Powered By Blogger

السبت، مايو 26، 2012

و ... للنساء وجوها في الحب !

                                                         - هل تراها حزينة ؟ -
في النسا ء ،
عديدة هي وجوه الحب ،
منها :
العارية المفضوحة في صراخها الليلي
كأنها النيزك يشق ظلام الحجب
وتوترات الصخب !
والصامتة التي لا تبوح بكنونها
إلا لعصافيرها وحدها
فتدخل إلي شغاف القلب عنابها !
ومنها ، المراوغة ،
التي تتراقص في سامر الوجد
ولا تقيم وزنا لقرب يوفر لأحضانها
مأوي ولا مهد !
وتلك اللامعة التي تضئ وتؤمض
حتي تخالها قد كسرت مراياها
بفعل النبض !
وواحدة تراها ، في بؤبؤ عينيها
ساحرة ماكرة
تسوق الدلال في صدرها ،
لتبدو في ظلال مدائحها سامقة
فاتنة
فتدس في خصر حبيبها أغنية
لا نادمة هي
ولا خائفة !
وتلك التي لا تري من دنيا الناس
إلا حبيبها ،
تهدهده فوق نهديها ،
تنومه ،
وتظل هي الصاحية !
تحلب إليه عصير الغيوم
ولعاب سرتها الحامضة !
لكنها ، هي وحدها ، التي جرحتني
ثم ظلت في عنادها سادرة !
ضيعتني ،
حد أن عذبتني ،
بنبوءاتها الشاردة !
لفظتني ،
وبدت في لياليها
مزهرة لاهية !
لكنها في رؤاي
في " مناي "
تظل هي " السوسنة " الزاهية !

الأربعاء، مايو 23، 2012

في ندوة " مسارات بركة ساكن " كان حاضرأ ، محمد الصادق و ... يحدثكم !

