Powered By Blogger

الثلاثاء، يناير 17، 2012

للوطن الآن ، جراح و ... نزيف !

الأشجار ملطخة بالدم
والصباح فجيعة ...
الجوع إلي الغناء ،
كأس الشراب ،
الموت في أحضان هادئة!
لم تكن حكمة أن نمتلك كل
هذا الصبر ...
هذا الهوان النزيف !
طفولة ونساء وصراخ ،
دم وعثرات هول مخيف !
في القري والمدن
الدبابات والرصاص والسجناء والمفقودون
والأرامل والنازحون مشردون
جنون إلي النهر ،
وإلي العدالة !
الحريق في الغابات ياعبد العظيم ميرغني* !
الشمس والمحطات والنساء خالية
ذلك الأرق اليابس الذي يصيب
النساء في الخريف !
كأن الوطن لم يعد صالحا للأقامة !
قبل " الأنقاذ " *:
السماء الصافية
الحمام الأزرق
اللغة
الغصن الأخضر
الحصان
الحزن بعيدا في المنفي
رائحة البن والشاي والمرأة الحالمة
دم البهائم
الطمأنينة في القلب
الموسيقي في جسد الوطن
الحب ...
يااااااااااه ،
ليس الحب سبب ما حدث !
وماذا في العيد ،
عيد الخروف ،
غير هذا الحدث !
-----------------------------------------------------
* د . عبد العظيم ميرغني المدير العام للغابات بالسودان ، والرجل من أكفأ المختصين في مجاله ويعاني الهول اليومي وهو يسعي لصيانة ما تبقي من " الغضاء النباتي " الأخضر في الوطن فتصبح الحياة - علي بؤس واقعا - يابسة !
* " الأنقاذ " هي سلطة المتأسلمين الديكتاتورية الحاكمة السودان الآن !

الاثنين، يناير 16، 2012

إلي السوسنة ، وفي تنائيها إقتراب !

كنت أريد صفاء لقلبي
ومناما لعيني ...
وألا يعكر أي شئ
... تشبثي بالرؤية
رؤيتي للسوسنة !
للسماء العالية ،
للكيان الأنثوي ،
الضروري لرؤيتي !
لكن كل شئ راح يبللني :
أرتعاش شجرة ،
نداء ظل ،
ائتلاق حجر ،
صرخة حيوان ،
صورة في الخيال ،
الوان في لوحة زاهية
عضو متألم ،
آهة قلب مكسور ،
العطش ...
هو ذاك ولا غيره :
العطش إليك ،
هو الذي يقذف بي
إلي المواجد المحرقة

الأحد، يناير 15، 2012

كيف عاد كجراي من المنفي !

إضـــــــــــــــــــــــــاءة :
" قل للحياة ،
كما يليق بشاعر متمرس ؛
سيري ببطء
كالأناث الواثقات بسحرهن وكيدهن ...
لكل واحدة نداء ما خفي
هيت لك / ما أجملك !
سيري ببطء ياحياة ،
لكي أراك بكامل النقصان حولي .
كم نسيتك في خضمك
باحثا عني وعنك .
وكلما أدركت سرا منك قلت بقسوة :
ما أجهلك !
قل للغياب ، نقصتني ،
وأنا حضرت ... لأكملك !".

