Powered By Blogger

الأربعاء، مارس 07، 2012

ليلة أرتدي القمر السواد ... !

   * وردي : شجن الموسيقي والأغاني *

الليلة *:
ما من مرفأ ،
ما من دفء في القلب
ولا قمرا في الحب !
ما من شئ يجلب للقلب الهدوء
فقد غدا
كمن يحمل أوزارا ،
ومن فرط الوطء ينوء !
لا التدخين ولا تحليق المخيلة في الأعالي ،
ولا المجلات ولا الكتب ،
لا " النت "
ولا لقاء الصحاب علي " الفيس " ...
ولا قاعة الموسيقي والرقص المهاب
ولا كأس الندامي
وقفشات الصحاب
ولا الصبايا اليانعات ، ولا الحكايا المدهشة ،
ولا الأفق المجلل بالغمام الموسمي
ولا التفكر في " الشجريات "*
ولا الطمي و " حبو حكمة "*
ولا أشارات الأصمعي في " هامش الجسد " *
ولا الأعشاب المبللة و ... خضراء
تسد الأفق !
ولا قلادات أشراقة *
تزين بها في النساء العنق !
ولا العبير* التي تزيد
في النساء الشبق !
ولا مني سليمان تجترح للمسيرات
أناشيد " لا " ...
لا شئ من ذلك كله
يقترب من قلبي ،
إلا وجهك ...
وحده الليلة
يملأ علي الأفق !
----------------------------------------------------------------------------------------------------
* الليلة المقصودة هي الليلة التي رحل عن عالمنا فيها فنان السودان ومغنيه الكبير محمد وردي ، ليلة السبت 18/2/2012 ...
* " الشجريات " أشارة للرواية الغرائبية المدهشة " رومانس شجري " للروائي الشاعر السوداني ناجي البدوي ، صدرت مؤخرا عن دار " شرقيات " بالقاهرة !
*" الطين وحبو حكمة " أشارة لواحدة من أجمل قصائد المحامية السودانية الشاعرة حكمة أحمد .
* الأصمعي باشري هو الشاعر السوداني صاحب ومؤسس موقع " الكتابة علي هامش الجسد " بالفيسبوك ، الموقع متخصص في كتابات الجسد !
* د. أشراقة مصطفي حامد سودانية مقيمة بالنمسا ، شاعرة وروائية وناشطة في مجالات الجندر وحقوق الإنسان !
* عبير عثمان ، أحدي رائدات العمل النسائي في السودان .
* مني سليمان ، سودانية ناشطة سياسية ومن قيادات العمل النسائي !
( جميعهم ناشطون جدا عبر الفيسبوك الذي أمارس فيه بعضا من نشاطي الأدبي .

الجمعة، مارس 02، 2012

وجع الرحيل ياوردي ... !

 - ملف السوداني : " كلمة في تبجيل الفنان وردي " -
لأصرخ ، الآن ،
وردي !
... أتذكرون ، قالها درويش يوما :
" ثقوا بالماء
ياسكان أغنيتي " !
و ... رحلت الآن
وردي !
متوجا بغدي
الذي صار في الناس
أمسي
قذ صار الآن
وردي !
تدثرت بالسواد تلك الليلة
والزغب وقعن المواويل التي
ليست تموت
لكن البكاء ضج فينا
هدوء البيوت !
تماسكت ...
تماسكت حتي أحس الأغاني
بنت في الحناجر جسرا
لتغدوا وردا ونايا
وذكري !
وهذي الأناشيد هاطلة كالشبابيل ،
خارجة من لهاتك وردي
تمالكن فيك الصبايا
لتصبح كل المراثي مرايا
زغاريدا شاردة في المدي ،
لتبقي الموسيقي موقعة " بالطنابير " ،
ونبقي كأن غنانا الذي شاقه " الطار "
صار جراحا تفتقن عن لغة في الجسارة !
أوتارا تئن ،
يحدثننا بالبشارة !
تحيل قلوب كل الصبايا مدي ...
تماسكت ...

حتي ألون هذا النشيد يفاجئنا من تراثك
فلا لون للأغاني إل بريقك
ولا صوت " للطار " إلا غناء الحناجر
ينجز وعدا كوعدك خالد .
لأنك تحبو علي الشوك ،
تنظر في جسد الشمس ،
ترصد في طالع السعد ...
كنت هويت
لينتصب القبر ،
قبرك نخلا
وينبت ظلا
وردا و ساعد !
فتصبح شارات زغب المدارس فينا جداول
شددت إلي الضوء أوتار أقواسنا
لأن المواعيد ينثرننا في الدروب إليك
وهذي الرياح التي فرقتنا
لأننا إلتحفنا بأحلامنا الراجفة
تعلمنا الآن منك
كيف يكون الموت
حياة في البذرة النابتة !
تري ياوطن ،
نحدث عنك المواجع
ام شوقنا ؟
أم نغلب هذي الأناشيد حتي نعود إليك
خلاسية عشقنا
والبلاد التي أنجبتها
تعفر سمارها بالتراب !
يهزون فوق ذوائبهن الجريد ،
فتلتحف النسوة الشوق
تبقي القلوب مراصد
يزرعننا كالفسيل علي كل باب !
ياحبيبي ،
نقوم الآن إليك
يخالطنا الشوق ،
حتي سماؤك ساهرة للغياب !
كأن لقاؤك هذا فراق
ولم يبق فينا سوي الجرح
شبابة للعناق !
فلا شئ يجمعنا غير صوتك
ولا شئ يقتلنا كالوطن
لاشئ يقتلنا كالوطن !!

الاثنين، فبراير 27، 2012

لوحة " المغني " !

                                                                                                              - The Singer : Wassily Kandinsky-

و. ب. ييتس يكتب عن أوسكار وايلد !