                                                    -  صاحب " الأخوات " -
* هذا المساء ، شرعت - كعادتي - أتصفح كتاب " أخوات ميم " لمحمد الصادق الحاج ، ولدهشتي ، وجدته في ص 101 كأنه كان حاضرا الندوة ، ثم - من بعد - شرع يرد علي من تناولها قدحا أو تقريظا ، أنها ، في ظني ، ذات الحالة التي صرنا فيها وحدس بها هو ! احببت أن أشرك قرائي هذا الفيض النوراني من الشعر الراقي ، وأعهم بنشر الكتابة عن " الأخوات " قريبا !
---------------------------
"ما لن يدركه أحَدٌ مُطْلَقاً، ولا حتَّى أنا ـ رغم ما سَلَفَ مِنِّي مِنْ إقرارٍ قَضَى بِأنِّي لَسْتُ أحَداً ـ هو، لِمَنْ؟، ولِمَ هذا العذابُ الإنشائيُّ المطَوَّل، ما نوازِعُه؟، كيف كُلُّ هذه العيونُ مريضةٌ، وأيُّ طِبٍّ سَيَتَوَلاَّها بِرَحْمَانِ المخاليطِ المستحيلِ، وما مِنْ عَشَّابٍ يزرعُ الغَمْضَاتِ الرَّخِيَّةَ وشهقاتِ البراءةِ في هذه الدِّيارِ، كلاَّ!، ولا التُّجَّارُ السَّفَرَةُ يجلبون في رِكَابِهم من البلادِ المجهولةِ نُوَّارَ الأسئلةِ المُعَسَّلَ ومزيجَ الصَّهيلاتِ وخمرَ اللِّحاظِ النَّاهِدَةِ تحت براقِعِها في البراري؟!. أثَانِيَةً هذا الحزينُ أتَى رافعاً قرونَه؟، أوَثانِيَةً يُلَوِّحُ في وَجْهي بقبضتِهِ السَّرديَّةِ هذي؟، ماذا؟، ماذا يقول؟،...، أهْ، سَمِعْتُهُ هذه المرَّة!، ولن أسمحَ لِنَابِيَاتِهِ التَّرْبَوِيَّةِ بِأن تشهدَ صلاحاً وتقوَى داخل هذا المَقْدِسِ الزِّرَاعِيِّ الغالي، ولن يَقِفَ نَقَاؤهُ عائقاً أمامَ نكاتي وقنصي وألعابي، فأخوكَ ياصَاحِ بلا وازِعٍ ولا يَأكُلُ الثَّناءَ، صوتي يعلو هُنَا، ولا أنوي إزاحةَ خِمَارِ الثَّوْرِ عن قلبِك، فكيفَ لِجَنِينٍ مَحْرُوفٍ ومَنْقُوطٍ مِثْلَكَ أن يصطبِرَ على رخاءِ الصَّفْرِ ونعيمِ الصَّاد. أتَمْضَغُ الآنَ عِلْكَةَ البِلَّوْر؟. يَجْدِرُ بك ذلك لِتَحُوزَ شَرْطَكَ الحاسِمَ كجُمْلةٍ مفيدة، وإلاَّ فَلَنْ يَعِزَّكَ اْنتحارُكَ، وسَتَلْقَانِي في سِجِّينَ، أيضاً، أرْعَى سِرْبَ تناقضاتي وسط السَّافِلينَ الكُمَّلِ والحمير. ألَيْسَ العبثُ نَجَّاراً؟، أوَمِنْ رسولٍ خَلاهْ؟. فَمَنْذَا سينشُرُ الجنونَ خشبةً فخشبةٍ إن لم أفعل؟. وأنا صاعِدُ الدَّرَجاتِ الألْفَ التي مِن رنينٍ، أجُزُّ خُضْرَوَاتٍ في نورِيَ الشَّخْصِيِّ أهَاجَها الصَّمْتُ بِإرسالٍ خفيضٍ اْنْطَوَى على ذُرِّيَّةِ المزرعةِ المكتوبةِ بجانبِ الصَّفَحاتِ البيانيَّةِ الظَّليلةِ بِأرْضِ الملامح. أحْزِمُ الجَّوْهَرَ بنظراتٍ متينةٍ مِنْ لِيفِ الانجذاباتِ الـ...، ولكن ما بَالُهُ هذا الخريفُ يرمقني شزراً؟. أغاضِبٌ عليَّ أيضاً أنت يا خريف؟. أنصحُكَ بحليبِ الحزنِ، ولا بأس بملعقةٍ من برميلِ التَّقْوى، كذلك، قد تَفِيدُ مِنْ كلبِ الرَّحْمَةِ لو أنابَ أو دِيكِ العدالةِ لو باعَها أو حريرِ الحُرِّيَّةِ لو ضَحِك. يا خريفُ، أتَدْرِي ما الإصبَعُ الوُسْطَى حين أثْنِيها إلى باطِنِ راحتي، وأهُزُّها أمامَ عينيكَ، مَقْرونَةً بإحدى أهازيجِ السَّمَّاكَةِ في مراكبهم؟. ألا تدري؟. أقولُ لك؟. بِأعْمَقِ الوَطْءِ أثَرَاً على طريقِ الجَّوَّافة، يجوزُ لك أن تبيضَ سواخِطَك!، لكن، فَدَيْتُكَ، لا تُرِنِي جَفْنَكَ المقلوبَ هذا مِنْ بَعْدُ، هَا؟. لستُ أصْلُحُ لأن أكتبَ لك ما تفهَمْهُ من ملابس، وما يصيبُكَ من الفاكهةِ إلاَّ الأسئلة!. لا تُرْسِلُ الفاكهةُ اْستفهامات!. وبما أنَّها لم تُوْكِلْ أحَدَاً بِأنْ يُخَيِّطَ لِلْعُرْيِ إجاباتٍ، ففي هذا من الإبانةِ ما يُخْرِسُ حتى لسان المُمْكِنِ ويجعله على يقينٍ من أنَّ لا كَلْبَةَ في الفِرْدَوْسِ المؤرَّقِ ذا ترتضي لنفسها وظيفةَ عامل الإستعلامات أو حتى المعلِّم. لاشَيْءَ هنا يستحمِلُ عَيْبَ أن يكونَ مفهوماً!، لاتَهْزَأْ!، فهناكَ محلاَّتٌ حقَّاً يُمْكِنُ أن تَفْهَمَ بِوَسَاطَتِها الواصلةِ ما تَوَدُّ مِمَّا أعْضَلَ عليك وبغايةِ الوضوحِ، خْذْ أقْرَبَها إليك مَثَلاً، سُوق الصُّوَر. ليست الجَّوَّافَةُ مُؤرِّخَةً، وهي لا تَنُوءُ بطموحاتٍ خُلُقِيَّةٍ مِنْ مِثْلِ مُعاشَرَةِ الواقعِ والانفعالِ بِهِ أو مَعَه ثُمَّ تقليبِهِ بالجَّرَّافاتِ الحِبْرِيَّةِ بغايةِ العثور على مُسْتَحَاثَاتِهِ الفكريَّةِ وطَرْقِ مَوَاطِنِ الجَّمَالِ أو العناءِ فيه. هذا عملٌ يُؤَدِّيه الأذكياءُ بَحَّاثَةُ العلومِ الإنسانيَّةِِ والهُجَنَاءُ من عبيدِ الحقيقةِ الذين، لا تَخَف، عَمَّا قليلٍ، لن يكونَ هنالك غيرهم في أرضِ التَّسْلِيَاتِ العظيمةِ هذي!. لَقَد ارتَضَى الأثَرُ اللَّوْحِيُّ العظيمُ المسمَّى شِعْرَاً، ضِمْنَ سُرَاهُ الأزَلِيِّ على الأرضِ، أن يكونَ صِفَةً، فأَزْهَدَتْهُ في ما عَدَاها وكَفَتْه!. هو الدَّوَّامَةُ الصِّبْغِيَّةُ الفارغة، هو الثُّقْبُ الأسوَدُ المُسْتَعْصِي على تخطيطاتِ الزمنِ والفضاء، يَرْكَنُ إلى مُسْتَطِيعِيهِ ويَنْغَمِرُ في عارِ التَّعْبِير، فاْلْتَقَطَتْ فِرَاؤهُ العَصَبِيَّةُ المقلَّبَةُ كُلَّ ما لا صِلَةَ له به من جواهرِ الحّيِّ والمُتَبَدِّدِ، فَتَقَسَّمَ أرْفَفَاً وطُسُوتَ ليأخُذَ السَّائحُ ـ حَالَكَ ـ سِلْعَتَهُ المُوَاتِيَةَ وصِفَاتِهِ الوجدانيَّةَ المُجَرَّبة، وتَوَزَّعَ ـ الشِّعْرُ ـ أغراضاً وطِبَاعَاً مُقَدَّرَةً بالقنطارِ والأوقيةِ، واْلْتَحَقَ بِوَظَائف. وهي مُحَدِّداتٌ دقيقةٌ محسوبةٌ، ويَصِحُّ لَوْ عُدَّ أيُّ خروجٍ عنها خروجاً عن الشِّعْر!. فَلِمَن أحْفَظُ هذه الصِّفَةَ وقد اْنْقَطَعْتُ عن طباعِها: شَاعِر!. أ لأتَّخِذَ منها عماداً عليه أسْنِدُ بِئْرِيَ الخائرة؟