- محمود درويش -

حوالي منتصف شهر سبتمبر 1989 م ، ذهب كجراي إلي منفاه ألإختياري في أسمرا، المدينة التي أحبها وأحبته ! لقد أدرك بحسه العميق ، وحدسه الصادق الشفيف ، أن الأنقلاب الذي حدث في نهاية يونيو 1989 م قد أعدته وخططت له ونفذته الجبهة القومية الأسلامية ! ولانه قد تعود أن يتعايش بصدق ونقاء مع أحداثيات الحياة جميعها ، فقد أدرك ... بوعي الشاعر العميق في دواخله ، أستحالة أن " يعيش " مرة أخري تحت معطف الديكتاتورية الغليظ ، وهو الذي تجاوز الستين من عمره ! هكذا ، إذن ، قرر " شخصيا " أن يذهب إلي حيث الحرية متاحة كمناخ عام لقوي التقدم والأشتراكية ... وتحت ظلالها سوف يمارس الحياة كما يشاء ويمارس عمله المهني كأختصاصي في التعليم واللغة العربية ! هكذا ذهب إلي المنفي وبقي فيه ! ولأن غيابه الجسدي عنا أصابنا بالجروح النازفات ، وبالشعور الممض " بالفقد " العظيم الذي لم نستطيع تحمل وطأته الباهظة ، ولأن الساحة الثقافية في كسلا وفي الوطن ، أصبحت وقتذاك ، باهتة الملامح وشحيحة العطاء ، تحتاج فعليا لقامة ثقافية ضخمة بحجم " كجراي " ، تستطيع عبره أن تقف ... وأن تنهض ! بسبب من ذلك كله ، كانت هذه " الرسالة " التي كتبتها وأرسلتها إليه عبر " البريد " النضالي المأمون للمناضلين الأريتريين ، تلح عليه في العودة ! وبثقة وضمير مطمئن ، أستطيع أ ن أقول : أن الشاعر الكبير قد أستجاب للنداء وعاد بالفعل في يوليو 1999 م ، إلي وطنه السودان و ... مدينته " كسلا " في شرق السودان !
الرســــــــــــــالة :
العزيز الغالي كجراي ... ، ياقامتنا الثقافية العالية ، ونخلتنا الباذخة الطلوع ، شموخا وكبرياءا في ساحة الشعر والأبداع ... نشتاقك جدا ، أن تكون بيننا ، كما النيزك في سماواتنا التي لاتحد ، قمرا كبيرا ومضيئا في ليلنا الطويل المدلهم ، الحامض كما الملح والليمون ... المر الخشن كمذاق الرمل علي العطش ، أنه يدهمنا بين الفينة والأخري، كالموت المفاجئ ، يطالعنا بغتة ويمضي عنا - كألتماع الشهاب - سريعا ، ويأخذ بعضنا و ... كثيرا من ملامحنا ، هي الدنيا ... هي الدنيا ياعزيزي ! دعني أصدقك القول : المؤكد الآن ، هو ، أن الواقع الراهن مزرئ قمئ و ... شاذ ! وتعلم جيدا ياعزيزنا _ للأسف العميق - بأننا نعيش إنهيارا كاملا ، أقتصاديا وأجتماعيا وثقافيا ... وقبل ذلك كله ، دمارا وعبثا سياسيا كبيرا ! ونعلم - يقينا - أكثر من ذلك ، أن هذا الواقع المفجع يؤثر تأثيرا عميقا جدا في العملية الأبداعية أولا ، وفي الذات المبدعة ثانيا ! ثم - أيضا وأيضا - وبقدر رهافة حس الأديب وعمق أدراكه لهذا الواقع ، يتكون وعي الأديب ويتضخم أحساسه بالفاجعة التي يعيشها أنسان بلادنا ! فهنالك - وكما تعلم ياعزيزنا العظيم - أن هنالك أرتباط لا يكاد ينفصل البتة بين الأبداع والتاريخ نفسه ... وأن هذه الرابطة " الجوهرية " هي التي تساهم بإيجابية كاملة في تشكيل وجدان الأنسان المبدع ! لهذه الأسباب جميعها ، كنت - شخصيا - مدركا بوعي كامل لجملة الأسباب التي دعتك للرحيل بعيدا عن الوقت / قريبا من الوطن في ذات الوقت ، إلي حيث الحرية التي تعشقها وتتوق إليها عمرك كله وأبداعك الشعري كله ... وكنت أراها ، وقتذاك ، موضوعية جدا ، تكاد تنسجم وتفكير وقناعات شاعر كبير مثلك ! ولكنها ، هي هجرة ، وهي - أيضا - منفي ! وهل يوجد في الدنيا قاطبة منفي جميل ؟ أحيانا كثيرة ظلت تخايلني تلك الصورة المرعبة التي كانت تعيشها بيروت المناضلة وهي تحت الحصار، حتي أودت بالشاعر الكبير خليل حاوي إلي الأنتحار ، ثم دفعت بالكثيرين إلي المنافي والشتات ! يقول درويش :
"بيروت فجرا
الشاعر أفتضحت قصيدته تماما !
وثلاثة خانوه :
تموز وإقاع وأمرأة
فناما !
لا يستطيع الصوت أن يعلو علي الغارات
في هذا المدي
لكنه يصغي لموجته الخصوصية ...
مو ت وحرية !"
وهذا الضبط - ياعزيزي - ما يصيبني بالفزع ! ظل هذا هو هاجسي الذي لايكاد يبرح مخيلتي عندما أعيش اللحظات الجميلة مع كلماتك وقصائدك الرائعات وأجتماعياتك ، وأخوانياتك المترعة بالحب والود والتقدير الجليل للأنسان ... ويبدأ شوقنا إليك يتنامي ويزدهر ويتكاثر . وكنت قد عودتنا كثيرا عليك وجعلتنا - جميعا -نعيش ونتنفس تحت معطفك ... شوق غزير ولوعة لا توصف بإتجاهك ، أن تكون بشخصك بيننا ! في ليلة أختلسناها ، تحت ليل القهر والعسف ، تذكرناك وتمثلناك بيننا . فقلت للأصدقاء من حولي : ليكن " كجراي " بيننا ، هذا هو الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه في الوطن ، فوق ترابه ووسط شعبه ! في ذات الليلة قرأت عليهم كلمات عفيفي مطر :
الناس نيام ،
فاذا ماتوا أنتبهوا !
كانت أقفية مدبوغةبالصمغ ...
وكان الرأس حذاء للأقدام ،
لو أفلت صوت الموتي من بوابتنا الليلية
لعرفنا كيف نموت معتدلي القامة !".
ثم ، ومن بعد ذلك كله ، ظللت ولعدة سنوات مضت ، أفكر في الكتابة عنك ، عن سيرة حياتك وشعرك ... وقد وجدت لدي ديوانك الآخير " الليل عبر غابة النيون " وأصداء في الذاكرة من " الصمت والرماد " ... أضافة إلي العديد من القصائد منشورة هنا أو هناك ، والعديد أيضا من مخطوطات قصائدك التي لم تنشر من قبل ، وتوفر لدي ، أيضا ، الوقت ، فأعددت دراسة طويلة عن أشعارك ومسيرتك الشعرية ، ولجأت ، مرات ومرات ، للأسرة بكسلا لتجميع بعضا من التفاصيل التي أعتقدت أنها ستكون ذات جدوي لمثل هذه الدراسة ! الدراسة الآن جاهزة تحت يدي ، وقد تحدثت مع مجذوب عيدروس الذي يحرر ثلاثة صفحات كاملة أسبوعيا بصحيفة " الشارع السياسي " ... ووعدني بأن ينشرها علي حلقات ! تلك ، ياعزيزنا ، أمنية يبدوا أنها قد تحققت ! أما أمنيتي الكبيرة الآخري ، فهي أنجاز مشروع للكتابة عن مبدعي " أولوس " ، خاصة أن لدي الآن دراسة عن الشاعر كمال عبد الحليم ومخطوطة دراسة عن ديشاب ... وربما ، لو أمتد بنا العمر ، وتوفر الوقت ، فستطال الكتابة لتشمل الآخرين الذين تعلمهم ! اليوم بعد عودتي من منزلكم ، بمعية حسن عثمان فضل ، فكرت أن أطلق في الناس النداء : ضرورة أن يعود كجراي للوطن ... النبع إلي المصب والنهر إلي البحر ! أنني أكتب إليك هذه الرسالة ليلا ... وسوف أغادر بعد غد إلي رفاعة ، حاضرة البطانة وتاجها ، حيث مقر عملي بها الآن ، ربما أكتب النداء وأنشره بالصحف ، أقول ، ربما ... ! ولكن ما لست أدريه هو : هل ستصلك هذه الرسالة ، أم تضيع في الدنيا فلا تصلك ثم لا تخلف أثرا يشير إليها ! فهل يصل الصوت أم يصل الموت ؟ ولكني سوف أرسلها علي أية حال عن طريق " البريد الآمن " للمناضلين ... ورجائي أن تكتب إلي وبذات الوسيلة أن كانت قد وصلتك ... فلعل رسالة منك تأتينا فتجعلنا سعداء ، وتكون هي بذاتها ، زادا لنا حتي تكون بيننا في الوطن ، حيث مكانك السامق شاغرا و ... لايزال ينتظرك ! ودعني ، أصدقك القول ، أن الوطن ينتظرك ، ينتظرك بشوق كثير ، مفتوح الذراعين لأحتضان شاعره الكبير ! وثمة أمر آخير مهم ،: أنه بحكم المؤكد - ياعزيزي - أن أجهزة السلطة بأكملها لن تستطيع أن تمس منك شعرة ... فقد أصبحت رمزا كبيرا في الوطن ، وصوتا شعريا معروفا علي مستوي العالم العربي ومحيطنا الأفريقي ! والنظام الآن محاصرا بالرأي العالمي والمحلي ... فلا يستطيع أن يطالك ، علي الأقل في هذه المرحلة ، وهذه هي قناعتي ! ثم ، أنني ، وبجهد شخصي ، وإلتزام أستطيع أن أؤكده ، تحصلت علي الوعد المكتوب من المسئول الأول بالولاية ، وأرفقه إليك مع هذه الرسالة ! * أفعل ذلك وعد ياصديقي ، وأنا الذي يعرف عنك صلابتك ووعيك ، وهما كافيان ، ليدفعانك كي تعود ! هذه - إذن - قناعتي ... وهذه أيضا رؤياي ! فدعنا نناديك ملء حناجرنا وقلوبنا : تعال ... تعال ! وكن دائما بكامل صحتك وعافيتك و ... بالخصب في الأبداع ! وحتي الملتقي القريب ، ساظل مخلصك جابر حسين !
كسلا / حي العمال10 / مايو / 1999 م
* الرسالة كتبها بخط يده ووقعها علي ورق مكتبه ، والي كسلا وزير الداخلية الحالي المهندس أبراهيم محمود وهو من مواطني مدينة كسلا ولي معه صلات شخصية يحترمها ، ويعرف قدر الشاعر ، وقد دعاه في الرسالة للعودة بضمان أن لا تقترب منه عناصر الأمن ... وللحقيقة ، فقد كنت أنا من أملي عليه الرسالة فكتبها بخط يده !
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------* " كجراي " هو الشاعر السوداني الكبير الراحل محمد عثمان صالح و " كجراي " كنيته التي أختارها بنفسه فأصبح معروفا بها في الثقافة والحياة ! وهو شاعر كبير كان مطلوبا لدي سلطات الأمن وهو في منفاه الاختياري بأسمرا ! وأصدرت ، من بعد ، كتابي : " كجراي " عاشق الحرية والقول الفصيح " دراسة في عن حياته وشعره !
* " أولوس " هي الرابطة الأدبية المعروفة التي كان كجراي أحد أبرز مؤسسيها بمدينة كسلا عاصمة شرق السودان !
" كمال عبد الحليم " شاعر نوبي كبير يكتب شعره بالعربية ومن مؤسسي " رابطة أولوس الأدبية " .