                                                              - Wilde -

و. ب. ييتس[i] يكتب عن أوسكار وايلد
مقدمة مضافة إلى المجلد الثالث من الأعمال الكاملة لأوسكار وايلد (نيو يورك 1923)
ت: أمير زكي
فبراير 2012
عن كتاب "التراث النقدي المتعلق بوايلد Oscar Wilde - The Critical Heritage"
-------------------------------------------------------------------------------------
***
عندما كنت ألقي المحاضرات في بوسطن قبل الحرب[ii] بقليل أخبرني لاجيء عربي أن أعمال أوسكار وايلد ترجمت إلى العربية وأن مجموعة "الأمير السعيد وقصص أخرى" كانت الأكثر شعبية: قال: "إنها أدبنا الخاص". وكنت قد سمعت أن مقال "روح الإنسان تحت الاشتراكية" هو الأكثر قراءة في حزب شباب الصين. وبعد ذلك بفترة بدأت أفكر في المصير الغريب لكتب بعينها. ذهني عاد إلى نهاية الثمانينيات عندما كنت قد وصلت لتوي إلى لندن ومعي مسودة كتابي الشعري الأول، وعندما لم يكن وايلد قد نشر سوى أشعاره ومجموعة "الأمير السعيد". أذكر أن المقالات النقدية كانت عموما معادية جدا لأعماله، فحركة وايلد الاستطيقية كانت الحدث المعاصر وصحفيي لندن كانوا لا يزالوا غاضبين من بنطلوناته، أوضاعه أثناء التصوير، وربما من مقولاته الحادة عنهم. في حين أن رجال الأدب لم يجدوا في نثره سوى محاكاة لوالتر بيتر[iii] وفي شعره سوى محاكاة لسوينبرن[iv] وروزيتي[v]. لم يوجد أبدا أي شخص يكتب بحرص إلى أصغر جمهور ممكن بأكثر أسلوب مصطنع ممكن، وهذا الجمهور لم يضم أحدا سوى بضعة نساء مهتمات بالموضة يدعون ضيوفا ليستمعوا إلى حديثه، بالإضافة إلى رسامين أو ثلاثة استمروا على تقليد روزيتي. وأثناء تفكيري كأني سمعته يقول بطريقة كلامه البطيئة الدقيقة المنغّمة: "لديّ جمهور كبير في سمرقند". ربما لا يتكلمون العربية في سمرقند، ولكن أي اسم يختاره هو يختاره لوقعه ولإيحائه الرومانسي. شعبيته في الصين كانت ستؤثر فيه أكثر، وأنا بإمكاني الاستماع لصوته وهو يتكلم عن الطلاء الأنيق والجاف. في الحقيقة فعندما أذكره بلذة فأنا أذكر دوما المتحدث، سواء عندما سمعته في منزل و. ه. هينلي[vi] أو في منزله أو في جزء من مسرحياته، حيث يوجد قدر كبير من البديهة المستمدة مبدئيا أو مستمدة كلها من أحاديث له. هو بالتأكيد كان أعظم متحدث في عصره. قال لي: "نحن الأيرلنديون شاعريون جدا لنكون شعراء، نحن أمة من الفاشلين العظام، ولكنننا أعظم متحدثين من عهد اليونانيين". هو كان يتحدث كما يفعل دوما المتحدثون الأيرلنديون الجيدون – وإن كان بأسلوب وتنغيم مستمد من بيتر وفلوبير – وأفضل من أفضل متحدث إنجليزي بإمكانه التكلم. هو لم يكن لديه اهتمام عملي، ليس لديه قضية ليدافع عنها، لا معلومات ليقدمها، ولا حتى كونه مهرجا مثليا كانت قضيته العملية جدا مصدر لذتنا. خلف كلماته كانت هناك قوى عقلية كبيرة، ولكن عقليته وهبت نفسها للتأمل المجرد. أعرف اثنين أو ثلاثة من هؤلاء الرجال في أيرلندا اليوم، وواحد منهم هو رجل مجهول جاء إلى عربتي في قطار ويكلو من عامين أو ثلاثة: بدأ بالقول "عربة الدرجة الأولى، تذكرة الدرجة الثالثة، افعل ذلك وفقا للترتيب". وبعد ذلك تحدث عن صديق له قُتل في الحرب، وصرخ قائلا: "لم هناك العديد من الموتى المفترض أن يكونوا أحياء، والعديد من الأحياء المفترض أن يكونوا موتى؟". لعشرين دقيقة من الحديث الثمل تحدث مثل شكسبير كما يقول عنه الناس، ولم يتحول للحظة من الموضوعات الأساسية وغير القابلة للحل؛ وقال لي قصة كان من الممكن أن يقولها وايلد ببهجة. ثم فكرت بعد ذلك في طبيب وقس تحدثت إليهما في أماكن عديدة، ولكن بشكل خاص في ساحل كونيمارا البعيد، يوما بعد الآخر يصبح ذهنهما عارفا بشعر العالم أكثر مني، ومكتظان بالخيال الذي يداعب الموضوعات الأساسية والتي لا يمكن حلها.
كلما ابتعد وايلد في كتابته عن طريقته في الحديث، عن الارتجال، عن التعاطف مع بعض الجمهور الخاص، كلما كان أقل أصالة، وأقل إنجازا. أعتقد أن "روح الإنسان تحت الاشتراكية" عميقة إلى حد ما لأن العديد من الاقتباسات متخذة من حواراته؛ و"الأمير السعيد وقصص أخرى" ساحرة ومسلية لأنه وضعها في شكل قصص، (أطفاله كانوا لا يزالوا صغارا في هذا الوقت) و "بيت الرمان" كثيرة الزخارف وأقل تسلية لأنه كتبها في شكل قصص. ولأنه عندما يكتب، باستثناء عندما يكتب للممثلين، لا يفكر في جمهور خاص. في "الأمير السعيد" أو"العملاق الأناني" أو "الصاروخ العجيب"، لا يوجد شيء لا يخدم القصة، في الحقيقة لا شيء غير القصة، ولكن في "عيد ميلاد الإنفانتا" بالكاد هناك قصة تستحق ان تُحكى. "الصياد وروحه" من نفس الكتاب فيها قصة جيدة بما يكفي لجعلي متأكدا أنه حكاها العديد من المرات؛ ولكي أستمتع بها أحاول أن أتخيلها كأن عليه أثناء حكايتها أن يحرص بنصف وعي على أن لا يسبب الضجر - بتكرار التأثير أو الوصف غير الضروري - لطفل أو لصحبة من الرسامين أو الكتاب الشباب. فقط عندما أتخيلها هكذا أكتشف أن فكرة عدم رضا الصياد الشاب بعشيقته الحورية، عندما يستمع إلى وصف فتاة ترقص بقدمين عاريتين، كان هذا ذكيا وساحرا ومختلفا. الصياد الشاب قاوم العديد من الإغواءات، ولكن هذا كان قبل أن يرى بوضوح أنها لا تملك قدمين. في القصة المكتوبة هذه التفصيلة تتوه في الزخارف التي ندعها تمضي بدون أن نلاحظها مع القراءة الأولى، ولكنها ذروة القصة. ولكي أستمتع بها فعليّ أن أستمع للصوت مرة أخرى، وأن أنصت مرة أخرى للمتحدث الذي لا يقارن.
وصلت لندن بعد زيارة طويلة لأيرلندا قبل شهور قليلة من مأساته العظيمة، سألت أحد أصدقاءه "ماذا يفعل وايلد؟" أجاب صديقه: "أوه، هو مكتئب جدا، يستيقظ في الثانية بعد الظهر، لأنه يحاول أن ينام كمية من الحياة بقدر إمكانه، وألف قصة يدّعي أنها أفضل قصة في العالم ويقول إنه يكررها لنفسه بعد كل وجبة وقبل أن يتجه للسرير كل ليلة". وقال لي القصة وأعتقد أنني أثق في ذاكرتي لأستعيد كل كلمة: "المسيح جاء بمظهر أبيض إلى المدينة الأرجوانية وأثناء سيره في الشوارع سمع أصوات فوق رأسه، فنظر ووجد شابا مستلق مخمورا على عتبة النافذة. قال المسيح "لم تهدر روحك في الخمر؟" فيجيب الشاب: "سيدي، لقد كنت أبرص وأنت شفيتني، ماذا يمكنني أن أفعل غير ذلك؟" وبعد ذلك وجد شابا يتبع داعرة بعينين لامعتين، فقال له "لم تضيع روحك في الزنا؟" فأجاب الشاب "سيدي، لقد كنت أعمى وأنت شفيتني، ماذا يمكنني أن أفعل غير ذلك؟" وفي منتصف المدينة وجد رجلا عجوزا جالسا على الأرض يبكي فقال له "لم تبكي؟" فأجاب العجوز "سيدي لقد كنت ميتا وأنت أقمتني إلى الحياة، ماذا يمكنني أن أفعل سوى البكاء؟". أنا أيضا أعتقد أنها واحدة من أفضل القصص في العالم، على الرغم من أنه لا يعجبني، ولم تعجبني عندما سمعت للمرة الأولى أوصاف "مظهر أبيض"، "المدينة الأرجوانية"، "عينين لامعتين". القصة فيها تأكيد وبساطة النحت العظيم، إنها تضيف شيئا جديدا لمخيلة العالم، وتواجه فجأة الذهن – كما يفعل كل الفن العظيم – بالأساسي وغير الممكن حله. إنها تضع في أقل كلمات ممكنة كآبة تأتي إلى المرء في لحظة الانتصار، اللحظة الفريدة عندما يسأل المرء بدون الخوف من تحيزات خفية أو حسد أو إحباط أو غيرة عن جدوى الحياة، عندما قابلت وايلد لأول مرة كان رجلا فقيرا تقريبا. قال "الناس يظنون أنني ناجح". أو جملة من هذا القبيل: "ولكن في هذه اللحظة أنا لا أستطيع ان أحصل على بضع شلنات". والآن لديه ثلاث مسرحيات تعرض في وقت واحد مما جعله يحصل على ما قيل أنه عشرة آلاف جنيه في السنة: "سيدى، لقد كنت ميتا وأنت أقمتني إلى الحياة، ماذا يمكننى أن أفعل سوى أن أبكي؟"
مؤخرا وجدت في نهاية واحد من مجلداته، في قسم بعنوان "أشعار في نثريات"، هذه القصة ممتدة إلى 15 أو 16 جملة، وذلك بأوصاف مثل: "أعمدة المرمر الجميلة"، "قاعة العقيق وقاعة اليشب"، "مشاعل الأرز"، "الرجل المزخرف وجهه وملابسه، وقدميه مزدانة باللؤلؤ". تأثير اللوحات على الأدب الإنجليزي بدأ مع شعر كيتس ووصل الآن إلى الذروة، لأن كل إنجلترا المتعلمة تأثرت بويسلر[vii] وبرن جونز[viii] وروزيتي؛ ووايلد – كشخص محلي مثلي – وجد في هذا التأثير شيئا غامضا، شيئا مثيرا، كجماعة دينية، كجماعة تعد باختلاف مستحيل. هذا بالتأكيد لأنه لم يرتبط بذلك بالميلاد وبالصلة المبكرة ليحصل على جمل وصفات من أجلهم، وليس لأنهم جزءا طبيعيا من نشأته، وتحدث بطريقتهم للآخرين كأنه واجبه ليمرر بعض كلمات السر والإشارات والرموز. عندما جاء وقت سقوطه كان قد اكتشف أسلوبه الطبيعي في "أهمية أن تكون جادا"، والتزم بهذا الاكتشاف بسبب تقنية المسرح الصعبة، وكان قد كاد أن يقدم لكوميديا المسرح الإنجليزي ما سيكون لجيلنا ما كانت كوميديات جولدسميث وشيريدان لجيلهم. كان لديه فعليا منافس وحيد – السيد برنارد شو – الذي قادته ثقافته ليس لوالتر بيتر ولكن لكارل ماركس، والذي – رغم حياته الممتدة وخياله الواسع – لم يتخلص أبدا وتماما من الحوادث والقابل للحل.