، أ لأسْتَمِدَّ منه شرعيَّةً وغطاءً لوجود كلّ هذه العَوْرَاتِ في قلبي؟. إذَاً فقد اْحْتَمَى الصَّبِيُّ الخائفُ وهو يمشي في ظلامِ الوجودِ بالشَّرِّ الفاتِكِ يَحْسَبُهُ غريباً عابراً قد يحميه من الشَّرّ!، واْلْتَمَسَ الصَّيَّادُ شرعيَّةَ القَنْصِ في المستحيلِ ـ وهي ليست شرطاً بحالٍ ـ من والدٍ أُحْفُورِيٍّ لم يَعْدْ هو ذاتُهُ شرعيَّاً إلاَّ بحسبانِهِ تاريخاً له ما للأثَرِ من جلالة. لَيْسَ طيِّباً، وإنَّهُ لَيُوْحِي إليَّ بِشَيْءٍ من العَوَارَةِ، ان تُبَارِكَ وَصْفَكَ بِـ«شَاعِر»!، شاعِر!!، شَاعِر!!. ثُمَّ ـ وقد شَحَذْتُ على هُدَايَ الجَّافِّ شفرةَ الصوتِ بيننا بلا هَوَادَةٍ، وبَدَا بيِّناً أنَّ الأمْرَ لَمْ يَعُدْ هُذَاءً كما كان، بل أمْسَى محاضرةً، موعظةً، خُطْبَةً، ذَوْدَاً رشيداً عن البئرِ والجَّوَّافَةِ لا يأتيهِ الباطلُ من جَبَلٍ ولا من بِئْر، يستشهِدُ بي، مِنْ أنِّي لا أنْشِئُ قصيدةً هنا، لذا لا أبدو صارماً في حساب المقادير ومراعاةِ وضع أختام الجَّودة والإقرارِ الضريبيِّ، بل أستنْزِلُ كُلَّ ما يحومُ في الجّوارِ وأُوْتِيهِ الحَقَّ نظيفاً في أن يأوِيَ إلى فجريَ المُعَطَّلِ بلا تَوَثُّقٍ من صحيفةِ أخلاقِهِ، مُتَّخِذَاً من مجاهَرَتي السَّالِفةِ بِشَأنِ عَدَمِ حِرْصِي على رضوانِك عنِّي سَبَباً كافياً لي لأن ألْهُو بِمَكَاييلِ العَدَمِ وأخشَابِهِ العَدْلِيَّةِ الذَّارِيَةِ بلا خَشْيَة ـ إنِّي لَمُزْدَهِرٌ كالعُضَالِ في هذا البَدَنِ هذه المياهِ، بَعْدَ أنْ تَكَشَّفَ لي غيابُ المُمَثِّلاتِ عن تَلٍّ غامضٍ من أجداثِ طيورِ الجَّبَرْكَلِ المُحَطَّمَةِ ينمو في صفاءِ الأفقِ الرَّقميِّ ويَتَضَوَّرُ سُرْعَةَ التَّصْدِيقِ مِن قَوْمٍ يُحْدِثُونَ المعجزاتِ بلا اْنْفِعَالٍ ويصيحونَ مندَهِشِينَ إذْ يَرَوْنَ الزَّهرةَ أو الشَّفَق. أنْعَامُهُم، ثَرِيدٌ جَبَلوهُ من أضَاحٍ مَنَوِيَّةٍ تَفُورُ كَرِغْوَةِ المُسْتَقْبَلِ الزُّخْرُفِيَّةِ الكاملةِ في تَنُّورِ التَّوْحيد. أنعامُهُم الكسيحةُ، بُطُولَةٌ سَعَادِيَّةٌ جَلاَّدةٌ مَطْلِيَّةُ الأحشاءِ بما بَقِيَ من ألواحِ القُزَحِ المذبوحةِ التي لَوَّنوا بِنَجِيعِها صُوَرَ ومصائرَ التَّصْمِيماتِ الدَّقيقةِ لأشراطِ مَنْ يُنْبَغي أن يَمْرُقُوا مِن خيوطِ مشيماتِهم الوجوديَّةِ مُتَّخِذِينَ على سيماهم الباهرةِ شِيَمَ الشُّهَداءِ، وأن يُبْلُوا بِقِياماتِهِم أشِعَّةَ العَدَمِ الهَدَّام بحيثُ تَخْلُصُ أجْرَامُهم الدَّامِيَةُ لِخِدْمَةِ الحُرِّيَّةِ الأرْمَلَةِ التي نَاكَتْها صِيَغُهُم الفِرْدَوْسِيَّةُ ونَظَرِيَّاتُهُم الجَّامِعة. أنعامُهُم الكاسِرَةُ، تماثيلٌ مُنْتَعِظَةٌ مُلَطَّخَةٌ بالشُّرُوقِ، تَعْدُو على السُّهادِ قاطِفةً أقداسَ؛ وَسَامَاتِ؛ أمْكِنَةَ؛ قلوبَ؛ بَكَارَاتِ؛... واْحْتِشَامَاتِ الصّلصالِ الذي أثْقَلَ الخيرَ بِأجِنَّتِهِ اللَّبَنِيَّةِ المُهَنْدَمَةِ وأعْدَى مكانَ المَهْتوكةِ بِزُكامِهِ المشيجِيِّ الخصيب. أمَّا أنعامُهُم السَّائرةُ في الدَّيْنُوناتِ، فَيَقِينٌ عَفْنٌ تَنَاسَلَ داخلَ الآنِيَةِ التي مِن بَيَاضٍ، نَصَّبوه جلاَّداً جَوْفِيَّاً لِيَسُوطَهُم بالحروفِ الجِّلْدِيَّةِ المَسْقِيَّةِ قِطْرَاناً ويُرَبِّيهم. السَّهَرَةُ على التَّرْقِيمِ لا يَمَّحِي، وعلى الطَّبَقِ لا يُمْطِر، وعلى الكمالِ خيفةَ ينجبُ أعضاءَ تناسليَّةً تُبْصِر. سأعْهَدُ إليك بِسِرٍّ غَضٍّ فلا تُمِتْهُ بالورعِ وبَشَاعَةِ الكتمان،... لَقَد أُحِلَّتْ لِيَ الأنعامُ جمعاءَ ذات يومٍ، فأجْفَلْتُ مضطرِباً وبكيت. كنت أعرفُ منذ الأوَّلِ أنَّهم قومٌ ذَوُو خطوةٍ في البئرِ، وأنَّه ما أصابت عيونُ الجَّمَالِ درَجَاتِ الأفقِ الرَّقْمِيِّ إلاَّ بمباركةِ أمثالِ هؤلاءِ المغتبِطينَ بِدِفْءِ حِجَابِ القبول. بكيت. كان أمْسِيَ مضروباً بالفَرْهَدَة، وكان أدنى من الزَّهرةِ والشَّفَقِ للسقوطِ في قُزْحَةِ الشَّهيدِ أو قُزْحَةِ البَطَل، وفي المجالِ فَيْضٌ من الثَّنَاءِ وتسليحاتِ الغَيِّ، ولكنِّي بكيتُ، وأشْهَرْتُ اْنحِلالي لا حُلُولِي، وأوْجَبْتُ على القَوْمِ زُرَّاعِ العصافيرِ المستقبليَّةِ داخلَ الخرائبِ المُعتمةِ يومَ مَطَرٍ، أن يَطْرُدُوا تِلاَلِيَ الغامضةَ متى ما رَأوْهَا تُحَلِّقُ فوق جَنَّاتِهِم، وأن يَسْتَجْلِبوا مِن بَعْدُ فَزَّاعاتٍ مصنوعةً من روحِ التَّراكمِ الأسطوانيَّة فيصيرُ بذلك في مُمْكِنِهِم أن يستشعِروا آلِيَّاً كافَّةَ التَّهَيُّؤاتِ السِّحْرِيَّةِ المُطْبِقَةِ بِيَدِها على أطرافِ قُوَّةِ العمل. السَّرّ؟، ألَمْ تُدْرِك السَّرَّ لِسَّه؟!".
---------------------------------------------------------------------------------
* نرحب جدا بالأراء و التعليقت بصدد كتابة " الأصمعي " ثم ، هذه " الحدوس " من " الأخوات " !