الخميس، يناير 12، 2012

بريق العيون ، هل يكون حبا ؟

غرائبية الحكاية لاتنفي واقعيتها ، فقد حدثت بالفعل ، وراويتها ، الآن ، معنا !
-( جرب الآن الحياة ،
لكي تدربك الحياةعلي الحياة
وخفف الذكري عن الأنثي ،
وأنزل ها هنا ...
والآن ...عن كتفيك ...،
وأكتب ،
أكتب الحلم / العيون ! ) !
السيدة التي في ملكوتها تضوع ، جميلة الجميلات ، ربيبة السلالات النبيلة في النساء ، جلست في مواجهتي ، في بهاء الوردة وعبير الياسمين ، شاردة النظرات ، والعيون لها البريق ، والبريق له جرس وناي ، تحدق ملء فلبها في الغمام البعيد ، كأنها تتقافز - كزغب العصافير - عبر السنين ... قالت : كنت في السنة الدراسية الثانية في الجامعة الأهلية بأمدرمان ، كان علي أن أركب أكثر من حافلة حتي أصل الجامعة ... ركبت - إذن - أحدي الحافلات من شارع الأربعين ، الحافلة بدت لي مكتظة براكبيها ، لكن المقعد الذي كان خلف السائق مباشرة كان خاليا ، فجلست عليه ! تحركت الحافلة ، وأنشغل الناس بداخلها كل بشئونه وهمومه ، ومن آلة التسجيل كان أبو عركي يغني والموسيقي تظلل فضاء الحافلة كشلال فرح صباحي مزهر ... ! فجأة - في بياض بريق اللحظة الخاطفة - إلتقت عيناي بعيني السائق، في المرآة المثبة في مواجهة وجهه ! طوال رحلة الحافلة ، وحتي لحظة وصولي للمحطة ومغادرتي الحافلة ، ظلت عيناي وعيناه معلقتان -كل الوقت - علي المرآة ، نتبادل البريق والمتعة الخاطفة ! وفي اليوم التالي ، أنتظرت الحافلات تمتلئ وتذهب ، حتي أتت لدورها " حافلتي " ... دخلتها، كان نفس المقعد خلف السائق خاليا فجلست فرحة عليه ! ولست أدري من منا أبتدأ النظر إلي المرآة ، ولكن عينانا كانتا معلقتان _ كأنجم متألقات وفرحات - علي سطحها الناعم . و ... يلمع البريق ، يلمع ويلمع ، فيسطع ، في بهاء العيون الوسيعات ولحاظها المترفات ! حتي محطة وصولي ، فينقطع البريق حين أغادر الحافلة ، فتغادر العيون ، هي الأخري ، سطح المرآة ! في اليوم الثالث ، أنتظرت حتي أتت " حافلتي " التي بدأت أحبها ... دخلت إليها ، كان المقعد خاليا ، وكأنه يؤمي إلي ، فجلست عليه ... ثم ، كإيماض بريق خفيف شفيف ، بدأ البريق يلمع في العيون ، ثم بدأ حديث العيون ، حديث البريق ، وللعيون لغة لها في القلوب رنين وجرس ! ظل الأمر يجري هكذا طوال أشهر ثلاث ، علي ذات النسق من البهاء والصمت ! كان هو رجلا عاديا في الناس ، بلا أية ملامح لافتة أو وسيمة ، رجلا من غمار الناس ... وكنت - وقتذاك - أنا طالبة للدرس في الجامعة ، صبية ونافرة ، أتقافز كما الأرانب علي عتبات الحياة ، بفرح ونشوة راقصة ، وبعواطف ذات فيوض عطرية وموسيقي يتراقص لها جسدي بخفة وألفة ...! أبدا لم نتبادل الكلام أو التحايا العابرات ، لاصدرت منه كلمة ولا مني طلعت كلمة ، الصمت وحده كان سيد الحالة وظلالها ! ظللنا نمارس تلك المتعة اللذيذة الخاطفة في صمت مريب ، ونتذوق رحيق بريقها لحظة تلتقي عيوننا علي سطح المرآة ، فيمتد البريق بيننا ، كشعاع ضوء شفيف أو برهة برق لاهث خفيف ... يسطع كومضة ، ويتلألأ كحبيبات المطر علي زجاج نافذة وحيدة ... يضئ كونا صغيرا شفيفا ورهيفا كأجنحة الفراشات ، ثم يمضي ، يمضي إلي ما لست أعرف !سكتت لبرهة ، السيدة الجميلة ، التي في الملكوت ، لترشف جرعة ماء باردة ، وتطرد عنها زفير صدرها وتواصل سرد خكايتها ، قالت مسترسلة : في يوم ما ، بعد أنقضاء تلك الشهور الثلاثة ، كان يوما عاديا يشبه كل الأيام ، رتيبا لكنه لا يثير الضجر ولا الإنتباه ... في ذلك الصباح ، أعلنت أدارة الجامعة إستئناف برنامج الترحيل الجماعي للطالبات بدءا من الغد ! وفي الصباح كنت أستغل باص الترحيل الجماعي ... ضاعت " حافلتي " في الزحام ، وضاع - من يومذاك - البريق في الزحام ! مارأيتهما من بعد أبدا ، لا العيون ولا صاحبهما ولا البريق ! أخذتني إليها الحياة في دروبها ، الداكنات تارة ، المضيئات تارة أخري ! ضحكت من تحت تنهيدة وادعة وأردفت : هذا السائق العجيب كان - في تواطء صامت - يحجز الكرسي لي ... كان يضع عليه جريدة ، فيحجزه ! حتي السلام العادي لم يجدث بيننا أبدا ! والمضحك ، علي هامش حكايتي ياعزيزي ، أن " الكمساري " كان لايقبل أن يأخذ مني أجرة الترحيل ، أبدا ما أخذها مني ، كان يكتفي بأن يغمز لي بأحدي عينيه ويبتسم ، فأفهم أنا !عادت ، كأميرة علي عرشها ، حين عدلت من جلستها وتركت لخصلات شعرها يعبث بها نسيم المساء الجميل ، وبعد جرعة آخري قالت : الغريب - أيضا - أن هذه الحادثة / الحالة ، ظلت عالقة في ذاكرتي وقلبي كل هذه السنين الطوال ، لماذا ، لست أدري ... ؟ و لماذا قفذت أمامي الآن - كضوء قداحة - فرويتها عليك ، بزخمها الكثير وحيويتها النضيرة ، مجلوة ، كعروس ، وكأنها قد حدثت بالأمس أو هذا الصباح ؟ أيضا ، لست أدري ّ! ثم ، لماذا أحكيها ، بلمعان توجهها ، إليك أنت بالذات ، وفي هذه اللحظة بالذات ، أيضا ، لست أدري ؟؟كان عليها أن تغادر ، وكان علي أن أذهب أيضا لشأني ، فأفترقنا ... ذهبت عني ، لكنها كانت قد تركت هذه الجوهرة ، معلقة - كعقد من الفضة - علي عنقي ، أما بريقها الساحر ذاك ، فقد تركته في قلبي لينام ، يهدهده لأسأل : كل كان ، بريق العيون ذاك ، حبا ؟!.
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------
* مسرح الحكاية مدينة أمدرمان العاصمة القومية للسودان ، و " شارع الأربعين " أحد أهم شوارعها !

الثلاثاء، يناير 10، 2012

رسالة صغيرة جدا لمحمد الصادق الحاج * !