[i] ويليام بتلر ييتس (1865-1939)، شاعر وكاتب مسرحي أيرلندي بارز، حصل على جائزة نوبل في الأدب عام (1923)
[ii] لم أعرف إن كان يقصد الحرب العالمية الأولى (1814) أم حرب الاستقلال الأيرلندية (1921)
[iii] والتر بيتر Walter Pater (1839-1894) أديب وناقد إنجليزي
[iv] تشارلز سوينبرن Charles Swineburne شاعر وكاتب مسرحي وروائي إنجليزي
[v] جابرييل روزيتي Gabriel Rossetti (1828-1882) شاعر ورسام إنجليزي
[vi] ويليام أرنست هينلي William Ernst Henley (1849-1903) شاعر وناقد إنجليزي
[vii] تشارلز ويسلر Charles Whistler (1856-1913) أديب إنجليزي
[viii] برن جوونز Edward Burne Jones (1833-1898) رسام إنجليزي

الخميس، فبراير 23، 2012

كيف كتبت رواية الساعات !


فيرجينيا وولف وأمى وأنا - مايكل كاننجهام
فيرجينيا وولف وأمى وأنا
مقال لمايكل كاننجهام*
ترجمة أمير زكى
يونيو 2011


* مايكل كاننجهام كاتب أمريكى، كتب رواية الساعات (1998) كانت شخصية فيرجينيا وولف من شخصياتها الرئيسية، حصلت الرواية على جائزة البوليتسر وتحولت إلى فيلم سينمائى بنفس العنوان عام 2002

***



فيرجينيا وولف كانت مصدر بهجة كبيرة فى الحفلات. أريد أن أقول هذا فى البداية لأن وولف، التى ماتت من سبعين عاما هذا العام، تمثّل غالبا على أنها السيدة الكئيبة فى الأدب الإنجليزى، فهى دائما حزينة وغاضبة وتنظر بشر من الركن المظلم فى تاريخ الأدب، وبجيوب ممتلئة بالحجارة.