ما كتبه " الأصمعي باشري " حول الندوة !

                                                           - الأصمعي -

مسارات بركة ساكن بين عنصرية المتنبئ وشعرية محمد الصادق ..ما هكذا تُمزق الاقنعة يا جابر حسين

by Elasmaie Bashri on Friday, May 18, 2012 at 4:10pm ·
  • لن أكون حذرا فى تناول الموضوع ولست مثقلا بموازين الحياد ..هكذا خرجت مشحونا بالفكرة من القاعة الفخيمة القابعة فى رئاسة مجموعة شركة دال هذا المساء ,حيث ذهبت بالعديد من المشاعر والاحاسيس المتناقضة ولعل فى مقدمتها لقائى الاول بالاستاذ جابر حسين الناقد والمثقف السودانى بلا منازع وثانيها لقائى الثانى بالروائى الحصيف عبد العزيز بركة ساكن وهو يحاور القراء والمهتمين بالشأن الثقافى السودانى فى احلك مشاهده واخطر منعطفاته بوجه التحديد
وقبل أن أدلف لصلب الموضوع فلزاما على أن اسجى أسمى آيات التقدير لمنتدى دال الثقافى الذى هيأ هذا اللقاء وجعله ممكنا ..
لا أحد يشك فى مقدرات الاستاذ جابر حسين النقدية والكتابية والتى يرفدها بمعارف واسعة وقراءات عديدة فى شتى ضروب الادب والفن أهلته ليكون واحدا من أعظم كتاب النقد والمقال الصحفى خلال السنوات الاخيرة ,ان لم يك أولهم بلا منازع فى أزمنة القحط والضباب الثقافى الكثيف الذى يجتاح المشهد الابداعى السودانى بوجه التحديد ولعل من نافلة القول فان الرجل يستحق ذلك وأكثر ,بيد أن الاستاذ جابر حسين لم يحالفه التوفيق هذه المرة فى فتح مسارات الروائى بركة ساكن الكتابية ولم يكن موفقا ايضا فى الاشارة الى الكيفية التى مزق بها بركة ساكن الاقنعة والتابوهات الاجتماعية والسياسية فى السودان ,أقول هذا وانا لا أدرى الظروف والمعطيات التى صاحبت اختياره لتقديم تلك الندوة ولا اعرف اجابة السؤال التالى ..هل كانت هنالك موجهات فُرضت عليه وهل ثمة يد خفية استطاعت التأثير على تناول الاستاذ جابر حسين لموضوع الندوة وتحديد أجندة بعينها مثلا محاولته لالقاء الضوء على مشهد الكتابة السودانية الجديدة كتقدمة تشعبت وطال زمنها لتأخذ أكثر من نصف زمن الندوة برمتها والاسهاب كثيرا فى الاشارات لاسماء شعرية شبابية بدأهم بالصادق الرضى مرورا بعاطف خيرى وبابكر الوسيلة وتعريجا لاسماء اخرى جديدة فى المشهد الشعرى السودانى بدأ من محمد الصادق الحاج مرورا بناجى البدوى ومازن مصطفى وأحمد النشادر ومامون التلب موضحا لضرورة الالتفات لهذه الاصوات وكتاباتهم المغايرة والمختلفة خصوصا المجموعة الشعرية لمحمد الصادق الموسومة بأخوات ميم وكيف ان هذه الكتابة أعتبرها واحدة من الكتابات الابداعية المكتملة فى شعريتها البازخة ولغتها الشفيفة ونبوءة رؤياها وتماسك عناصر نصييِّتها ..حتى أن الملتحق بقطار الندوة فى تلك اللحظات سيندهش من اختلاف عنوان الندوة على الخلفية من المنصة واحتفائية مقدم الندوة بشعرية مبدع آخر ..فكان من الاجدى اذا كانت ضرورة التقدمة أو التمهيد لمدخل موضوع الندوة ان يذكر جابر حسين التحديات التى تجابه مشروع الكتابة الجديدة فى السودان ومحاولات البعض فى اجتراح وسائل ولغة جديدة تصب فى خانة الثورة على القديم والتغيير الذى تجاوز مفهوم السياسى والاجتماعى كمدخل لابداعية بركة ساكن والبدء من هذا المنطلق لفتح مسارات كتاباته الروائية وطريقته الابداعية والجمالية فى تمزيق الاقنعة ..فطول الفترة الزمنية فى الاشارة للكتابة الجديدة والاحتفاء بشعرية محمد الصادق الحاج انعكست اثرا واضحا وجليا كموضوع اساسى فى الندوة حتى على شكل المداخلات والتساؤلات اللاحقة لجمهور الندوة واكتفى الاستاذ جابر حسين بفتح مسارات بركة ساكن الروائية بقراءة احتفالية وجمالية قصيرة كانت بعيدة لكل البعد لا عن النقد وبل عن القراءة نفسها والتى اشار اليها جابر نفسه من انه سيتجاوز مأزق النقدية الكلاسيكية لموضوع الندوة ومحاولا فى أكثر من مرة التنبيه الى انه لا يتعمد كثيرا خلط الاوراق واقحامها فى السياسى وليته فعل ولو بخجل لقطع نصف أرض تمزيق الاقنعة وابقى على ظهر الكمال لجمهور الندوة الذى تأثر أيضا بمقدمها حيث جاءت كل المداخلات باعتبارها قوة استعراض لعضلات القراءات والمعارف بعيدا عن الموضوع ,والحق اقول فقد خلت من العلمية والامانة بالتزام موضوع الندوة الا مداخلة واحدة لمدة خمسة دقائق كانت من نصيب احد الجمهور ويُدعى أحمد الحاج فقد قدم قراءة مسئولة لكتاب بركة ساكن العاشق البدوى أعادت الندوة لمسارها الطبيعى أما ماتبقى فقد كان زبدا لاينفع الناس ولا الكاتب ,
ملاحظة أخرى حول الرجاء المريب للاستاذ جابر حسين والذى حُظى بالاطلاع على مخطوطة بركة ساكن الروائية الجديدة (قيد الطبع) والموسومة بذاكرة الخندريس أو من يخاف عثمان بشرى ..حيث طلب من الكاتب أزالة مقطع الشاعر العربى ابو الطيب المتنبئ المصدر للمخطوطة معللا ذلك بعنصرية المتنبئ برغم الاعجاب بشاعريته كموقف انسانى وهذا موضوع يطول الحديث فيه ويحتاج لمقال منفصل نتتبع فيه حياة الشاعر المتنبئ ومواقفه التاريخية ..فكيف يمكن بين لحظة واخرى اخراج ابداعه من سياقه الجمالى والتأريخى ولى عودة !
--------------------------------------------------------------------------------------------------
* نشرها " الأصمعي " علي صفحته في " الفيس " وبالملف الثقافي لصحيفة السوداني السبت 19/5/2012م.

و ... عادت السوسنة !

    عاد ...                                             - السوسنة -
الليلة عاد
يا إرم التي في البلاد !
... لست أعرف ، بعد ، كيف عاد
ولا من أين عاد !
لكني رأيتها بأم قلبي
وهي تزيل عني العطن !
تري في ملامحنا ،
المراوغة الحزينة والمحن
وفي عيون الناس،
سيماء الآسية و ... الشجن !
سوسنتي ...
بعضا كثيرا في حياتي ،
وجها أليفا في الوطن
عشقا وتحنانا
و أبحارا شذيا في الزمن !
                                                          

الأربعاء، مايو 16، 2012

بركة ساكن و ... تمزيق الأقنعة !

                                                             - بوستر الأمسية -

تقديم:

يقدّم منتدى دال الثقافي، خلال هذه الأمسية، عَرضاً شيِّقاً لتجربة القاص والروائي عبد العزيز بركة ساكن، وحوار مفتوح بينه وبين الجمهور. وهي مسيرة مثيرة للجدَل، فرغم ابتعاد أضواء المدينة عنها، بمنتدياتها ومنابرها لزمنٍ طويل، إلا أنها ـ التجربة ـ أثبتت وجودها بجدارة، داخل وخارج البلاد، معتمدةً على قوّتها الذاتيَّة، وقدرتها على اجتذاب الجمهور من مختلف الفئات والأعمار.