إلي صاحب " أخوات ميم "* ، وهو في الملكوت الظليل  ... !
ياكاتب القدس المسطور بأقلام الدواخل المشرعات برعشات الحب والخيبة علي أوجه محامدها ...أنت في الدنيا والملكوت : كاتب !الثقافة العربية ياعزيزي ، تاريخيا ، كانت - ولا تزال في كثير من وجوهها - ترفض الشعر ، لكنها تستعذب بعضه ، تلتذ به في الخفاء وفي الستر المحجوب عن العامة والعارفين ، ترفضه - إذن - أستنادا علي أسس دينية ! فمن الشائع المعلوم لديها - وهي الوجه الثقافي العاري للدين - أن الشعر قد كف عن أنتاج المعرفة بعد الأسلام ! نقول بذلك ، ياصديق الغرانيق العلا ، لكننا قد شهدنا وعرفنا أن الشعرية المحدثة ، قد سعت - بجهد كثير - لترسيخ العلاقة ، الكائنة أصلا ، بين الفكر والشعر ! ونحن ، إذ ننظر في أمر حالتنا الشعرية الراهنة ، نحمد لاؤلئك الرواد الكبار جهدهم وكدهم المعرفي : أبو نواس والنفري وأبو العلاء ، وهل هناك غيرهم في فضاءنا الشعري ؟، ربما كان فيهم نار الأوائل ورمادها في يوم الرياح العواصف ذوات الزمهرير ، هل تذكرهم الآن ، أم أن الغبار داكنا قد صار ، ومالحا في القلب ؟ و ... ياومضات الصبابات تدفقي ولا تقفي في الطريق ! هم ، نحتوا في الصخرة الجلمود ، الكائنة فوق أعلي أعالي الجبل ، مسربا للقصيدة ، صغيرا وفاتنا ، لكنه ، أبدا ما حظي بأعجاب الصبايا الجميلات يبتردن في النهر أسفل الجبل ، ويلتحفن الحريق !فعلوا ما عن لفكرهم أن يفعلوه ، غير أن مظهر " التعالي " الديني ، قد قيد - بسلاسل اللغة والتفكير - قدراتهم الفذة في راحابة التفكير الحر ، قيدهم إليه ، حتي أضني منهم النفوس ، وأعجز فيهم أساليب المراوغة الماكرة ، حتي بات الشعاع - الذي ظنناه لخيبتنا مشرقا بالبهاء الأنيق - شاحبا لاتكاد تراه إلا العيون البصيرة كالتي تمتعن بصفاء تحديقها صويحباتك " الأخوات " عند تجلياتهن العاريات ، وهن العارفات الفاتنات ! هل تذكر - ياخصيم اللغة - كيف كان بن عربي يصيح بملء بصيرته : " أنا بوطيقي الحكم ، وموسيقي النغم ، وجامع حقائق الكلم " !؟ وتلك بعضا من الأسئلة التي أستللتها من سردك الباطن ومسرات لغاتك الضاحكات : ألهذا ، جعلت غواية التأويل التي تعنف النص ، وتعرض عليه علاقات لايسعها سياقه النصي ، هي هي سياقك و" الأخوات " ؟ ... وهل ، وأنت تكتب ، كنت تنظر للنفري حيث يقول أن " لكل شئ شجر ؟ " ... ويا صديقي ، في البحر واليابسة ، تعلم أنني قد علمت لديك معاناة وجودية مع اللغة ، أفيكون - لهذا السبب بالذات - قد جعلت العنوان " أخوات ميم ... النهلة توصد أزرقها " ، وأنت تعلم ، أن العنوان هو توقيعك الشخصي الذي يتقدم النص ويؤشر - في الآن نفسه - علي أحتمالاته كلها ، ويكشف عن ممارساته النصية ذاتها لديه ! كيف أقترفت كل هذا الوضوح و ... ذاك الصراخ ؟ أعرف أنك تري ، بالوسيعات ، محدودية اللغة وإلزاميتها المقيدة للحركة والسلاسة ، ولكنك - والحق يقال - أنك ، أبدا لم تمجد الصمت ... أننا نعرف أنك تعيش هذه التجربة المروعة بإمتياز لتبلغ بها أقصي ممكناتها ، من خلال الأصطدامات الكثيرة المتنوعة بجدار اللغة ، مواجهة جسورة لتسلط اللغة من داخلها ... أيها الباسل الجسور الوحيد ، هل كنت تخشئ - وأنت في الذري وتتطلع للعلا - مقولة بارت : اللغة لا خارج لها ، أنها إنغلاقة " ؟ ... أو لعلك كنت في الوسط ، في القلب من المتاهة ؟ ولكن ، ياعزيزي ، خبرني أنت - ومعك " الأخوات " الفاتنات ، لم كل هذا الحديث إليك ، ولماذا الآن بالذات ؟  إذن ، تلك هي الأسئلة ، أما أنا ، فقولي هو : حين أفتقدتك في الليل الأمير ، بدأت أهذي إليك مني ، ياشجر التمني ... وحتي لا أنام !
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
* محمد الصادق الحاج ، من أميز كتاب الشعر في السودان ، بوجه جسور وكتابة ليست سليلة لأحد ولا لرؤيا يقتفي أثرها ، نصوصه مفتوحة علي فضاءات رحيبة وببصيرة ولغة باهرة فاتنة ، تتلمس الوجود ، تراوغه إذ تعيشه واقعا يسعي بين الناس ! صدر له كتابان : " جنائن الهندسة " و " أخوات ميم ، النهلة توصد أزرقها " !
* سأكتب عن هذه التجربة المثيرة الضاجة في دنيا الناس بلمعان الجواهر وقيمتها ، نكتب لو أعطينا العمر !
* الصورة لمحمد الصادق الحاج !