بالطبع كان لديها فتراتها الكئيبة، وسوف نتحدث عن ذلك بعد لحظات. ولكن أولا أريد أن أخبر أى أحد قد يكون لا يعرف، أنها عندما لم تكن تحت وطأة نوبات الاكتئاب المتكررة، كانت شخصا يتمنى المرء أن تحضر إلى حفلته، فهى شخص يستطيع أن يتحدث بمرح عن أى موضوع. شخص يتألق ويسخر. وقد كانت مهتمة بما يقوله الناس (على الرغم من أنها لم تكن تشجع دوما آرائهم.) وهى شخص كان يحب فكرة المستقبل والعجائب التى يمكن أن يجلبها.
ورغم كونها نسوية جريئة إلا أنها كانت تميل لنقد نفسها لأيام إن علق أحدهم بشكل سلبى على ملابسها. كانت لديها صعوبة فى أن تتمالك نفسها، ومثل عدد كبير منا كانت تعانى من مشكلة فى مجاراة الموضة. وهى أيضا كانت مضطربة بشكل كبير بسبب عملها، فقد كانت تميل لأن ترى أن (تجاربها البينة) فى الأدب ستوضع جانبا مع بقية العجائب والغرائب والجهود الصغيرة التى توضع فى الأراشيف والمخازن.
هذه ليست قصة غريبة: الفنان غير المقدر جيدا، والذى يقدر مع الوقت. ولكن تظل وولف المخلوق الجذاب غالبا والضعيف دوما، تميل إلى نوبات الاكتئاب، هى حذرة جنسيا ولا تلبس بشكل مناسب، وغالبا لا يقدرها الكثيرون ككاتبة كبيرة بما يكفى لتقف أمام القوة العاصفة للتاريخ. لا تقارن بشخص مثل جيمس جويس، الحداثى العظيم الآخر، الذى يطنطن بعبقريته لأى أحد يستمع له، والذى يخطط لخلوده بحرص كالمحارب الذى يخطط للهجوم.
من بين الأسباب التى جعلت وولف تغرق نفسها من 70 عاما، فى سن التاسعة والخمسين هو ثقتها فى أن روايتها الأخيرة (بين الفصول) كانت فاشلة تماما. هناك كتاب مهمون قليلون نسبيا كانوا متشككين تماما فى حياتهم من إنجازاتهم.
فى حين نشر روايتى (الساعات) التى ظهرت فيها وولف كشخصية، أصبحت بشكل غير متوقع عارفا إن لم أكن محيطا وخبيرا بحياتها وأعمالها. كنت أندهش حين يتكرر ويأتينى شخص ما ويقول: نعم، وولف رائعة، ولكنها ليست جويس، أليس كذلك؟
هى ليست جويس، هى نفسها، كتبت فقط عن أناس من الطبقة العليا، ولم تكتب أبدا عن الجنس. أعمالها الكاملة لا تحتوى سوى على قبلتين رومانسيتين – واحدة فى (رحلة إلى الخارج) وأخرى فى (السيدة دالواى)، وبعد هذين الكتابين المبكرين نسبيا، لا توجد مشاهد جنسية من أى نوع.
ولكن فى الحقيقة فأنا أعتقد أنه مهما كانت التحفظات التى يطلقها الناس على وولف، فى مواجهة جويس، فعليهم أن يتعاملوا مع حقيقة أنها كانت تكتب عن الناس وعن التفاصيل الصغيرة التى كانت، فى هذا الوقت، تخص النساء وحدهن. جويس كان لديه حسا جيدا فى الكتابة غالبا عن الرجال.
كامرأة كانت وولف تعرف إحساس العجز الذى يمكن أن يصيب المرأة التى ليس لديها الكثير لتفعله. وكانت تعرف، بل كانت تصر، أن الحياة التى تنقضى فى الاهتمام بالمنزل وإقامة الحفلات ليست بالضرورة حياة تافهة تماما. هى جعلتنا نفهم أنه حتى الحياة المتواضعة والداخلية تظل بالنسبة للشخص الذى يعيش فيها رحلة ملحمية، مهما كانت عاديتها بالنسبة لمن يلاحظها من الخارج. وهى رفضت أن تتجاهل الحيوات التى يميل معظم الكتاب الآخرين إلى تجاهلها.
ربما يكون لديهم شىء ليكتبوه عن حالة وولف العقلية المضطربة، وخوفها أن تكون هى نفسها من الشخصيات الأقرب لأن تُنسى ويتم تجاهلها. إن انفعلت أو أستثيرت جدا فهى تقع فى حالة من اليأس تصبح كلمة اكتئاب معها غير كافية. فى فتراتها المستقرة، كانت رائعة فى الحفلات. أما فى الحالة الأخرى فتكون محطمة تماما. فهى تهلوس. وتهاجم أقرب الناس إليها، زوجها ليونارد تحديدا، وبحدة مميتة من تلك المتوفرة عند العباقرة، والتى كانت تتملكها عندما تفقد عقلها. فى هذه الحالة لم تكن فيرجنيا مرحة على الإطلاق !
تلك الفترات السوداء كانت تمر دوما، غالبا فى خلال أسابيع، ولكن وولف لم تكن فقط خائفة من النوبة القادمة، وإنما كان قلقة أيضا من كون عدم استقرارها العقلى سيمنعها من الحفاظ على عملها ككاتبة. خوفها من الجنون قادها، عندما بدأت تكتب الروايات، لتكتب روايتين تقليديتين نسبيا: (رحلة إلى الخارج)، (ليل ونهار). أرادت أن تثبت لنفسها وللآخرين أنها عاقلة بما يكفى (ولمعظم الوقت) لتكتب روايات مثل تلك التى يكتبها الروائيون الآخرون. وليس مجرد هذيان وصراخ امرأة مجنونة. وهى كانت مدفوعة أيضا برغبتها فى أن تظهر بصحة جيدة أمام محرر كتبها جورج داكورث، أخوها من الأم، والذى تحرش بها عندما كانت فى الثانية عشر. وولف أرادت أن تظهر لداكورث أنه لم يسبب لها أى ألم مستمر. وليس من الصعب أن نتخيل أنه لا يوجد كتاب رجال كثيرون مروا بنفس الموقف. بعد نشر رواية (ليل ونهار) وبسبب الرغبة فى تجاوز نوبات وولف وللتقليل من استثارتها، انتقلت هى وليونارد لضاحية هادئة بريتشمند، وأسسا دار نشر فى قبو منزلهما. هنا كان ميلاد دار نشر هوجارث، التى كانت إحدى منشوراتها الأولى رواية وولف غير التقليدية (غرفة جاكوب). نشر كتبها بالاشتراك مع ليونارد أدى لاختلاف حاسم. وولف وبشكل مفاجئ أصبحت لا ترد على أحد، وأظهرت قدرتها على كتابة روايات تشبه بعضها البعض. حتى بدأت فترة كتابة أعمالها العظيمة والتى استمرت حتى موتها. فلم تعد تريد إثبات أى شىء لأى أحد. (غرفة جاكوب) تبعتها بـ (السيدة دالواى)، (إلى المنارة)، (أورلاندو).. إلخ.
هذه الحرية الجديدة كانت محورية لوولف كفنانة، ولكنها لم يكن لها تأثير كبير على وقوعها المتكرر فى نوبات الاكتئاب، التى ابتليت بها طوال حياتها. العلاج النفسى لم يكن حتى قد بلغ طفولته آنذاك – فى هذا الوقت نشرت هوجارث أخيرا الكتب المبكرة لفرويد – ولم يكن هناك علاج متوفر لوولف. فى العشرينيات كان يقال إن الاضطرابات النفسية سببها تلوث الأسنان، هذا الذى يصل بطريقة ما إلى المخ. خلعت عدد من أسنانها، ولكن هذا لم يحل المشكلة.