يتعرّض لهذه التجربة هذا المساء الشاعر والناقد جابر حسين، والذي يَتَهرَّب ـ بطريقةٍ مريبة ـ من تسمية (شاعر) هذه. ويُمكن أن يُغفَرَ له التهرّب بالاستناد إلى أن الألقاب لن تَستطيع أن تُعرّف أنواع الكتابة التي دَرَجَ جابر على إلهابنا بها؛ فأعماله المنشورة في الصحف، وعبر الانترنت مُؤخّراً، سَخَّرت نفسها لملاحقة الحيوات السريَّة، والمشاعر المُغفَلَة في سِيَرِ الكتّاب والشعراء والفنانين. وبذلك يُمكن أن يُوصف بأنه، أيضاً، مُمَزّقُ أقنعةٍ مُحتَرف. لكنّ المكتبة السودانية، وبكلّ أسف، لا تَحمل في صدرها ـ المشوّه عمداً ـ سوى كتابٍ واحدٍ له: (كجراي، عاشق الحريّة والقول الفصيح). إلا أن خروج ذلك الكتاب كان شافياً لظمأ القراء المتنبِّهين لتجربته الكتابيَّة. وكيف لا يُصيبهم الظمأ وهم يُتابعون مُشعل الروح القديمة والخالدة لشاعر إسبانيا العظيم (فيدريكو غارسيا لوركا) عبر مقالٍ مطوّلٍ عنوانه بـ(لوركا، ريحانيّة الألفيّة الثالثة أيضاً)، ونشره الشاعر الصادق الرضي في الملاحق الثقافية في الصحف!. فالرجل يمتزج بحياة الشاعر الإسباني بذات القوّة الضاربة ـ المُمَيِّزة لإيقاع كتابته ـ والتي بَذَلَها في الكتابة عن صديقه الشخصيّ، الشاعر محمد عثمان كَجَراي، تلك القوَّة الضاربة التي من الممكن أن تتَحوَّلَ تنيناً بآلاف الرؤوس يَنظر، بكلّ ذلك العدد من العيون، في عيون المستهترين بالعظماء وإنسانيّتهم، تماماً كما فَعَل في كتابه الجبَّار (جملةٌ في تبجيل الفنان وردي). وبذات القوَّة تتحوَّل الكتابة الضارية إلى لطافةٍ ومحبّةٍ بَحتة؛ أعماقٍ تُخاطبُ العاطفة والوعي بحكمةٍ تستطيع أن تُطْرِقَ رأسَ المغرور الذي لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولا.

يبقى أن نقول أنَّ جابر صديق الفنان. والـ(جابر) ـ بتعريفٍ آخر ـ هو من يستطيع أن يَرَى الخير ويغفر الطيش ويُفتنُ بجماليات الشرّ، ومن ثمّ يَجبُرُ ذلك كلّه أمام غَضَب العَقل الجَمعي، المُتحامل كثيراً على الإبداع المُخَالِف لما عَهِدَ؛ مُتجاوزاً، بذلك، الصراعات السطحيّة، التصنيفيَّة، والاقصائيَّة. فهو يُتابع، بشغفٍ، الحياة الشخصيّة للكُتَّاب عن قرب، واضعاً أعمال الفنان ذاتها نظَّارة يُراقب من خلالها تلك الحياة.

و القاص والروائي عبد العزيز بركة ساكن معروفٌ لكلّ من حضر هذه الليلة، ولآلاف القرَّاء المنتشرين في هذا العالم الفسيح؛ فهو قد أصدرِ إلى الآن ستة كتب، طُبعت لأكثر من مرّة وبِصِيَغٍ مُختلفة؛ إذ خَرَجت إلى الوجود بدايةً ثلاث روايات [الطواحين ـ رماد الماء، وبعد زمنٍ لحقت بهما رواية (زوج امرأة الرصاص وابنته الجميلة)] لتنتشر في المكتبات وبين الكتب المفروشة على أرض المدن السودانية بأسواقها الكبيرة، ذلك ما أكسبه تلك الشعبيّة الكبيرة وسط الطلاب والشباب، وسخطاً نَقديَّاً سطحيّاً لم يتجاوز في نَظرته ما يسمّيه العقل الجَمعي بالـ(فسوق)، وذلك، بالتأكيد، لم يؤثّر على مسيرته الشجاعة، فأصدر كتابه القصصي المثير (امرأة من كمبو كَديس). شَكَّلت تلك الاعتراضات السطحيّة على تحربته مُقَدِّمةً منطقيَّة لملاحقة السلطة لأعماله وحَجبها، من بعد، وأحياناً بطرقٍ طريفةٍ مثلما حَدثَ بعد أن أُطلِقَ (قِيْد) كتابه (على هامش الأرصفة) بِيَدِ وزارة الثقافة، لتقوم، ذات السلطة، بلملمة النسخ من الأسواق القليلة المتبقية في الخرطوم بعد توزيعها. كما أن أعماله مُنِعَت بصرامةٍ من دخول البلاد من الأساس، مثلما حَدَثَ لروايته (الجنقو مسامير الأرض) الفائزة بجائزة مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أعني جائزة الطيب صالح الروائيّة! تُرجمت أعماله مؤخراً إلى اللغات الانجليزيّة والفرنسيّة، وربما نشهد ترجمات للغات أخرى في المستقبل القريب؛ إذ أن صيته ذَاعَ في السنوات الأخيرة، خصوصاً وسط قرّاء اللغة العربيَّة. أجرى العديد من حوارات في صحف ومجلات خارج البلاد، كما أن أعماله القصصية والروائيّة انتَشَرت في مواقع الانترنت العربيَّة المُمَيَّزة بكتّابها العالميين. وتجد كتبه إقبالاً كبيراً في المكتبات ومعارض الكتاب العربيَّة.

إذاً هي تجربة تستحق التوقّف عندها، ونأمل أن نستمرّ في (منتدى دال الثقافي) في عمليّة إضاءة العديد من التجارب التي أنجَزَت قدراً كبيراً من النجاح، داخليّاً في بدايتها، ثم خارجيَّاً بعد سنوات، وهو ما يَلفِتُ الانتباه إلى هشاشة المقولة التي تُؤكّد أن القارئ السوداني لا يقدّر فنّانه إلا بعد أن يقدّره "الآخر الخارجي" إن صحَّ التعبير. أترك الفرصة للأستاذ جابر حسين ليتحدّث عن تمزيقه للأقنعة، ونكتفي بهذا القَدر.
--------------------------------------------------------------------------------------------