الاثنين، يناير 09، 2012

بيني و مأمون التلب توهج الكتابة و ... ياااااااا طينيا !

 " شاقَّةٌ ضربةُ الروحِ في العين،
دودتها أشقى من تُربةِ عَقلها
من نباتات حريقها
من تدليك جسدٍ بدهونِ النظرة حتَّى تطفر سطحيّةُ الشهوَّةِ كتنينٍ بلا رؤوس.

شاقَّةٌ هذه السحابة على السماء
هذه النجمةُ على ضوء عين القطةِ
قاسيةٌ هذه الأرض على الجبال
البحار والمحيطات والأنهار قاسيةٌ على المياه
وحشيٌّّ وجود الألوان أمام المبصرين
وبرقعةُ الجلود شديدةُ البأس على اللحمِ والعظم
الدماءُ، تجترُّ أشلاء ذكرياتها الدورية، تُشوِّهُ القلب
والعضلات لا تفي بمعنى لذَّةِ الضرب والحياة.

أعني أن الكأس مُزوَّدٌ بالحياةِ
إذ تُوجِدُ سبباً لدحر انعدام الأمل
في كلِّ لحظةٍ
أمام اليأس الخلاق؛ التنينُ الأبديُّ الشائخ بحُكمِ أسطوريّتهِ.
الحياةُ تُوجدُ مَنظراً، صورةً، هَبشةُ مَصرَعٍ
لتُقنع الحيوانات العاملين لديها بوجود الأمل.
آهٍ، يا لها من موسيقى
عَزَفتها آلافُ العروق والأنفاس المتلاحقة
لَحَّنتها اللحظات الأخيرة لكل شيءٍ
ولا من مُعترفٍ بوجود نهايةٍ لكل شيء
قاسيةٌ هذه الحياة !" .

إذن ، قد يصيبك داء الحنين ياصاحبي ؟
هذا النص الجميل أجتزاه ، بحنكته الوريفة ، حبيبي مأمون التلب ، من بين أعمدة كتابه الأنيق " طينيا " ثم أرسله إلي ! مخطوطة الكتاب بأكملها لدي ، لكنني – وأنا الغافل عن أشراق الوجود المخبي بعناية في صدور الصحاب – لم أنتبه لهذا الفيض العذب من جماليات الكتابة ، إلا حين يأتيني ، علي حين غرة من أمري ، فيدخلني في المسام وفي الجوانح حيث الوجد الكثير والرؤيا البريق :
" الحياة توجد منظرا ، صورة ، هبشة مصرع
لتقنع الحيوانات العاملين لديها بوجود الأمل ! "
آه ، يالها من موسيقي :
" عزفتها آلاف العروق والأنفاس المتلاحقة
لحنتها اللحظات الأخيرة لكل شئ ...
قاسية هذه الحياة ! "
قاسية ، إذن ، هي الخياة ياحبيبي ،
يا أبن أمي
يا أبن أكثر من أب
كم هي قاسية وعذبة هذه الحياة !
ياصديقي وحبيبي  ...
لابد أن تكون في أفضل السماوات
وأن يتفحص نبضك الأختصاصيين
في علم القلوب !
حين تقدم زادا
للذين يتوكأون علي بحر
كي يغازلوا اللغة ...
ويبعدون عنها الحشرات وبغايا الكلام !
منذ متي وأنت تلقي بالتعاليم في حزم المتعبين ؟
وتحمل عنا عدة أصطياد الفراشات
ورسما بيانيا لذبذبات الرقص ؟
ولأنك خبير مودات  ، فقد أذعت :
" واااااي ...
أنقذوا الفراشات التي تفر من البلاد !
ياجماعة السلالات الحديثة :
لقد أبتدأ الزمن الجميل ! "
كنت أسمع الشجن والوجع في دمعة واحدة
ومن وتر واحد مشدود حتي الدواخل ...
كان الإيقاع يندلق علي وجهي
كان الليل رحيما
رطبا وأنيسا
وحين أنتبهت للصباح ...
وجدتك – كطفل الملائكة – تضع سجارتك بجانبي
وترمي بنفسك في حوض السباحة
فيغطيك الكلام
ويراك الغمام !
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

