار ولامتعة ولازنى ولاكمعة بلاتسميات فهو رغبة جسدية طبيعية لاي انسان طبيعي

وسنطرح اسئلة طرحها القراء الافاضل .ماذا لو احتاجت المراة العازبة او المطلقة او الارملة للجنس في الدول العربية او الاسلامية وحيث لاتوجد محلات لبيع العضو الذكري الصناعي ولارجال يبيعون الجنس؟ والامر لاينتهي بشراء عضو ذكري اصطناعي من اوروبا وبيعه في الدول العربية او الاسلامية للنساء العازبات لان الامرلايتعلق بعملية ميكانيكية بل يتعلق بملامسة جسد اخر واحيانا برومانسية التلامس وليس كما هو الحال في غرفة المومس حيث يدفع الرجل المبلغ المطلوب مقابل بضعة دقائق تحددها المومس للرجل ولكن مايهمنا هنا ليس الرجل هنا فالرجل حتى في الدول الاسلامية المتشددة يستطيع ان يشبع رغبته الجنسية بالاستمناء او حتى التفريغ في عنزة او حمار او اي ثقب و بدون مخاطر او اضرار كبيرة لهذا مايهمنا في هذا الطرح هو حاجة المراة لاشباع رغبتها الجنسية في الدول الاسلامية والمخاطر التي تتعرض لها . الكثير من الاسئلة طرحت حول موضوع زواج المسيار والمتعة الذي طرحته الزميلة العزيزة بيان صالح ضمن مقالين ؟ كان موقف الزميلة بيان صالح واضحا في مناهضة زواج المسيار والمتعة على خلفية بانه اضطهاد لحقوق المراة لانه لاحقوق للمراة بممارسة الجنس مع رجل غريب في المجتمعات الاسلامية . وهذا صحيح بلاشك لكن مايهمنا من هذا الموضوع هو المخاطر التي تتعرض لها النساء في حالة ممارسة الجنس خارج ايطار الزواج الشرعي لانه في الدول العربية والاسلامية يطلق على المراة التي تمارس الجنس خارج ايطار الزواج بانها زانية وبالتالي تتعرض لعقاب الرجم بالحجارة حتى الموت كما في ايران وافغانستان وفي دول اخرى اكثر تحضرا من افغانستان فان المراة التي تمارس الجنس خارج ايطار الزواج تشهر في المجتمع وتلقب بالقاب قبيحة والاهم في حال انها حملت عليها باسقاط الجنين وربما تتعرض للموت بالاجهاض السري وقد حدثت الكثير من الحوادث المؤسفة عندما تحمل المراة بدون زواج تقتل من قبل الاهل او تموت بالاجهاض المتعمد الذي يتسبب بموت المراة التي تقوم بالاجهاض السري وربما بدون علم الاهل وبدون رعاية الاطباء في حين لو مارست المراة الجنس مع رجل ما في الغرب او اوروبا فلن ترجم بالحجارة ولن يتم تشهيرها وتسقيطها اجتماعيا واذا حملت من الرجل فهي تقرر في احتفاظها بالطفل او الاجهاض وبشكل قانوني في المستشفيات وتحت اشراف الاطباء المختصين رغم انه قانونيا لايجوز للفتيات او الصبيان تحت سن الخامسة عشر من ممارسة الجنس والاغتصاب ممنوع ايضا ويعاقب عليه المرء بدرجات مختلفة حسب البلد.
علينا ان لاننسى كما الرجل يحتاج الى اشباع رغبته الجنسية فان المراة ايضا بحاجة لاشباع رغبتها الجنسية ومن هذا المنطلق هل فكرنا بالحاجة الجنسية للنساء في المجتمعات العربية او الاسلامية حيث المراة لاتمارس الجنس الا ضمن حدود الزواج الشرعي المصدق عليه من قبل الاهل والمجتمع والا فان الفتاة تقتل تحت اسم غسل العار او تنتحر بنفسها ؟ الكثير من الرجال في الغرب لايرغب في ممارسة الجنس مع المومس او بائعات الهوى لسبب بسيط لانه لايعرفها ولاتعرفه ولامشاعر لديهم لبعض والغالبية يفضل بممارسة الجنس مع شخص يكن له مشاعر عميقة وانجذاب كيميائي والا فان الممارسة تتحول الى عملية ميكانيكية بحتة مجردة من الرومانسية والبعض طبعا لايهتم لموضوع المشاعر في حال احتياجه الشديد لممارسة الجنس لاسباب مختلفة كشعوره بالوحدة والانكسار او بحاجة واشتياق لملامسة جسد انسان اخر وفي اوروبا يركز الاطباء المختصون بالجنس على حاجة الانسان لملامسة جسد انسان اخر وهذا مهم للغاية اي حاجة المرء لملامسة جسد انسان أخر ليس بالضرورة ممارسة الجنس فقط ملامسة ولكن تبقى الحاجة للجنس مهمة للانسان الطبيعي طبعا لانه هناك اشخاص ليست لديهم اية رغبة بممارسة الجنس لاسباب مختلفة طبعا نفسية او دوائية كبعض العقارات الدوائية تثبط الرغبة الجنسية كادوية الكابة مثلا لكن الحاجة للجنس لدى الانسان الطبيعي رغبة طبيعية وبحاجة للاشباع كما هي الرغبة بتناول الطعام او الشراب في حال الشعور بالجوع او العطش او الرغبة للنوم في حالة الشعور بالنعاس اذا الرغبة للجنس هي حاجة لابد لنا بالاعتراف فيها وقبولها بدون مسميات دينية او تشريع ديني يجب ان تكون بقرار شخصي وبرضى الطرفين البالغين هي امر طبيعي ومشروع بدون ان يقيد يضوابط دينية وقانونية مادام الطرفين بالغين وموافقين على العملية فليس هناك داعي من تدخل الدولة او رجال الدين لتسميته باسماء دينية مختلفة لفرض حكمهم وفتاويهم وتشريعاتهم المتخلفة بكل جوانب حياة الانسان حتى بحقه في ممارسة الجنس الذي هو حقه الطبيعي ولد معه منذ البداية بدون ارادته بل بالجينات الوراثية التي جمعت من الوالدين ان عملية ملامسة الانسان المراة والرجل لجسد انسان اخر موضوع مهم وقد ركز عليه الباحثون النفسيون في الغرب ولهذا في مراكز نفسية خاصة لهذا الامر يجمع النساء والرجال في صالة واحدة ويحاول احدهم ملامسة الاخر فقط لاشباع هذه الحاجة اي اللمس بدون ممارسة الجنس طبعا لهذا علينا ان نفكر بان الجميع النساء كما الرجل بحاجة لاشباع الرغبة الجنسية ولكن نرفض تدخل رجال الدين وتسمية ممارسة الجنس بتسميات مختلفة لفرض ارادتهم على الشعوب المغيبة فالجنس لايحتاج الى تسميات دينية وتشريعات دينية ولاتدخلات حكومات دينية فالمراة البالغة التي يحتاج جسدها للجنس هي وحدها من يحق له ان يقرر شروط ممارسة جسدها هي حرة به تفعل به ماتشاء فلاحكومات تتدخل عليه ولارجال دين ولافتاوي ولاتشريعات يقرر على جسدها بل المراة وحدها من يحق له ان يقرر ماذا تفعل بجسدها تغطيه او تكشفه تعريه تمارس الجنس او تمتنعه جسدها ملكها وهي حرة بما تملك . " ...
                                                             - مكارم إبراهيم -
------------------------------------------------------------------------------
* نقلا عن موقع الكاتبتان ب " الحوار المتمدن " .