بركة ساكن و ... تَمزِيق الأقنِعَة!
جابر حسين

مع بداية الألفيَّة الثالثة بدأ عالمنا يتغير، تغيرات جذرية ونوعية كبيرة، شَملت تلك التغيرات الكونية كل أوجه الحياة تقريباً: في الفكر والثقافة، في الاقتصاد وفي الاجتماع وفي السياسة؛ انهارت "مفاهيم" وتصورات معرفية عديدة وتداخلت مع حياة الناس! انهارت، مطلع التسعينيات، العديد من الدول الاشتراكية فور انهيار الاتحاد السوفيتي، وقال الكثيرون بانهيار الآيدولوجيا، وبَدَأَ العالم وكأنه يدور في فَلَك الرأسمالية، في أعلى مراحلها، في ما عُرِفَ بـ"العولمة"! أعتقد أن الأدب، بجميع ضروبه، كان يَرهَصُ بملامح الجديد؛ في الشعر والقصة والرواية والتشكيل وفي المسرح، والفنون عامة، بدأت مرحلة إبداع جديدة وبملامح أيضاً جديدة!. وللملاحظ أن يرى أن الشعر بالذات، ثم الرواية والقصة وبقية سائر الآداب، كانت هي التي حَدَست وأرهصت بفعل الثورة والتغيير! وذلك موضوع درسٍ وبحثٍ كثير سيأتي عندما يُنظَر إلى التغيّرات الأدبية التي حدثت عندنا! خذ مثلاً تغيرات كل من: الصادق الرضي وعاطف خيري، ثم خذ ظهور كتابات محمد الصادق الحاج ومأمون التلب وناجي البدوي ومازن مصطفى وبابكر الوسيلة وأحمد النشادر ونجلاء التوم... معذرة، لن أستطيع استحضار كل الأسماء، لكنهم غدوا في الريادة كُثر! ثم أتت – في هذا الإطار نفسه – أعمال بركة ساكن القصصية والروائية!.

التفتُّ الآن إليه؛ يَجمد بيرق الموت ويمحو بعضاً كثيراً من شبق اللغة ونزواتها وخياناتها، التي لا تزال ترافق الكتابة عندنا، ثم يراوغ الرؤيات والريبات ليهبط بهما إلى قاع المدينة وبيوت القرى القلقة؛ حيث تكثر وجوه الهامش المتشَقِّقَة كأفرعِ شَجَرٍ يابسة. وهو ـ هذا الضاج بعنفوان الحياة ولذاذات الواقع الحامضة ـ يعبر البلاد كل صباح، من أقصاها إلى أدناها، نيزكاً طالعاً من ليلِ البازار، وخطاه ترنُّ وتقرع الأجراس عند مداخل الأزقة والحارات، في معية الفقراء، وسطهم و... يجترح الكتابة، كزنبقة وحيدة، والعسس يطاردونه، بهراوات مكَهْرَبة وبذاءات دَبِقَة، وهو، مثل خنجرٍ حاد، ينغرس في جسد الدولة التي تشنّ الحروب وتشعل النيران لتضرم الحرائق في جديد الكتابة وأوجه اللغة!.

بدأ بركة كاتباً للقصص القصيرة، ويعمدهن في الفاتنات، بقرينة جسد النساء وقلوب الغرانيق؛ يوقفن الدبابات ويشعلن التظاهرات، والشرطة بنت "الانتباهة" واقفة إليهنَّ بالمرصاد؛ ناعسة ومتعبة وقليلة الحيلة، لكنها تطاردهن على أية حال دون أن تظفر منهنَّ باعترافٍ أو انكسار؛ انهنَّ نساء "البلاد الكبيرة"، حبيبات بركة ساكن وملهماته الفارهات! أقام مع "الجنقو"، فوق الأرض وتحت أحضان الليالي العاريات.

العام 1963 م وُلِدَ عبد العزيز بركة ساكن في كسلا، إنه الآن على مشارف الخمسين، لكنه كان في أربعينياته أيضاً حين نشر مجموعته القصصية الأولى "على هامش الأرصفة" العام 2005 م! أصدر حتى الآن:

- على هامش الأرصفة: مجموعة قصصية.

- أمرأة من كمبو كديس: مجموعة قصصية.

- ثلاثية البلاد الكبيرة، رواية:

   * الطواحين.

   * رماد الماء.

   * زوج امرأة الرصاص وابنته الجميلة.

- الجنقو مسامير الأرض: رواية.

ثم، مخطوطته تحت الطبع: "ذاكرة الخندريس، أو مَن يخاف عثمان بشرى" وهي رواية جميلة جداً عن الأطفال المشردين، من أبناء ناس الهامش والفقراء وبيئاتهم المحاطة بالمرض والبؤس، وتعرَّضَت أيضاً ـ بجسارة الكاتب المشهودة ـ للمأساة الإنسانية التي أَدَّت لموت أكثر من سبعين شخصاً من الشباب جراء تناولوهم لمادة "الأثينول" السامة في الكحول، وهو الكاتب الوحيد، حتى الآن، الذي تناول هذه المأساة في عمل روائي وفق منظور إنساني وتضامني، وحدد الجهات المسؤولة عن هذا الموت البشع! ولست أدري لم غَيَّر عنوان الرواية الذي كان في المخطوطة التي اطلعت عليها "ذاكرة الكحول" وهو ـ في ظني ـ عنوان جميل، دلالياً ومعرفياً، علاوة على أنه معروف للناس والقراء الذين يكتب لأجلهم بركة، هل الأمر "تقية" تلتف على العنوان فتكسبه غموضاً زائفاً؟، لست أظن ذلك؛ فالكاتب كَسَرَ ألف قاعدة، وتحدَّى أعرافاً وتابوهات سائدة دون أن يكترث. وعجبت له، أيضاً، حين جعل أبيات للمتنبي عن "الخندريس" تتصدر عمله الروائي، ولا شك أنه يعرف أن شخصية المتنبي وخطه العروبي وانحيازه العرقي وانتهازيته، هي تصادم وتناقض الأهداف الأنسانية النبيلة لأعماله كلها؛ ليته يتدارك الأمر ويدع العنوان الأول للرواية، فهو أقرب لعقول وقلوب قرائه ومحبو أدبه الجميل!.

لا، ليست لكتابته اسم! واقعية، لكنها مراوغة، من يدٍ واحدة وذاكرة بشرية محبوبة. ظل يداوم في رفقته النهار، رغيف كل يوم، وحلوى للصغار. كتابة ليلية، لكنها مقذوفة في رحم أيامنا، أخلاطٌ من أصوات ودموع، من خطايا وصلوات، ومن حجارةٍ و قُبَل! رأيته يفصل بين المبارك والملعون، لكنها تنثر بذاراً كثيراً وتقيم حوائطاً تصرخ ساكنةً مثل اسمه، لكنها تصرخ؛ ضد البناءون الكذبة، والحراس الكَذَبة، والقواميس الكذبة، ويعلن وجهاً في الناس؛ قلماً مغموساً في حبر الوجع اليومي و... كراس!.

نعم، إننا نصغي إليه ونقرأه لنراه، إنه يحدثنا عن كتابة بركة ساكن فماذا قال عن ما يكتبه ورؤاه؟!.