ورغم ذلك، وإن كانت وولف على علاقة وطيدة بالحزن العميق أكثر من معظم الناس، إلا أنها مع ذلك، بتجل غامض للإرادة، كانت أفضل من الكثيرين فى نقل البهجة الخالصة لكونها حية. اللذة العادية فى الوجود ببساطة فى العالم فى يوم ثلاثاء عادى فى شهر يونيو. وهذا واحد من الأسباب التى تجعلنا نحن الذين نحبها، نحبها بهذا الشغف. فكرة أن الأمور قد تكون أسوأ. ولكنها تظل مصرة على التأكيد على الجمال البسيط والدائم، وإن كان ملاحقا بالفناء كما يلاحق الجمال دوما. إعجاب وولف بالعالم، وتفاؤلها به، هما تأكيدان يمكننا أن نثق فيهما لأنهما أتيا من كاتبة رأت أعماق الأعماق. فى كتبها تظل الحياة عظيمة ورائعة واحتفالية؛ إنها تتجاوز أعمق الإحباطات.
قرأت (السيدة دالاواى) لأول مرة وأنا طالب ثانوى بالمدرسة. كنت بطريقة ما متكاسل عن الدراسة، لم أكن صبيا من النوع الذى يختار كتابا مثل هذا ليقرأه (وأؤكد لك أننى لم أفعل هذا، لقد كان جزءا من المنهج فى مدرستى المتكاسلة بلوس أنجلس). قرأته فى محاولة يائسة لأثير إعجاب الفتاة التى كانت تقرأها فى هذا الوقت. أردت، لأغراض عاطفية تماما، أن أبدو أكثر ثقافة مما أنا عليه.
(السيدة دالواى)، من أجل هؤلاء الذين لا يألفونها، تتعلق بيوم من حياة كلاريسا دالواى، سيدة المجتمع التى تبلغ من العمر 52 عاما. تخرج فى الرواية لتشترى احتياجاتها، وتقابل حبيبا قديما لم تعد مهتمة به، تنام القيلولة وتنظم حفلا. هذه هى الحبكة.
على أى حال، نحن لسنا منحصرين فى الرواية عند وجهة نظر كلاريسا، فتيار الوعى ينتقل من شخصية إلى شخصية كما تنتقل العصا من عداء إلى عداء فى سباق الجرى. فندخل عقل بيتر وولش العاشق القديم، ونذهب فى رحلة التسوق مع إليزابيث ابنة كلاريسا. ونقضى وقتا معقولا مع سبتيموس وارين سميث، المقاتل الذى يعانى عصاب ما بعد الحرب (الحرب العالمية الأولى) وغير المتوازن عقليا. ونحن ندخل أيضا لأوقات قصيرة فى عقول شخصيات عابرة تماما؛ الرجل الذى يمر بكلاريسا فى شارع بوند، المرأة الكبيرة التى تجلس على مقعد بالهايد بارك. نحن نعود دوما لكلاريسا، ولكننا نرى وهى تمضى فى يومها المفرط فى عاديته أنها محاطة بتراجيديات وكوميديات متنوعة حولها. نحن نتفهم أن كلاريسا، وهى أى أحد، أثناء أداءها اليومى هى فى الحقيقة تتحرك داخل العالم الواسع، وتغيره بشكل محدود ببساطة عن طريق الظهور فيه.
فى (السيدة دالواى) تؤكد وولف على أن يوم فى الحياة، حياة أى شخص، يحتوى، إذا نظرت له باهتمام كاف، على الكثير مما يحتاجه المرء ليعرف كل شىء عن الحياة الإنسانية، شىء أشبه بالطريقة التى تظهر لنا فيها خريطة الكائن الحى كله عن طريق شريط الدى إن إيه. فى (السيدة دالواى) والروايات الأخرى لوولف، نعرف أنه لا توجد حيوات تافهة، فقط طرق غير لائقة فى النظر إليها.
لم أكن، وأنا فى الخامسة عشر، أفهم أى من ذلك. لم أفهم (السيدة دالواى) وفشلت تماما فى محاولاتى للظهور ذكيا أمام تلك الفتاة (ليباركها الله أينما كانت الآن.)، ولكن كان بإمكانى أن أرى، حتى وأنا طفل جاهل وكسول، كثافة وسيمترية وقوة جمل وولف. كنت أتعجب، أنها تتعامل باللغة بطريقة أشبه بتعامل جيمى هندريكس مع الجيتار[1]. أعنى بذلك أنها تتخذ طريقا ما بين الفوضى والنظام، هى تعزف، وفقط عندما يبدو أن الجمل ستشط نحو الفوضى، تعيدها مرة أخرى إلى النظام بشكل منسجم .. 
كانت خبرتى الوحيدة مع الجمل قبل ذلك منحصرة على الجمل التقريرية. أما جمل وولف فقد كانت موحية. بدا أنه من الممكن أن تكون الكتب الأخرى محتوية على نفس العجائب. وكما اكتشفت فبعض الكتب تحتوى على ذلك بالفعل. قراءة (السيدة دالواى) غيرتنى، شيئا فشيئا، لأصبح قارئا.
بعد عشرات السنوات من القراءة الأولى، التى جعلتنى مرتبكا ومندهشا، والتى غيرتنى، حاولت أن أكتب رواية عن وولف و(السيدة دالواى). وصلت للفكرة وأنا قلق بشكل مفهوم. من جهة فالمرء إذا وقف بالقرب من شخص عبقرى، فيكون أقرب إلى أن ينظر لنفسه كشخص أصغر مما هو عليه فى الحقيقة، ومن جهة أخرى فأنا رجل، ووولف ليست فقط كاتبة عظيمة ولكنها أيقونة نسوية، وهناك تأكيد طويل الأمد لإحساس أنها تنتمى للنساء.
ما زلت أريد أن أكتب كتابا عن قراءة كتاب. (السيدة دالواى) على الرغم من عدم فهمى العام لأغراضه الكبرى، أظهر لى، فى سن مبكرة نسبيا، ما الذى يمكن فعله بالحبر والورق. يبدو أنه بالنسبة لبعضنا فقراءة كتاب بعينه فى وقت معين هو خبرة حياتية جوهرية، تتساوى هنا مع مصادرنا ككتاب بالخبرات الملهمة التى تقدمها الروايات التقليدية مثل الحب الأول وفقدان الأب، والزواج الفاشل.. إلخ.
مع تشككى الكبير، قررت أنه من الأفضل أن تخاطر بالدخول فى نار محرقة من أن تكتب كتابا وأنت تعرف أنك قادر على كتابته. هكذا بدأت.روايتى (الساعات) أساسها هو إعادة سرد معاصرة لـ(السيدة دالواى)، أنا تساءلت كم ستتغير شخصية كلاريسا دالواى عن طريق عالم يكون لدى الناس فيه مدى واسع من الإمكانيات. هذه الفكرة أثبتت أنها مجرد فكرة جيدة ولكنها لم تدفعنى للكتابة، نحن بالفعل لدينا السيدة دالواى، سيدة دالواى الرائعة، من فى العالم يريد واحدة أخرى.