السبت، يناير 07، 2012

عن الشعر و ... الحبيبة !

يوما ما قال لي أحد الأصدقاء : أنك تكتب شعرا جميلا ! لسذاجتي ، صدقته ، وعشت زمانا توهمت فيه أنني فعلا شاعر ... ثم بدأت صداقتي لهذا الكائن السماوي الأليف ، وأزددت له إخلاصا وحبا ، هذا الصديق الجميل المريب ، بدأت أحسه قريبا مني ، ويبادلني كل أطواري ، بوداد حميم ورفقة عزيزة ، يسألني وأسأله ، يؤانسني وأؤانسه ، يسامرني وينادمني ، فأبادله السمر وأنادمه ، ما غاب عني يوما ولا خانني أو فارقني في رؤاي ، وكان حليما جدا حين ناصرني في رحلة البحث عني ، وعن الحبيبة ، التي أردتها أن تكون لي كما الأم الحنون التي أحتاجها لتربية قلبي الجامح الحرون ، كان ودودا وحكيما وهو يناصرني بصفاء الغمام ورقته ! هو - وحده - من هداني إليها ، وهي ، هناك في أقاصي البعيد ، فجعلها - بقدرته الفذة - كائنة بقلبي ومخيلتي - دفقة حب وحنان وباقة من العواطف والشجن ، فصرنا نمضي معا ؛ علي الطريق السكري ، طريق العنب ... سرنا نحن الثلاثة ؛السوسنةوالشعر وأنا ! وفي ليالي الأرق الطويلة ، حين تبدوا السماء أحيانا بلا نجوم ولا ذكريات أحدق في بحيرة الأحلام لأري تقافز الأسماك الصغيرة الملونة ، تتقافز أمامي الدقائق والمدن والنساء والأصدقاء والقصائد والأشجار والطرقات ... لكني لا أري شيئا من ذلك كله  ، لا البحر يبالي ولا الشباك ترحم جوعي ... ولا الليل ، ولا القهوة ، ولا الشجار ، ولا المقهي الذي أعتدناه ، ولا الجبال الصديقات ، ولا المواويل والأغاني والأناشيد السماويات للثورة القادمة ، ولا نوبات الحراسة وعساكر القمع ، ولا الطهي ، ولا عصير العنب ، ولا ترقب أيام الأجازات ، ولا قصائد لوركا وايلوار ، ولا حكمة كونديرا ، ولا المذياع ، ولا كتابة الرسائل والمذكرات ، ولا رباعيات الخيام وأشعار كجراي ، ولا العناب الذي في حدقات البنات، ولا كأس الخمر الرحيمة ، ولا التدخين ، ولا مناقشات البنيوية واللسانيات وزعم موت الأيدلوجيا ، ولا المجلات القديمة التي بشرت بالرؤية الجديدة ، ولا ساحة التظاهرات ، ولا محجوب شريف ، ولا حميد ، ولا وردي وعقد الجلاد ، ولا ... و لا ... ، ما الذي تفعله إذن كي تنام ؟جاءني - كإشعاع برق خاطف - الصديق الوفي الجميل أخذني برفق حنون للمرفأ ، ممسكا بمركب روحي الهائمة ، أخذني من عري البحر لليابسة ، منحني زرقة الأمواج وسحبني للسواحل الفسيحات ، آآه ، ياصديق روحي الأليف الجميل ، ما أجمل السواحل ! فأين الحبيبة ...أين السوسنة ؟ أشار إلي الشجرالأخضر اليانع ، فرأيت شعرها الطويل ، أ شار إلي قلبي ، فرأيت وجهها القمرييضئ العالم من حولي ، أشار إلي واجهة الموج  ، آآه ياقلبي ... ما أجمل وجه حبيبتي ، ما أجملها " السوسنة " !