في حواره مع وداد الحاج لصحيفة "الجزائر الجديدة" قال : [... حيث يظن البعض أن في كتابتي ما يسيء لمشروعاتهم الآيديولوجية، ويخترق كتاباتهم المستفزة؛ بالطبع لا أقصد ذلك، كلما أفعله هو أنني أنحاز لمشروعي الإنساني، أي أكتب عن طبقتي: أحلامها، آلامها، طموحاتها المذبوحة و ... سكّينتها أيضاً التي تذبح بها هي الآخر!. وحتى لا يلتبس الأمر مرةً أخرى، أقصد بطبقتي المنسيين في المكان والزمان: الفقراء، المرضى، الشحاذين، بائعات الخمور البلدية، الداعرات، المثليين، المجانين، العسكر المساقين إلى مذابح المعارك للدفاع عن سلطة لايعرفون عنها خيراً، المشردين، أولاد وبنات الحرام، الجنقو العمال الموسميين، الكتاب الفقراء، الطلبة المشاكسين، الأنبياء الكذبة، وقس على ذلك من الخيرين والخيرات من أبناء وطني! إذن أنا كاتب حسن النية و... أخلاقي، بل داعية للسلم والحرية، ولكن الرقيب لا يقرأني إلا بعكس ذلك!] .

ذلك هو عبد العزيز بركة ساكن، وتلك هي شخوصه وعوالمه، وكنت قد رأيته قبل ذلك في "رماد الماء" كيف يصور لنا بشاعة الحرب وويلاتها وكيف ـ في ذات الوقت ـ يجعل من السلم كيف يكون بهياً ويانعاً ومحبوباً مطلوباً في الناس، ثم كيف كتب الواقع نفسه في "المهمة الأعظم" متدثراً ومختلطاً بالخيال المجنح المثير! ولكن، هل كتب الشعر و ... بمن يا ترى قد أَثَّر عليه فترك بعضاً من ملامحه على كتابته؟ يقول بركة للصادق الرضي: [نعم، أحب الشعر جداً]، ولاحظوا أنه قد كتب [ما يتبقى كل ليلةٍ من الليل]، قصة تفيض شعرية على المعنى والمبنى و... تكون في القارئين العسل!. يمضي في إفاداته ليقول : [أعجبت بولت ويتمان وجبران خليل جبران ونشيد الإنشاد، هذا الثلاثي أثَّر في أسلوبي ولغتي، وتجدهم ماثلين في رواية "الطواحين"، ويلوحون لك بأذيالهم في "رماد الماء"، ولا أدري ما ينجيك من غبرة حوافرهم وأنت تقرأ "على هامش الأرصفة"]! القراءة والانغماس الحر في بلبال الحياة، ذاك مهده الوثير ومعلمه، ويبدوا أن الكتابة لديه تطلع وتزدهر من هذا النبع بالذات. وقد امتلك، بجانب ذلك كله، جسارة في القول والمعنى و... في فعل الحياة نفسه. ذلك في ظني منحىً هام في شخصيته المقتحمة المغامرة. ورغم ما ذكره هنا من تأثره ببعض ممن قرأ لهم، فإنني أراه عديم الشبيه، في كتابتنا وفي كتابنا أيضاً! إنه أيضاً يخوض تجاريب الكتابة غير هياب، بذات الروح الجسورة المغامرة فيكتب "فارس بلالة" للأطفال، لكن الوقت ـ في ظني ـ لايزال مبكراً ليتيح لنا الحديث عن هذا الوجهة في كتابته! وثمة ملاحظة أثارت لدي تعجباً و... تساؤلاً: التعجب لما ذكره حين سأله عيسى الحلو "مَن مِن النقاد ناصر الكُتَّاب الجدد؟ "، فأجاب: "هنالك النقاد الشباب (ولم يذكر منهم أحد) وهناك بشرى الفاضل فقط"!! تعجبت لقوله هذا، لكن السؤال "لماذا"؟ فذلك أتركه له يجيب عليه إن أراد!.

 تلك بعضاً من ملامح الكتابة عنده: مارس إبداعه الجسور بتمزيق الأقنعة الزائفة أينما وجدها، بإرادة وجسارة وبلغة عادية تنحو منحى الشعر أحياناً، لكنها تظلّ، في جوهرها، لغة الحياة اليومية لدى الناس العاديون الذين جَعَلَ منهم مصادر لكتابته وإبداعه، ومن مصائرهم مداخله البهية لإكساب الحياة حيويتها ونضارتها وجدواها!.

و ... دعني – مرةً أخرى – أسألك يا بركة: ماذا سيحدث لو أن السماء كانت صافية، وصادفت المرأة التي شَدت في دماك العصير... لو اشتم منك الجسد رائحتها، والتراب وعذابات البشر، ماذا كان ينقصك لو شفيت من رؤيا الصباح، وأوجاع الليالي العاريات وحصار اللغة والتاريخ الدامي من الرائحة التي سَكَنَت قلبك، ماذا كان سيحدث؟ نعرف أنك قد عايشت موتاً وشهوات ونزوات كثار

ورأيت ما رأيت؛ الرصاص المتناثر في الشوارع، والبطالة، مذابح العواطف، الوطن المجَرَّح والدخان في القرى والأزقة! وكنت ـ ويالحظنا ـ جاهزاً يا عزيزنا لتكون ضحية الحرب والمسغبة، وترى الأشجار ملطخة بالدم! لكن... كان بك جوعٌ إلى الكتابة والغناء، كأس الشراب، و ... صحبة العنقاء! مذاق الموت في ظهيرة حامضة، شهوة ومحبة، وجسارة في المعنى ووجهاً للموت، للطفولة والرصاص المألوف في القرى وفي المدن، في هواء الأمكنة كلها يا صديقنا؛ حيث الدبابات والعسس، والسجناء والمفقودون والأرامل! الجروح النازفات والجسد الملطخ بالدمامل! الجنون عناوينك إلى النهر والعدالة! والحريق في الغابات والشوارع والشمس، التي غَدَتَ حارقة والمحطات خالية، والنساء في باحة الرقص يكملن الأناقة. ينثرن عطرهن في اللغة كأن الوطن لم يعد صالحاً للإقامة، كأن الزمان قيامة!. لكنك، يا حبيبنا، أعطيتنا الآن وجهاً وقنديلاً وإكليلاً وقامة؛ أعطيتنا وجهاً وقلباً بهياً كثير الوسامة!



وتبقت كلمة: أقرأ أعمال بركة ساكن بغبطة مشوبة بلذة تطال القلب والجسد و... أتذكرهما معاً: جان جينيه ومحمد شكري! فهو مثلهما؛ أتى لعالم الكتابة فجأة في الناس، في الزمان المسخ والوقت المأزوم، أتى، كما أتوا، صقيلاً ولامعاً كنصلٍ حاد، وشَرَعَ لفوره ينظف منَّا الجروح والقروح، ويزيل عن الجسد الصديد، لكنه، إذ يفعل ذلك، يربي ـ في ذات الوقت ـ الأمل ويطلق في الحدائق الفراشات الملونة وعطر الكتابة، برؤيا الجسارة حين تغدوا لغة تؤشر وتُعَرِّي سوءاتنا كلها ونفاقنا الكثير الكثير...