ولكونى مصرا (والإصرار هو ميزة جوهرية لأى روائى) لم أمل لفكرة ترك الكتاب تماما. حاولت أن أكتبه بحبكة مزدوجة، أبدل فيه بين الفصول التى تتحدث عن السيدة دالواى المعاصرة والفصول المتعلقة باليوم الذى فى حياة وولف والذى بدأت فيه كتابة الكتاب؛ عندما بدأت وهى متشككة ومضطربة فى وضع الجمل الافتتاحية للكتاب الذى سيبقى إلى الأبد. أنا حاولت حتى كتابة قصة وولف فى الصفحات ذات الأرقام الفردية وقصة كلاريسا فى الصفحات ذات الأرقام الزوجية، بحيث يقبلان بعضهما فى كل مرة تقلب الصفحة. مثل هذه الأفكار يكون لها معنى أثناء الوحدة وأنت فى مكتبك أكثر مما تظهر للناس .
ولكن رغم تضمين العنصر الثانى ظل الكتاب غير مضبوط. ورفض أن يتلاءم مع الأداء الأدبى. ظل بعناد فكرة رواية أكثر منه رواية بالفعل.
عند هذه النقطة قررت أن أدع الكتاب، وأن أكتب بدلا منه كتابا آخر. وفى صباح أحد الأيام وأنا جالس على جهاز الكمبيوتر سمحت لنفسى أن أتساءل عما تعنيه وولف بالنسبة لى، بما يكفى لأقضى معظم العام فى كتابة رواية منحوسة عنها وعن عملها. بالطبع أنا أحببت (السيدة دالواى)، ولكن كل روائى أحب عددا من الكتب والقليل منهم شعروا بحاجة لكتابة كتب جديد عن تلك القديمة. (المثال الذى يأتى للذهن هو رواية جان ريس بحر سارجاسو الواسع، الذى كان يعيد، كما نعرف، سرد رواية جين إير من منظور بيرثا، زوجة روتشستر الأولى.)
ما مشكلتى إذن؟ جالسا على الكمبيوتر، تخيلت كلاريسا دالواى، وتخيلت وولف صانعتها وهى تجلس خلفها، وتلقائيا تخيلت بعدها أمى وهى جالسة خلف وولف.
كما فكرت فى الأمر، بدأت أتعامل مع أمى على أنها الشخصية المنطقية الثالثة. أمى كانت ربة منزل، من نوع النساء اللواتى دعته وولف بـ "ملاك المنزل"، وهى وهبت، مثل العديد من الملائكة، نفسها لحياة كانت صغيرة جدا عليها. كانت دائما تبدو لى كملكة أمازونية، أُسرت وأحضرت إلى الضواحى، حيث أجبرت على العيش فى سجن لم يكن ليحتويها، ولكنه احتواها جبرا.
أمى كانت تتخلص من مشاعرها الغاضبة بالتركيز على كل تفصيلة ممكنة. كان يمكنها أن تقضى نصف نهارها لتختار مناديل المائدة المناسبة للحفل. كان تحضر كل وجبة بشكل رائع، ولكنها تظل قلقة إن كانت أخفقت. حتى أن الجراثيم قررت فى النهاية عدم دخول المنزل تماما، لأنها عرفت أنها لن تجد مكانا فيه .
جالسا أمام الكمبيوتر، تساءلت؛ إن محوت الهدف الأعظم – بالنسبة لامرأة يكون رواية، وبالنسبة لأخرى يكون منزلا نظمته جيدا وحافظت عليه بحيث منعت التلوث والحزن من الوجود فيه – فأنت تقوم فى الحالتين بنفس الجهد. هذا هو الأمر. الرغبة فى إدراك المثل الأعلى، فى لمس المتعالى، فى خلق شىء أعظم مما يمكن ليد وعقل الإنسان أن تخلقانه، بغض النظر عن مدى موهبة تلك الأيادى والعقول.
بدا بشكل أساسى أن أمى ووولف مرتبطتان بمهمتين متشابهتين؛ الإثنتان تسعيان نحو مثل مستحيلة، والاثنتان لم تشعرا بالرضا، سواء بكتاب أو بكعكة، فى الحالتين لم يرضيا رغبتهما فى الكمال، هذا المعلق بعيدا عن المتناول.
هذا التشابه يبدو حقيقيا من خلال مضمون أعمال وولف، التى أصرت على أنه لا توجد حياة يمكن أن تهجر، وأن حيوات النساء تكون عرضة للرغبة فى الهجران أكثر من حيوات الرجال.
وهكذا أعدت تسمية أمى بلورا براون (وفقال لمقال لوولف معنون بـ "السيد بينيت والسيدة براون")، أصبح الكتاب ذا حبكة ثلاثية، وانطلقت من هنا.
ورغم أن الكاتب العظيم هو أولا وأخيرا كاتب عظيم، بغض النظر عن حياته أو حياتها أو أموره الذاتية، إلا أن وولف ربما تكون أعظم مؤرخة لحيوات النساء. نساءها لسن سيدات شهيرات لديهن سمعة. ومهاراتهن أقرب للمهارات النسائية التقليدية. السيدة دالواى مثل السيدة رمزى فى (نحو المنارة) هى مضيفة مثالية. الاثنتان لديهما موهبة كبيرة فى تنظيم حفل غداء، ويستطيعان مساعدة أى شخص ليشعر بالارتياح، ويتأكدان من كون الطعام وتنظيم الأطباق فى حالة مثالية. لعشرات السنوات بعد هذه الفترة، تحن نزدرى بشكل كبير هذه القدرات. والأفضال، كما يمكن أن يقال، التى للنساء اللواتى يعانون المشكلات العالمية، لا تزال حتى فى 2011 تنسب عموما للرجال.
جزء من عبقرية وولف يكمن فى رفضها النزول متعاطفة مع شخصياتها، ورفضها لتعظيمهن. ولكن الرجال فى رواياتها هم الذين يبدون سخيفين بعض الشىء؛ ريتشارد دالواى وعمله الصغير بالقضاء، السيد رمزى وحاجته المستمرة لإعادة التأكيد على عبقريته وقوته وقدراته. فبينما يعمل الرجال ويعبرون عن قلقهم ويندبون حظوظهم فى العالم، تبث النساء الحياة فى الرجال وفى عائلاتهن وفى بيوتهن. النساء هن التيارات الكهربية التى تسرى فى الغرف. النساء ليسوا فقط مصادر الراحة بل أيضا الحياة والاكتمال. النساء يعرفن أنه فى النهاية، نحن نظل فى حاجة إلى الطعام والحب، حتى بعد أن يأخذ وظائفنا الشباب، وتنتقل أعمالنا الأرضية إلى رفوفهم.
وولف كانت، وهذا لا يفاجئنا، غير واثقة مما تكتب، حتى لو كانت تكتبه بشكل رائع. هى كانت تعتقد أن أختها فانيسا التى كان لديها أطفال وعشاق وشعور عام بالحرية المهملة مع إخلاصها لنفسها ولرسومها هى الفنانة الحقيقية. وولف كانت تعرف أن أختها ربما لا تكون بالضرورة أعظم المثقفات، ولكننها ظلت تشعر بأن فانيسا ذات روح متوهجة فى حين أنها هى الخالة الثقيلة والنحيلة والعقيمة (زواجها بليونارد كان ودودا ولكنه لم يكن مفعما بالعاطفة) التى تقضى حياتها فى كتابة الكتب. هذه المهمة مثيرة للإعجاب ولكنها جافة جدا إن قورنت برعاية أسرة.
كانت تشعر بهذا حتى وهى تكتب (غرفة تخص المرء وحده)، الوصايا النسوية القديمة. التى يبدو أنه ليس من السهل عدم تنفيذها بشكل أكبر مما نتصور. ربما يمكن أن تقول أنه من معايير العظمة هو قدرة الفنان على التعالى على نفسه وعلى شخصيته، على قلقه وعلى خطاياه. وولف كانت تطلب المساواة للنساء، وفى نفس الوقت، كانت قلقة لأن عقمها كان يعنى أن حياتها كانت عبارة عن فشل .

(الساعات)، والذى كان العنوان المبدئى لرواية وولف (السيدة دالواى) فاجئت كاتبها وناشرها ومحررها، لأنها فرت مما كان يبدو المصير الواضح، وهى أن تُقرأ (غالبا بعدم رضا) من عدد قليل من معجبى وولف وبعدها تسير بما جمعته من كرامة نحو أرفف الكتب المهجورة. ولكنها باعت بشكل جيد (وفقا لقواعد الأعلى مبيعا) وبعدها وهى مفاجأة كبرى للجميع، تحولت إلى فيلم من المعروف أنه ناجح. حيث لعبت فيه نيكول كيدمان دور فيرجينيا وميريل ستريب كلاريسا، وجوليان مور دور لورا. عدد من الناس سألنى عما أعتقد أنه سيكون رأى وولف فى الكتاب والفيلم. أنا متأكد أنها كانت ستكره الكتاب، فقد كانت ناقدة حادة. وربما سيكون لديها تحفظات على الفيلم، وإن كنت أعتقد أنه كان سيسرها أن ترى نجمة سينمائية من هوليود تقوم بدورها.
أمى، الشخص الحى الوحيد الذى ظهر فى الكتاب، لم يعجبها الكتاب، وإن كانت ادعت بشجاعة أنها تحبه. أنا، المخلوق الأنانى، اعتقدت أنها ستكون سعيدة لفكرة أننى اعتبرت حياتها مهمة بما يكفى لتوضع فى رواية. ولكن لم يكن يخطر ببالى أنها ستشعر بالاستباحة والخيانة، وأن حياتها لم تفسر بشكل صحيح. أيتها الأمهات، لا تنشئن أولادكن ليصبحوا روائيين.
بعد عدة سنوات من نشر الرواية، وأثناء تصوير الفيلم، أكتشف أن امى مصابة بالسرطان. لم يكن هذا معروفا لمدة طويلة، وحينما عرفناه كان قد مر وقت طويل. عاشت لمدة أقل من عام بعد التشخيص.
كنت فى لوس أنجلس معها، ومع أبى وأختى أثناء أيامها الأخيرة. اتصلت بسكوت رودين، منتج الفيلم، وقلت له: أنا لا أعتقد أن أمى ستكون قادرة على مشاهدة الفيلم، هل يمكن أن ترتب لها رؤية أى شىء جاهز منه؟ رودين كان لديه عشرون دقيقة من المشاهد يمكن أن تعرض على شريط فيديو، أحضره مندوب إلى منزل أسرتى، وضعته فى التلفزيون فى حين انتظر المندوب بهدوء فى غرفة أخرى.
وجدت نفسى جالسا مع أمى المريضة والمحتضرة على أريكة كانت لدينا منذ كنت فى الخامسة عشر، نشاهد جوليان مور وهى تقوم بدورها، وكأن عملية تناسخها قد تمت وهى لا تزال حية.
هذه حادثة صغيرة جدا بالنسبة لطبيعة الأشياء. إنها من مظاهر الرحمة الصغيرة. إلا أنه بعد عشر سنوات، ما زلت مذهولا من طبيعة الأحداث؛ فمن جهة لدينا وولف التى تبدأ روايتها الجديدة، قلقة من كونها لن تكون أكثر من كونها رغبة عن كتابة تجربة فاشلة أخرى لإنسان آخر، مكتوبة بواسطة امرأة غريبة الأطوار أكثر من كونها عبقرية، كاتبة متطلبة تهتم بحيوات نساء عاديات فى عالم محاصر بالمعارك والآلام، ومهدد بأن يفنى كله. ومن جهة أخرى، وبعد 70 عاما، لدينا أمى، المرأة التى ربما ومن الممكن أن تكون قد كتبت عنها، ترى ممثلة متألقة تقوم بدورها، وتعرف (على الأقل أتمنى أن تعرف) أن حياتها تعنى أكثر مما سمحت لنفسها أن تتخيل.