عبد العزيز بركة ساكن، الليلة أعطيك صوتي وباقة ورد وأنت في المجد و ...المنور في أفقنا القصصي والروائي، فكن يا حبيبنا في الضوء البهيج، في دروب التغيير والثورة القادمة لأجل أبناء وبنات شعبك، برفقة أدبك وإبداعك الجميل!.

الأحد، مايو 06، 2012

جســــــدان في حلم اللذة ... !


في حلمه الليلي ،
والوقت مائي الملامح
والهواء ،
من خلل الستائر يبدوا
غماميا ومالح !
قالت له :
سأنضو عني ردائي
فضمني إليك دون أن
تكسرني !
خذني إليك و ... فضني !
قال لها :
أنت حبيبتي
وأنثاي ...
لكنني جسد يحن إليك
و ... يشتهيك !
فهاتي فواكهك اللذيذة ...
هاتي مالديك ،
وهيئيني للقاء جسدك ياحبيبة !
فأحتويك بساعدي
وأمنحك المسرة !
لذة الملامسة الأولي ،
في كل نهد قبلة
أشتعال في كل قبلة !
وفي العناق ،
يأخذنا إليه المدي
فنذهب في الندي
معا ... ،
جسدان ،
 نذهب في الندي !

حنا مينه ، ... أينك !

                                                              - حنا مينه -   

----------------------
  كلما أشتد عصف الثورة السورية وجاء ذكرها تحلق مخيلتي عاليا و ... تذهب إلي اللاذقية ، حيث ولد حنا فيها في التاسع من أذار 1924 إذ يبلغ الآن عمره الخصيب 78 عاما !
وكانت بعض الصحف الرسمية السورية قد نشرت في وقت سابق وصية كتبت بخط يد " حنا مينا " تضمنت بعض طلبات الكاتب بعد رحيله ، كان أبرزها أن لا يشاع خبر وفاته في وسائل الإعلام وأن لا يتم حفل تأبين له بعد رحيله ..

 وقال " حنا مينا " في بداية وصيته قائلا : " أكتب وصيتي وأنا بكامل قواي العقلية وقد عمرت طويلا حتى صرت أخشى ألا أموت مع يقيني بأن لكل أجل كتاب "

وتحدث مينا عن حياته التي وصفها بأنها كانت سعيدة جدا  ، مؤكدا أنه ولد منذورا للشقاء وأنه حاربه وانتصر عليه ...ا

وشدد في الوصية على عدم ذكر نبأ وفاته في أي وسيلة إعلامية مقروءة كانت أو مسموعة معتبرا نفسه عاش بسيطا وراغبا أن يموت بسيطا ، وقال مينا : " ليس لي أهلي ، لأن أهلي جميعا لم يعرفوا من أنا في حياتي وهذا أفضل لذلك ليس من الإنصاف أن يتحسروا علي عندما يعرفونني بعد مغادرة هذه الفانية "

ووصف مينا بأن ما فعله في حياته هو معروف وهو أداء واجبه تجاه وطنه وشعبه مكرسا كلماته لأجل هدف واحد هو نصرة الفقراء والبؤساء والمعذبين .

واعتذر مينا من أقربائه وأصدقائه لطلبه بان يدعوا نعشه ليحمله أربعة أشخاص مأجورين من دائرة دفن الموتى ليهال عليه التراب في أي قبر متاح منهيا بذلك الحفل ، وطلب منهم عدم البكاء والحزن و ارتداء اللون الأسود !

وشدد مينا قائلا في نص الوصية : " أشدد لا حفلة تأبين، فالذي سيقال بعد موتي، سمعته في حياتي، وهذه التأبين، وكما جرت العادات، منكرة، منفّرة، مسيئة إلي، استغيث بكم جميعاً، أن تريحوا عظامي منها."

وعن ممتلكاته في مدينة دمشق واللاذقية أعطى مينا حق التصرف بها لمن " يدعون بأنهم أهلي " مشددا على منزله في اللاذقية ليكون لزوجته " مريم " ‏!

والكاتب " حنا مينا " من مواليد مدينة اللاذقية عام 1924 حيث عاش طفولته في حي " المستنقع " احدى قري لواء اسكندرون قبل أن يعود مع عائلته الى اللاذقية حيث عمل في عدة مهن منها كبحار على المراكب .

ومن أهم أعماله الأدبية "المصابيح الزرق" و"الشراع والعاصفة" و"الياطر" و"الأبنوسة البيضاء" و"حكاية بحار" و"نهاية رجل شجاع .
أشهر رواياته: "المصابيح الزرق"، خط فيها الأسس الواقعية للرواية السورية وقد أثارت جدلاً عن عدائه لنظرية الفن للفن وتأكيد التزامه السياسي. له روايات عديدة منها: "الشراع والعاصفة، الياطر، الشمس في يوم غائم، بقايا صور، حكاية بحار، المرصد، الربيع والخريف، المستنقع وغيرها". كما أصدر عدة مؤلفات منها "هواجس في التجربة الروائية، أدب الحرب، ناظم حكمت ثائراً".
حنا مينة من رواد البحر في الأدب العربي حيث أعطى كثيراً من الاهتمام لقصة الارادة البشرية في انتصارها على الطبيعة القاسية بالإضافة إلى المغامرة لكن بدرجة إنسانية عذبة تغري بالسفر لكنها لا يشغلها الانتقام أو الذل أو الغرق في مستنقعات التفاهة. مينة روائي مغامر بعين المحب البصير يتطلع في خبرة تحمل أسى العمر نحو سماوات مشرقة من تاريخ الأدب وروح الرواية التي تحمل الأمل في النفس رغم مفاجآت الواقع!

ويعد حنا ، أحد أجمل الروائيين العرب وأكثرهم إلتزاما بصف الفقراء والكادحين و .... بالثورة ، يساريا تقدميا من طراز فريد ، لم يبارح وطنه أبدا إلا حين ذهب للصين في منصف الستينيات من القرن الماضي ليكتب عنها ثلاثيته الضخمة البديعة : ( حديث في بيتاخو / عروس الموجة السوداء / المغامرة السوداء ) ، عملا أدبيا كبيرا لم يسبقه إليه أحد في الكاتبين العرب ، كأنها الأمتداد لما كتبته الروائية الامريكية " بيرل باك " حول الصين في روايتها " الأرض الطيبة " !
حنا مينا ، وسط هذا " الجحيم " السوري المجنون ، وأنهار الدم تملأ شوارع المدن و ... ملامح الناس ، أين أنت الآن ياحبيبنا ، الإنسان الرائع والكاتب الروائي الكبير ... أتطلع ، بشغف يملأ قلبي ، أن أعرف عنك خبرا ... !