[1] جيمى هندريكس (1942-1970) أمريكى، من أشهر وأهم عازفى الجيتار فى العالم.

السبت، فبراير 18، 2012

أنثي الشجر !


                                                     - الصورة التي أستحضرت الكتابة -


 * إلي :Amged Rayan و Elasmaie Bashri و ... هما في ملكوت البهاء الشجري !

 أراها هذي الأنثي ،
... أنثي الشجر :
تصغي إلي هديل النسغ
وهو يتصاعد من أعماق التربة
إلي حنجرتها...
يااااه ،
منذ متي سرقت الخفقان
من طفولة الغابات ،
ثم جعلت نبضها في
غصونها ،
في القلب منها والرئات ؟
كأنها تصرخ :
" من يعيد للعالم
أشجاره الفاتنات" ؟
نظرت إلي شعرها الشجري
الطويل طويلا
فتذكرت الجميلة التي كانت
في البنات !
وشلالات بلادي تتساقط علي
دفاتري قصائد حب ،
وبساتين فرح ،
فيزهر في جسدي النبات !
مخضرا ،
بهيا ،
يضئ علي مرايا قلبي
فيزداد الوجد مني
يا" شجري " !
نظرت إليها ثانية ،
لا تزال في عريها تفيض
زرقة هائمة
رغم السحابات البيض
من حولها هاربة !
بدت كأنها تشق السماء نصفين :
نصفها الأول يميل إلي الليل
متدليا كالوشاح
علي أوراقها / فساتينها الخضر
وخصرها
ونهودها
وخواتم عرسها
حتي الصباح !
وتراءي من بعيد قرص الشمس
معلقا كقلادة ،
تحيط منها العنق
فيزيد في عصيرها الشبق
ويصطبغ بالوردي ،
من حولها الأفق !
أما النصف الثاني ،
فلا يزال يشرق في دم الغصون
بكل عذوبة الشجر ،
وبريق العيون .
بعد برهة ،
سيشرق منها السماء
ويذهب عنها الظلام
ليبدأ يصدر عنها
رحيق الكلام :
شجو الشجر ...
أليس " كل شئ شجر "؟!
 
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
* الصورة  " العجيبة " كان قد أستعارها الشاعر الصديق الأصمعي باشري من صفحة  أمجد ريان ثم نشرها علي صفحتي بالفيسبوك ، فأستدعت - جراء فتنتها البادية - أشعارا وتعليقات جميلة و ... تستحقها !                                                      

السبت، فبراير 11، 2012

تأتيني بأزرقها !

 
                                                                          - بيكاسو -

 تطلق في فضاء مواجدي ،
عصفورها الناري ،
يحف به الندي !
يحط بجانبي ثملا ...
ليغفو ،
لكنني ...
وأنا المسهد / المجرح
بالغياب وبالجوي
أراه !
تتراكض الآهات في خفقاته
فيكاد يوشك أن ينام
ويضيع في سرب الغمام!
يكاد ورد الليل فوق جبينه
يهتز
تبرق في يديه ،
مسافتان لنافذتين
و ... قبلتين
وبعض آه ،
لكني أراه !
فرحا بهبات فتنتها ،
الآن ،
في حلمي أراه !